في الزمن المجروح.. ذكرى وحدة مصر وسوريا

على أبو الخير



في الزمن المجروح.. ذكرى وحدة مصر وسوريا



اثنان وستون عامًا مرَّت منذ إعلان الوحدة بين مصر وسوريا يوم 22 فبراير عام 1958، كان يومًا تاريخيًّا مشهودًا، ابتهجت الشعوب العربية من أقصى المحيط إلى أقصى الخليج، فغنَّى الفنان محمد قنديل "وحدة ما يغلبها غلّاب.. أنا واقف فوق الأهرام قدامي بساتين الشام". وفي 24 فبراير 1958، أي بعد الوحدة بيومَين، ألقى الرئيس جمال عبد الناصر خطابًا من منزل الرئيس السوري شكري القوتلي، قال فيه بحماسه المعروف: "أيها المواطنون، السلام عليكم ورحمة الله، إنني أشعر الآن وأنا بينكم بأسعد لحظة من حياتي، فقد كنت دائمًا أنظر إلى دمشق وإليكم وإلى سوريا وأترقب اليوم الذي أقابلكم فيه، والنهارده.. النهارده أزور سوريا قلب العروبة النابض، سوريا اللي حملت دائمًا راية القومية العربية، سوريا اللي كانت دائمًا تنادي بالقومية العربية، سوريا اللي كانت دائمًا تتفاعل من عميق القلب مع العرب في كل مكان، واليوم أيها الإخوة المواطنون حقق الله هذا الأمل وهذا الترقب وأنا ألتقي معكم في هذا اليوم الخالد، بعد أن تحققت الجمهورية العربية المتحدة".

 

كان هذا الخطاب بمثابة أمل طاغٍ حلمت به الشعوب العربية كثيرًا، ولكنه صار واقعًا، محققًا أمل أبناء الأمة في الوحدة والحرية والاشتراكية، وهي المبادئ القومية الثلاثة، التي نادى بها القوميون والبعثيون؛ ولكنهم اختلفوا في الترتيب، قال الناصريون: "حرية- اشتراكية- وحدة"، ولكنْ البعثيون رتبوها: "وحدة- حرية- اشتراكية"، وبالتأكيد لم تحدث وحدة ولا حرية ولم تنجح الاشتراكية، بترتيب أو دون ترتيب؛ المهم وخلال تلك الأيام الخوالي كانت الوحدة قائمة بالفعل، وتوقع كثيرون أن ظلال الوحدة ستمتد على باقي الدول العربية، فقد توقع مثلًا الكاتب الصحفي الراحل الأستاذ مصطفى أمين، في حوار إذاعي قديم له، أن يشهد عام 2000 وجود الولايات المتحدة العربية على غرار الولايات المتحدة الأمريكية، وكان أكثر المتشائمين يعتقدون أن الوحدة ستشمل العراق على الأقل بعد ثورة عبد الكريم قاسم، في نفس عام الوحدة، في كيان الجمهورية العربية المتحدة الوليدة، وتعاظم الأمل في محاربة الكيان الصهيوني، والانتصار عليه، ومن ثَمَّ عودة الفلسطينيين إلى ديارهم؛ خصوصًا أن القدس الشرقية والضفة الغربية بأسرها، كانت ما زالت تحت رعاية الدولة الأردنية الهاشمية، وغزة تحت الإدارة المصرية، ومن ثمّ يمكن القضاء على العصابات الصهيونية، التي لم يكن لها دولة قبل عشر سنوات، وهو نصر  كبير توقعته الشعوب العربية.

 

ولكن ككل الآمال العظام، تنهار بمأساة؛ حيث لم تبلغ دولة الوحدة عامها الرابع حتى انهارت في يوم 28 سبتمبر 1961، كما فشل أي مشروع وحدة بعدها، فقد حاولت مصر الدخول في اتحاد بين مصر وسوريا والعراق، وفي عصر الرئيس أنور السادات حدثت محاولات غير طبيعية باءت بالفشل، بين مصر وليبيا وسوريا، أو بين هذه الدول الثلاث ومعهم السودان، أو بين العراق وسوريا، أو الاتحاد العربي  بين مصر- الأردن- العراق- اليمن، كله فشل، ربما الحالة الوحيدة التي شهدت نجاحًا جزئيًّا هي مجلس التعاون الخليجي، وسبب نجاحه كما نرى هو التشابه بين أبناء الجزيرة العربية والثروة النفطية، بالإضافة طبعًا إلى أنهم مشمولون جميعًا بالحماية الأمريكية، وفي السنوات الأخيرة تشهد انقسامات متعددة.

 

