محمد الفخرانى يتجول فى العالم بـ«مزاج حر»




محمد الفخرانى يتجول فى العالم بـ«مزاج حر»



يبدأ محمد الفخرانى روايته الجديدة «مزاج حر»، والصادرة عن الدار المصرية اللبنانية أوائل العام الجارى، بجملة مفتاحية: «أحد أحلامى الكبيرة أن أتجول فى العالم».

والرواية، فى ظنى، هى ختام لمشروع خيالى تمامًا، عالَم يقيمه الفخرانى كاملًا بلا سند واقعى، استهله بثلاث مجموعات قصصية: «قبل أن يعرف البحر اسمه» ثم «قصص تلعب مع العالم» ثم «طرق سرية للجموح»، وبعدها رواية «ألف جناح للعالم»، ثم آخر مجموعاته القصصية «عشرون ابنة للخيال»، لتأتى رواية «مزاج حر» وهى الثالثة للفخرانى، لتبدو كأنها تجميع لهذا العالم الذى شيده الفخرانى أخيرًا، وهكذا صار عاديًّا أن يتجول فيه.. يطير، يمشى، يحادث الحيوانات والطيور، يسافر فى الزمن وفى التاريخ أيضًا، ثم يعود إلى الأرض.
بطل الرواية لا اسم له، وربما قصد الفخرانى ذلك كى لا يضع شروطًا للحلم، أى شروط، هو كاتب يحلم بالتجول فى العالم، يقرر ذلك فى لحظة ما، يجهز حقيبته وفيها أقلام وأوراق وبعض الملابس، يحجز تذكرة فى قطار يتجه للعاصمة، يسير القطار ثم يتوقف فجأة ليخرج منه الكاتب المتجول ويشاهد حشدًا من الناس يتحدثون عن عباس بن فرناس الذى سيطير لتوّه. هو الآن فى قرطبة، يشاهد عباس بن فرناس وهو يطير وسط تصفيق الناس وتهليلهم. يمضى الكاتب المتجول فى طريقه ليقابل «الفتاة الكمان» التى بطنها عبارة عن كمان تعزف عليه وتسمح للآخرين بأن يفعلوا.. تعزف للحب، للجمال، للطيران، وللحرية، وهذه الشخصية هى واحدة من قصص «عشرون ابنة للخيال»، ولم أجد مبررًا فنيًّا لأن يلجأ إليها الفخرانى سوى افتتانه بها، أو احتياجه لما يعبر عن الجمال فى شكله الخام، وكانت الفتاة الكمان عنده هى ما يفى بالغرض.
ومن بين الشخصيات يلتقى الكاتب المتجول مع المهرج، وعبر عشر صفحات يرسم الفخرانى صورة لمهرج فيلسوف، يدرك أسرار لعبته، يفهمها، ويتفهم طبيعة دوره، يرى أن فقرة المهرج هى الأكثر جدية فى السيرك، يشعر معهم بألم لا يعرف مصدره، ربما كان منبعه هو ما يكمن وراء هذا القناع وتلك الوجوه الباسمة من عذابات وأوجاع. يتمشى الكاتب المتجول مع المهرج الذى يفسر سبب أننا خُلقنا بوجه واحد لا يمكنه تبديل أقنعته وفق رغباته: «حتى يحمل وجهنا الواحد تاريخنا كله، ويعرفنا الآخرون عندما نفعل الأشياء، لو كان بإمكاننا تبديل وجوهنا أو إخفاؤها لَملأنا العالم جنونًا».
يؤمن المهرج بأن دوره مهم جدا، ومن خلال قناعه كمهرج استطاع أن ينجح فى ما فشل فيه الآخرون، قال آراءه بصدق، وعبّر عن قناعاته التى يؤمن بها: «سخرت خلف قناعى من أشياء ضخمة، وأشخاص مرعبين، سخرت من كل شىء، وكل واحد أردت السخرية منه، نكلت بهم، وكانوا يضحكون (...) كنت أنظر فى عيونهم مباشرة عن قرب، كانوا يرون نظرتى، تأكدت أن كل واحد منهم رآها بوضوح، وعرف أنى أعنى ما أقوله وأفعله، فتتلاشى ضحكته المصطنعة».
شخصيًّا، يبدو لى أن شخصية المهرج، أو حالته بالأحرى، لن تمر مرور الكرام على قارئ «مزاج حر»، بل سيتفاعل معها، يحسّها، يدرك ما وراء كلمات المهرج، وربما استشعر وجوده حوله، أو بالقرب منه، أو داخله. فى كل الأحوال، ستبقى هذه الشخصية لفترة، تومض وتختفى، غير أن تأثيرها لن يزول بسهولة، كما لن ينفع معها قراءة عابرة.
ثم يقابل بطلنا البائع المتجول، وهى الشخصية التى تمنحه كمًّا كبيرًا من الدهشة والجمال، تمنحه القدرة على الطيران من خلال سائل يمنع الجاذبية الأرضية من ممارسة تأثيرها، ولكن ذلك يحدث لدقائق فقط، يحدّثه عن ألف ليلة وليلة، ويخبره بأن تجواله الكثير فى العالم سيمنحه القدرة على التنقل فى الزمان والمكان بمجرد التفكير. وفى نهاية اللقاء يختار الكاتب المتجول أن يلتقى مع شهرزاد، ويعرض عليه البائع طاقية الإخفاء ليتمكن من دخول قصرها بسهولة دون إيذاء الحرس، ويرفض الكاتب المتجول: «أنا كاتب متجول، ولست الكاتب المتسلل».
