«كورونا» وثقافة الجشع

جيم بيانكو



«كورونا» وثقافة الجشع



 

يشير المستثمرون إلى أنهم يريدون من الساسة بذل كل ما يلزم للتخلص من فيروس «كورونا»، حتى وإن ألحق الأضرار بالاقتصاد.
يبدو من الصعب تصديق ذلك، ولكن بلغت أسواق الأسهم الأميركية، قبل 16 يوماً فقط، مستويات ارتفاع قياسية. ثم سجلت هبوطاً بأكثر من 25 في المائة منذ ذلك الحين، مما يمثل أسرع وقت مسجل بين الارتفاع الجديد والهبوط المفاجئ في التاريخ. ويرجع الرقم القياسي السابق إلى عام 1929، عندما استغرق الأمر 42 يوماً كاملة على مدار شهري سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) من ذلك العام، للتحول هبوطاً إلى الأسواق المنخفضة. ولم يكن الأمر جيداً عندما حطمت الأسواق الرقم القياسي في عام 1929!
ومن المفارقات، أن تدني مستويات الذعر من انتشار وباء «كورونا» كان المحفز وراء عمليات البيع. وتفاقم الانخفاض بسبب المسؤولين الحكوميين الذين لا يزالون يصرون على الإشارة إلى فيروس «كورونا» بأنه مجرد «إنفلونزا» عادية. وعلى نحو أكثر تحديداً، تلك هي مشكلة الرئيس دونالد ترمب، إذ إنه يفكر بهذه الطريقة، ويعتقد أن هناك حالة من الإفراط في ردود الفعل إزاء انتشار الوباء. وظهر هذا الاتجاه في خطابه من المكتب البيضاوي مؤخراً.
وتكمن المشكلة في أن كثيرين، ومن بينهم الحكومة، قد منحوا الأولوية للاقتصاد وأسواق الأوراق المالية مدى الحياة. وبات تحقيق الأرباح الفصلية أكثر أهمية لديهم من إبطاء معدلات انتشار الفيروس. ويشير انهيار الأسواق المالية إلى أن المنهج المتبع ليس هو المنهج الصحيح، وإن لم يتم عكس التوجهات بدءاً من الآن، فسوف تكون العواقب شديدة السوء. وبعبارة أخرى، لإيقاف انهيار الأسواق، لا بد من البدء في حماية نظام الرعاية الصحية، مع التأكد من أنه لا يغشاه الارتباك الكبير، حتى على الرغم من أن ذلك قد يعني التوقف الاقتصادي الموجع في البلدان المتقدمة. ولسوف تستفيد الأسواق كثيراً من هذه الحتمية.
ويبدأ ذلك بالتأكد من توفر ما يكفي من الأسِرَّة في المستشفيات لاستيعاب المرضى. ولدى الولايات المتحدة راهناً ما يقرب من 2.8 سرير لكل 1000 مواطن، وفقاً للدكتورة ليز سبيكت، المديرة المشاركة في معهد «العلوم والتكنولوجيا والغذاء الجيد». وهناك نسبة إشغال تبلغ 65 في المائة من استيعاب هذه الأسِرَّة في أي وقت معين. وتوضح الدكتورة سبيكت أنه إذا سمحنا للفيروس بالتفشي والتضاعف كل ستة أيام في الولايات المتحدة، كما هو الحال لدى بلدان أخرى، فسوف تنفد الأسِرَّة المتاحة في مستشفيات الولايات المتحدة لعلاج المرضى الحقيقيين، والتي تصل إلى نسبة 10 إلى 15 في المائة من كافة حالات العدوى، بحلول مايو (أيار) المقبل.
لذلك، تقول الأسواق إنه من الضروري أن تتخذ الحكومة التدابير الوقائية اللازمة لإبطاء انتشار الفيروس، بدرجة تسمح لنظام الرعاية الصحية بالتعامل مع عدد الحالات المؤكدة. وذلك يعني إلغاء التجمعات الجماهيرية، مثل الفعاليات الرياضية الحاشدة، مع تطبيق التباعد الاجتماعي، والقيود المفروضة على السفر والنقل العام، فضلاً عن إغلاق الشركات والمدارس على نطاق واسع. وربما نلجأ إلى فرض الحجر الصحي إذا اقتضت الضرورة ذلك.
ومن بين التطورات التي لا تنال حظها من التقدير الكافي، فيما يتَّصل بجهود الصين لإبطاء انتشار العدوى بالفيروس إلى المستوى الصفري، أن التدابير الصارمة المفروضة هناك قد أسفرت عن أضرار اقتصادية ونفسية ومعنوية هائلة في البلاد. وحتى الآن، هناك مخاوف من أن الفيروس قد جرى فقط إخماده، ولم يتم القضاء عليه بالكلية، مما يؤدي إلى التردد في إعادة تشغيل الاقتصاد الصيني بالكامل. وحتى عندما يحدث ذلك، فسوف تواجه الصين قدراً هائلاً من الأضرار على المدى الطويل، مما يجعل العودة إلى اقتصاد ما قبل الفيروس من الأمور العسيرة للغاية.
ويتناقش خبراء الاقتصاد حالياً حول ما إذا كانت آفاق الركود ثم التعافي الاقتصادي الأميركي المتوقع، سوف يتخذ شكل حرف «V»، أو «W»، أو «U»، أو «L». وتدور الرهانات حالياً حول شكل الحرف «V»، الأمر الذي يعني ضمنياً وقوع ركود قصير الأجل يتبعه تعافٍ سريع؛ لكن إذا ما تلاشت حالة الغضب الراهنة مع الدعوة الجديدة إلى نزع صفة العولمة عن سلاسل التوريد العالمية، فمن شأن ذلك أن يعزز الآمال للتعافي على شكل حرف «V» أن يتخذ حرف «L»، وهذا ما تبدو عليه إشارات أسواق الأسهم بالانخفاض السريع.
ولكن، إذا ما اجتيحت المستشفيات بالمصابين، واضطر الأطباء إلى اتخاذ القرارات المصيرية العسيرة، بشأن من ينقذون ومن يتركون لملاقاة حتفهم، فإن الدعوات سوف تتحول إلى «ثقافة الجشع» التي تمنح الأولوية للاقتصاد وأسواق الأوراق المالية مدى الحياة، مما يجعل الاستثمار من المحاولات الموجعة للغاية على مدى السنوات القادمة. ومع ذلك، إذا ما تمكن كل مريض من الحصول على السرير الذي يحتاج إليه في المستشفيات، فمن شأن ذلك العمل على تخفيف الأضرار العامة الدائمة، مع إتاحة فرصة أفضل أمام الأسواق للتعافي، وصولاً إلى مستويات الارتفاع السابقة.
وعلى الرغم من أن الأسواق تقدر بوضوح كلاً من التراجع في أرباح الشركات والانكماش في الناتج المحلي الإجمالي، فإن منشأ المخاوف الحقيقية يكمن في الأضرار على المدى الطويل من الاستجابة سيئة الدراسة والتدبير، والتي تواصل ترتيب أطر الاقتصاد على مدى الحياة.
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»

...

جيم بيانكو
كاتب من خدمة «بلومبرغ»

...

نقلا عن «الشرق الأوسط»

 



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..