سيد قطب بين نرجسية التفرُّد ودمه المراق وفكره العنيف

على أبو الخير



سيد قطب بين نرجسية التفرُّد ودمه المراق وفكره العنيف



عرضت شاشة "dmc" الجزء الأول من الفيلم الوثائقي "قصة حياة سيد قطب"، وقد شرح الفيلم أسباب عدم زواج سيد قطب، وكأن عدم زواجه كان سبب عنفه ودمويته؛ حتى إن الدكتور يحيى الرخاوي، أستاذ الطب النفسي، شرح أن سبب عنف سيد قطب أنه لم يجد صدرًا حنونًا و"كأن محتاج إن حد يشوفه ويصفق له، فوجد في المقابل جماهير بتضرب له تعظيم سلام بدل ميتحاوروا معاه في فكره"، وأن جماعة الإخوان كانت البديل له عن الزوجة أو المرأة بصفة عامة، وهو تبرير متهافت؛ فعباس محمود العقاد لم يتزوج، وظلت المرأة في هامش شعوره، ولم يتطرف العقاد أو دعا إلى العنف، ظلت قضيته الحرية والديمقراطية، ولكن قصة سيد قطب ليست لها علاقة بالنساء.

 

وقد كتب كثيرون عن التحولات الفكرية لسيد قطب، نقترب منها أو نبتعد، ولكن يبقى أن سر عنف سيد قطب يتلخص في نرجسية شخصية وفكرية، وهو ما عرضه الروائي وحيد حامد في مسلسله "الجماعة"؛ فسيد قطب أراد منذ البداية أن يكون متفردًا في نفسه وكتبه، زعيمًا سياسيًّا ومفكرًا يمتلك الحقيقة كاملةً، ودوره أن يسير الجميع خلفه مصدقين ومصفقين له، فقد تحول وحيدًا من أقصى يسار الفكر وعلمانيته، إلى أقصى يمين العنف بدمويته، فقد بدأ أديبًا وناقدًا أدبيًّا؛ فألف أمثال "طفل من القرية، وهي سيرة ذاتية- رواية أشواك- النقد الأدبي: أصوله ومناهجه"، ولكنها لم تحقق له التفرد، ثم تأثّر بفكر عباس العقاد وحضر ندواته، ويظهر هذا واضحًا في كتابَيه "التصوير الفني في القرآن" و"مشاهد القيامة في القرآن". وحين اندلعت الحرب الفكرية بين العقاد ومصطفى صادق الرافعي، وقف مع العقاد المتفتح في وجه الرافعي المحافظ؛ ولكنه في ما بعد ابتعد عن العقاد، لأنه لا يريد أن يكون تابعًا، بل متبوعًا، وسار وحيدًا يتخبط بين الفكر الماسوني والدعوة إلى الحرية، وبين الكتابة الإسلامية من منظوره وليس بمنظور العقاد؛ فألَّف ربما أهم كتبه من وجهة نظرنا، وهو كتاب "العدالة الاجتماعية في الإسلام"، وكان بداية تحوله العنيف إلى الفكر اليميني، أهدى كتابه لمَن قال عنهم: "إلى الفتية الذين كنت ألمحهم بعين الخيال قادمين فوجدتهم في واقع الخيال قائمين، يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، مؤمنين في قرارة أنفسهم أن العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين، إلى هؤلاء الفتية الذين كانوا في خيالي أمنية وحلمًا، فإذا هم حقيقة وواقع، حقيقة أعظم من الخيال، واقع أكبر من الآمال، إلى هؤلاء الفتية الذين انبثقوا من ضمير الغيب، كما تنبثق الحياة من ضمير العدم، إلى هؤلاء الفتية الذين يجاهدون في سبيل الله وعلى بركة الله، أهدي هذا الكتاب"، وهو الإهداء الذي اعتبرته جماعة الإخوان أنه يقصدهم بالإهداء، فبدأ يشعر بعظمته، وقد أكد ذلك في تحقيقات قضية عام 1965، فقال: "فهم الإخوان في مصر أنني أعنيهم بهذا الإهداء، ولم يكن الأمر كذلك؛ ولكنهم من جانبهم تبنوا الكتاب، واعتبروا صاحبه صديقًا، وبدؤوا يهتمون بأمره، ولمّا عُدت في نهاية عام 1950، بدأ بعض شبابهم يزورني ويتحدث معي عن الكتاب"، والحقيقة الغائبة، هو سر احتفاء الإخوان بالكتاب، فقد تبنّى الكتاب نقدًا هائلًا لكبار الصحابة الذين يقدسهم الإخوان؛ مثل عثمان بن عفّان ومعاوية وعمرو بن العاص، والكتاب نفسه احتفى به اليساريون واعتبروا سيد قطب منظّرًا لفكرهم، واعتبره ضباط ثورة يوليو 1952 منظرًا مدنيًّا لهم أيضًا؛ بسبب الكتاب وبسبب مقالاته النارية ضد الملك فاروق وأسرته كلها. وفي كل الأحوال شعر سيد بتفرده وعظمته؛ خصوصًا بعد أن اقترب من ثوّار يوليو، واعتقد أنهم لا يستطيعون العمل من دونه، ولكنهم استغنوا عنه، فبدأ طريق التفرد عندما وجد نفسه زعيمًا فكريًّا لجماعة الإخوان، ينادون باسمه ويقرؤون كتبه، حتى صار إلى حبل المشنقة.