يقابل شهرزاد، شابة فى الخامسة والعشرين، يحكى لها عن تأثيرها وكيف أصبحت شخصية أسطورية خالدة، امتد تأثيرها عبر مئات السنين، تحكى له عن الحكايات وكيف جعلت من شهريار إنسانًا جديدًا أكثر رقة وإنسانية، بل كيف حوّلت السياف إلى عازف، يمرر أصابعه على الأوتار، فينسى، ويتماهى مع لحنه، يذوب فى لحظة ما، علّمته شهرزاد الحكايات بعد أن صار بلا عمل، إذ توقف شهريار عن الذبح، فمنحته الحكايات رهافة وعذوبة فصار موسيقيًّا!
وفى نقطة مفصلية فى بناء الرواية، تعرض شهرزاد فى نهاية قصتها مع الكاتب المتجول أن يدخل مغارة علِى بابا ليأخذ ما يشاء من ذهب وفضة ولؤلؤ وأحجار كريمة. لحُسن الحظ يرفض، ويكتفى بالحصول على البساط السحرى الذى يمكّنه من الطيران بسهولة، وحسنًا فعل برفضه هذا، لأنه حال موافقته كان سيهدم الهدف من الرواية كلها، حيث السفر فى المكان والزمان بحثًا عن الجمال، والدهشة، والحب، وكاد التفكير المادى البحت يقضى على كل شىء.
يقابل الكاتب المتجول شخصيات أخرى مثل المتشرد المجهول ويتجول معه لفترة، ثم ملاك المشى الذى يعلّم الأطفال كيف يمشون ثم يتركهم بعد عشر خطوات، وأيضًا شيطان العرقلة الذى يعرقل الكبار؛ لسببَين: إما أن يمنع عنهم خطرًا سيلحق بهم لو أنهم وصلوا فى موعدهم المناسب، وإما ليُضحك الآخرين منهم بسبب غرورهم المستفز له شخصيًّا.
وفى «وسط العالم» يقابل علماء من أزمنة مختلفة، يقابل جاليليو، أرشميدس، أبقراط، آينشتاين، ابن سينا. يقابل أيضًا شخصيات روائية مثل الشيخ عبد ربه التائه فى «أصداء السيرة الذاتية» لنجيب محفوظ، يقابل دون كيخوته، يقابل كوازيمودو وأزميرالد، يقابل روميو وجوليت، ويحاول أن يتدخل ليضع لقصتهما نهاية أخرى، إذ ينصح روميو بأن لا يتناول السم، محاولًا أن يفهمه أن جوليت لن تكون ميتة وقتذاك، ثم يمضى مفكرًا: هل الأفضل أن تنتهى القصة كما خطط شكسبير، أم استمرار الحب؟
وفى مقهى «بطن الدولفين» يقابل سيمويا، ودوفو، والقبطان المذهول، وهم الشخصيات الثلاث الأكثر حضورًا فى روايته «ألف جناح للعالم»، ومن خلال لقاء وحوار ذكيين، يعالج الفخرانى إشكالية علاقة الكاتب بشخصياته وأى من الطرفين يعرف عن الآخر أكثر، ويتفاجأ بأن شخصياته تعرف عنه الكثير. يرقص مع سيمويا على موسيقى بديعة تعزفها «الفتاة الكمان» التى تحضر مرة ثانية، وهى الشخصية الوحيدة فى الرواية التى تحضر مرتين.
وفى الجزء الأخير من الرواية، يكمل الكاتب المتجول رحلته بما يليق مع العالم، فيرى النبى موسى فى إحدى لحظات حديثه مع الله، يقابل مريم العذراء، يشاهد عمر بن الخطاب وهو يلوم نفسه على امرأة بات أولادها جوعى، ثم يصعد الكاتب المتجول إلى الجنة، وهناك يجد مكتبة كبيرة اسمها «مكتبة الجنة الكبرى» وهناك على مقربة منها شاب متطوع لمَن أراد أن يستوضح أمرًا ما.. شاب فى الثلاثينات من عمره، ويبدو سعيدًا بعمله، اسمه «خورخى لويس بورخيس»!
ومن إحدى نقاط تماس السماء مع الأرض، يعود الكاتب المتجول ليجد نفسه فى الشارع الذى يسكن فيه، والزمن الذى سافر منه، فكر فى الجملة التى تكررت وقرأها فى كل زمان سافر فيه وفى كل مكان مرَّ به، وهى «فلان يحب فلانة» بلغات العالم كله، ولم يدرك كيف قرأ كل هذه اللغات ومتى وأين تعلمها! سمع خفق أجنحة وشاهد ابن فرناس يطير، ظل يراقبه حتى اختفى، ثم «توقفت عند مدخل البناية التى أسكنها، نظرت إلى السماء، وابتسمت لله.. فى الحقيقة كنت أجاوب ابتسامة الله لى».

 



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...