على أية حال، فشلت الوحدة السورية- المصرية بالفعل لأسباب متعددة؛ منها الاستبداد والانسداد السياسي وربما أيضًا البيروقراطية السياسية، ولكن ورغم هذا فإن الأمل الوحدوي ظل قائمًا وبارزًا، فقد ظل المشروع العروبي بقيادة جمال عبد الناصر متوهجًا، ولكنه كان مُحاصرًا صهيونيًّا وعربيًّا خليجيًّا وخارجيًّا من قِبَل الدولة الأمريكية؛ ومعها الدولتان الاستعماريتان القديمتان بريطانيا وفرنسا، كلهم أيقنوا أن الوحدة تجهض أي مشروع استعماري؛ لأنهم يعلمون أن حالة الوحدة بين الشام ومصر تُعتبر حالة فريدة تاريخيًّا وحضاريًّا واجتماعيًّا ودينيًّا، فعندما تتوحد الدولتان يحدث النصر كما حدث في الحروب الصليبية والمغولية، والعكس يحدث عند الفرقة، والدولة الصهيونية تعلم أن وحدة مصر وسوريا مقدمة لهزيمتها، فسعت جاهدة لتكسر مشروع الوحدة، ومعها مؤازرة ساحة الرجعية العربية الثرية، هذا إلى جانب التقديس السياسي للزعيم عبد الناصر وهو رجل الوحدة الأول والأخير، وعندما سقط التقديس بدأ الانهيار؛ خصوصًا وقد أقامت الدول العربية ما عُرف بالاتحاد الهاشمي بين العراق والأردن في فبراير عام 1958 تزامنًا مع إعلان وحدة مصر وسوريا، وذلك من أجل الوقوف في وجه الاتحاد المصري السوري، أي كانت حربًا سياسية أو بين فكرة رجعية وأخرى ثورية، بالإضافة إلى أسباب داخلية في الإقليمين الشمالي والجنوبي، فقد حدث نوع من التفرقة بين المواطنين، فصار السوريون الذين حملوا سيارة الزعيم عبد الناصر هم من أرادوا الانفصال، بعد أن شمل تأميم الممتلكات في الإقليم السوري كما حدث في الإقليم المصري، وهو ما رفضه رجال الأعمال السوريون، كما أن العناصر السياسية في سوريا كالرأسمالية والأقليات (كالتركمان والأكراد وغيرهم)، والمعسكر الشرقي والشيوعية العربية، كلها كانت تصب في خانة الانفصال، ولا ننسى أن وجود الدولة الصهيونية كان عائقًا طبيعيًّا يمنع التلاقي العروبي بين الإقليمين العربيَّين، كل تلك الأسباب ساعدت وبسرعة في انهيار الوحدة، صحيح أن الجمهور العام والضمير الشعبي كان يحب الاستمرار في الوحدة، ولكن حرب الشائعات، والتمويل السعودي والتدخل الأمريكي، أدى كله إلى فشل الوحدة. يقول محمد حسنين هيكل في كتابه "ماذا جرى في سوريا؟"، الصادر عام 1963: "إن رموز الانقلاب على الوحدة وهم حيدر الكزبري الذي كان بمثابة خزينة الانقلاب، هو أيضًا الذي حاصر المشير عبد الحكيم عامر بالمدرعات في بيته وفتح نيران المدافع على البيت، فيما كان المشير في مقر القيادة، ومن زعماء الانقلاب أيضًا عبد الكريم النحلاوي وهو مدير مكتب القائد العام لشؤون الجيش الأول وقد كان من قادة الانقلاب رغم كونه موضع ثقة لعبد الحكيم عامر، وهنا تبدو أن حالة الثقة في بعض الأشخاص، ماثلت حالة فريدة من الانهيار السياسي ثم العسكري، ثم الانفصال، وكان من نتيجة الفشل هزيمة عام 1967، واحتلال أراضي ثلاث دول عربية، وعندما حدث نوع من التضامن العربي قبيل وأثناء حرب أكتوبر 1973، تيقنت الإدارات الأمريكية أن تفتيت المنطقة هو المقدمة لدوام التنازع فلا تقوم قائمة لأي دولة، لا وحدة ولا تضامن ولا حتى تنسيق عربي عربي، وربما حاول الملك فيصل في بادرة غير مألوفة على المستوى السعودي المناهض للوحدة بين مصر وأي دولة عربية، ربما جعلته بتزعم منع البترول عن دول تساعد إسرائيل، فتم اغتياله يوم 25 مارس 1975، وهو الاغتيال الذي تم التعتيم عليه حتى الآن، لا نعلم من خطط ومن غسل رأس الأمير القاتل ليقتل عمه الملك".

 

نكتب عن ذكرى الوحدة في الزمن الحالي المجروح، سوريا تنزف ومطرودة من جامعتها العربية وتحارب الإرهاب التركي المنظم والمعلن، تحارب الإرهابيين، ومعهم الأمريكان، والروس وإيران يدافعون وسط عدم تدخل عربي، هي حرب عالمية بكل معاني الكلمة على سوريا، أي بعد ستين عامًا تمزقت سوريا وتحاول لملمة أشلاء الوطن، بعد أن كانت يومًا الإقليم الشمالي لدولة الوحدة، والعراق وليبيا واليمن ولبنان في طرق التفتت، وما يعنينا في هذا الأمر كله هو أن الدول العربية بعد اثنين وستين عامًا من توقيع الوحدة بين أشقاء الشام ومصر، هم من نفس جنس العرب الذين يحاربون بعضهم البعض، وصار التقارب العربي مع الصهيونية لا يمثل عارًا، ولا يؤنب ضميرًا، رغم أن الجميع يعلمون يقينًا بالمؤامرة التي نُسجت وتُنفذ خيوطها بالأيادي العربية.

 

في ذكرى الوحدة لا نجلد ذاتنا، لكننا نشرح كيف تهاوت الشعوب العربية، من أعلى علياء السماء لأهبط قطعة في أرض اليأس، والمفترض أن الأمل لا يزال باقيًا، عندما يدرك العرب أن وحدتهم أو تنسيقهم في ما بينهم سر بقائهم، وأن جراحهم تدمي بأظافرهم وحدهم، وهذا الإدراك هو بداية الطريق، ولكنها الشابة نسرين سألتني بخبث، هل يمكن للأمل أن يتحقق؟ وقلت لنفسي قبلها، أملي ضعيف وسؤالك خبيث..



أقرأ أيضا