"كورونا" منعت العمرة.. والسياسة منعت الحج

على أبو الخير



"كورونا" منعت العمرة.. والسياسة منعت الحج



 

أحسنت المملكة العربية السعودية عندما أوقفت العمرة في شهر رجب الحالي؛ بسبب انتشار مرض الوباء العالمي كورونا، فحياة البشر أهم من أي شيء، والديانات السماوية جاءت لحياة الناس وليس لموتهم، وبالتالي استحسنّا قرار المملكة السعودية، ويمكن أن يستمر المنع في شهر رمضان ثم موسم الحج، وكل هذا يتوقف على مدى انتشار أو توقف الوباء.

 

وإذا كنا استحسنا قرار السعودية، ولكننا نتعجب من تقارير سعودية منها إدارة الملك عبد العزيز البحثية وقنوات سعودية، حرصت على ذكر أعوام توقف فيها الحج، وحددتها بأربعين مرة، معظمها بسبب الأوبئة والفتن؛ مثل البرد الشديد في الشام ومصر والعراق عام 417هـ، كما ذكر ابن الأثير في كتابه الكامل، ولكنها لم تتطرق إلى الأسباب السياسية التي منعت المسلمين من الحج، وهي كما نراها كثيرة وعديدة ودموية أكثر من الأوبئة وعدم الأمان في طرق الحج إلى البيت الحرام ومدينة النبي، عليه السلام.

 

إن أول ما يصادفنا هو هدم جيش يزيد بن معاوية بقيادة مسلم بن عقبة الكعبة المشرفة، بعد أن هتك المدينة المنورة وقتل رجالها وسبى نساءها، وبالتالي تم منع الحج في أعوام 70 و71 و72، وكان عبد الله بن الزبير متحصنًا داخلها. وفي عهد عبد الملك بن مروان قام الحجاج الثقفي بهدم الكعبة مجددًا، وقتل ابن الزبير عام 73هـ، وتوقف الحج. وبعد زوال الدولة الأموية في المشرق تعددت حواضر الخلافة في البلدان الإسلامية؛ فصارت خلافة عباسية بالمشرق، وأخرى أموية بالأندلس، ثم صارت خلافتان بالمشرق، هما الخلافة العباسية ببغداد وفاطمية بمصر والمغرب، وقد كانت المناوشات بينهما تؤثر على أداء فريضة الحج، فعند الحديث عما وقع من الحوادث في سنة 372هـ مثلًا، يقول ابن تغري بردي في كتابه "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة": “قيل: إنّه لم يحجّ أحد من العراق من هذه السنة إلى سنة ثمانين، بسبب الفتن والخلف بين خلفاء بني العباس وبين خلفاء مصر بني عبيد"، ويقول ابن تغري بردي أيضًا عن حوادث سنة 428: “وفيها لم يحجّ أحد من العراق، وحجّ النّاس من مصر وغيرها"، وفي حوادث سنة 650 يقول: “وفيها حج بالنّاس من بغداد بعد أن كان بطل الحج منذ عشر سنين، منذ سنة مات الخليفة المستنصر بالله".. هذه بعض أمثلة قديمة من توقف الحج والعمرة؛ بسبب خلافات السياسيين.

 

ولو أخذنا خطًّا ممتدًّا، وعند تأسيس الدولة السعودية الأولى، سالت دماء المسلمين أنهارًا في الحجاز؛ في مكة والمدينة والطائف.. ففي سنة 1221هـ، انقطع الحج العراقي بعد مجزرة كربلاء التي قام بها الوهابيون، وأعقبه الحج الشامي في العام التالي، ويعود سبب المنع إلى اشتراط ابن سعود على أمير الحج الشامي اعتناق المعتقدات الوهابية، وكان بين الحجاج الشاميين بعض الدعاة الوهابيين، والذين اعتنقوا المذهب الوهابي بعد غزو سعود لمنطقة الشام.

 

أما موكب الحج المصري، فإن ابن سعود أمر بإحراقه فور وصوله، وأمر بعد الحج أن ينادي أن لا يأتي إلى الحرمين بعد هذا العام مَن يكون حليق الذقن، وتلا المنادي في المناداة (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربون المسجد الحرام بعد عامهم هذا)، أي أنه اعتبر كل المسلمين من غير الوهابيين مشركين أنجاس، وعلى إثر قرار الحظر انقطع وصول قوافل الحج من مصر والشام والعراق وإسطنبول؛ لأن السعوديين كانوا يرون في ما يصاحب هذه القوافل من المظاهر، ما يخالف قواعد الدين، ولا يتّفق مع مبادئ الدعوة السلفية، بالإضافة إلى أن هذه المحامل كانت تصحبها قوة عسكرية خشي منها آل سعود، ولذلك لم يسمح السعوديون لهذه القوافل بأن تصل إلى الأماكن المقدسة، ويسجّل السيد أحمد زيني دحلان تفاصيل دقيقة في كتابه "فتنة الوهابية" عن هذه المرحلة؛ بما نصه: (وفي سنة 1217 ساروا -أي الوهابيين- بجيوش كثيرة حتى نازلوا الطائف وحاصروا أهله في شهر ذي القعدة من السنة المذكورة، ثم تملّكوه وقتلوا أهله رجالًا ونساءً وأطفالًا، ولا نجا منهم إلا القليل، ونهبوا جميع أموالهم، ثم أرادوا المسير إلى مكة، فعلموا أن مكة في ذلك الوقت فيها كثير من الحجاج ويقدم إليها الحاج الشامي والمصري فخرج الجميع لقتالهم فمكثوا في الطائف إلى أن انقضى شهر الحج وتوجه الحجاج إلى بلادهم، ثم دخل الإخوان الوهابيون مكة المكرمة والمدينة المنورة كفاتحين، لتطهير المدينتين من البدع، حسب زعمهم، وظل الحج والعمرة متوقفًا 5 أعوام من 1217- 1222 (1803– 1808)، وحدثت معارك متعددة أوقفت الحج جزئيًّا، حتى عام 1818؛ وهو العام الذي تم فيه تدمير الدولة السعودية الأولى على يد الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا بن محمد علي، وخلال الدولة الثالثة الحالية حدثت مواجهات بين السعوديين وحلفائهم الوهابيين وبين عموم المسلمين عند دخولهم مكة المكرمة عام 1925.أدت إلى توقف الحج والعمرة جزئيًّا، في عام 1927 قام الشيخ سلطان بن بجاد بإيذاء المسلمين في المدينة المنورة وقام أتباعه بقطع الأشجار الموجودة بصحن المسجد النبوي وردموا البئر التي كانت قريبة منه، وقاموا بهدم كل شيء من المساجد والأضرحة، ثم هدموا البيوت؛ مثل بيت الرسول وبيت حمزة، وبيوت أهل البيت والصحابة في مكة والمدينة.

 

ولقد أدى هذا التدمير المتواصل إلى استنكار المسلمين كافة، احتجت مصر وامتنعت عن إرسال الحجاج، وفي إيران أقيمت مراسم الحداد، أما مسلمو الهند (وكانوا يمثلون العدد الأكبر من المسلمين عندما كانت الهند موحدة قبل أن توجد باكستان والبنجال)، قام العلماء هناك بإرسال برقية احتجاج صارخة في 27/8/1925، ويقولون للملك عبد العزيز كيف هان عليك الإسلام لتفعل فيه ما فعلت، وعندما وجدوا أن البرقية لم تؤثر في المسلك الوهابي، قام وفد تابع لجمعية خدام الحرمين في الهند بزيارة مكة والمدينة وجاؤوا بنقود وأموال كثيرة لتوزيعها على المسلمين الذين قُتل ذووهم أو شردوا من ديارهم، فقام الملك عبد العزيز بطرد الوفد في 1/3/1926، ولم يجد مسلمو الهند بدًّا من الشكوى للحكومة البريطانية، ولكن اعتذرت بأن هذا من الشؤون الداخلية الإسلامية التي لا يجب التدخل فيها؛ ولكن الملك عبد العزيز وقد رأى امتعاض المسلمين، أعلن أن تطبيق الشريعة الإسلامية سيكون طبقًا للمذاهب الأربعة، ولكن مؤتمر مكة عام 1926 ثم مؤتمر الرياض عام 1927 فرض المذهب الوهابي وحده، وساد الاعتقاد بعد تأسيس المملكة أن تمثل الإسلام السني العالمي، رغم وجود بعض المشاحنات السياسية أثّرت على حجاج هذه الدولة أو تلك، مثل توقف الحج المصري عام 1962، عندما ساءت العلاقات بين مصر عبد الناصر والدولة السعودية، كذلك توقف حجاج ليبيا وإيران في بعض السنوات، وكله راجع إلى خلافات سياسية أثّرت على الحجاج، ولا ننسى ما حدث عندما قام جهيمان العتيبي، ومعه محمد عبد الله القحطاني، باحتلال الحرم المكي في شهر محرم الحرام عام 1400هـ (1979) وقد توقفت العمرة بعدها لعدة أشهر.

 

الملاحظ من هذا السرد التاريخي السريع أن كل دول الخلافة الإسلامية كانت تحاول أن تضفي الشرعية الدينية، من خلال سيطرتها على الحجاز والدعاء لهذا الخليفة أو ذاك على منابر الحرمين الشريفين، ولكن ظلت مصر طوال أكثر من ثمانية قرون تمثل السلطة الروحية للحرمين، فمن مصر كان يأتي قرّاء القرآن الكريم والأطباء وكسوة الكعبة والمعلمين، وظل المهندسون المصريون هم الذين يرممون ويجددون الحرمين الشريفين، تاركين السياسة لأهلها، هذا دون منّ أو أذى..

نسأل الله أن يرفع البلاء والبلاء والكورونا عن الأمة، وأن يرفع الاستبداد، الذي هو أشرّ وأكبر من أي وباء عالمي أو محلي.



أقرأ أيضا