 

إن التبدّل الحقيقي والأخير، حدث بعد عودته من بعثة الولايات المتحدة الأمريكية، حدث تحول تدريجي، ولكنه عنيف، ولا يمكن الادعاء أن رحلته إلى أمريكا هي السبب؛ ولكن السبب كما نرى يكمن في تركيبته الفكرية. وقد حاول الدكتور حسن حنفي الدفاع عن تحول سيد قطب، فقال: (إن سيد قطب لو ذهب إلى جامعة السوربون لألّف كتاب "من العقيدة إلى الثورة"، ولو دخلت أنا المعتقل لألّفت كتاب "معالم في الطريق")، وهو الأمر الذي نقدته في كتابي "ثورة العقيدة وفلسفة العقل" عن فكر حسن حنفي؛ لأن حسن حنفي تحول من الفكر المحافظ إلى الفكر اليساري أو العلماني بعد أن ذهب إلى الغرب، ولكن سيد قطب عاد متطرفًا بعد أن عاد من الغرب، المهم أنه تحول بعنف فكري رهيب، دافع عن ثورة يوليو، وكان متحدثها المدني، ثم انقلب عليها بعنف أيضًا. وفي السجن، أكمل تفسير "في ظلال القرآن"، ثم ألف أخطر كتبه وهو "معالم في الطريق"، متأثرًا بالفقيه الهندي أبي الأعلى المودودي في نظرية حاكمية الله التي تدعو إلى عودة دولة الخلافة؛ ولكنه أنكر تأثره به، تماهيًا مع تفرده الذي كان يشعر به.

 

وفي "معالم في الطريق" انقلب سيد قطب على كل فكره القديم، واعتبر نفسه يملك الحق المطلق، وأن عليه نشر الفكر بالقوة، واعتبر أن العالم كله يعيش الجاهلية المعاصرة ولابد من النقاء الديني، بإجبار الناس على الدخول في الإسلام، وأن الخلافة الإسلامية وحكم الإخوان المسلمين نيابة عن الله، هو السبيل للدخول في الملكوت الأرضي، وهذا يعني أن حركة الإخوان هي أم جميع أشكال ودرجات الإسلام السياسي العنيف، وصولًا إلى تنظيمَي القاعدة وداعش، والعالمية الإسلامية لسيد قطب والإخوان بأستاذية العالم؛ هي نفس شعارات الدعوات الأخرى، نادت بها الشيوعية والرأسمالية، وحاليًّا العولمة، وكلها تهدف إلى توحيد الجنس البشري في دين واحد أو ثقافة موحدة ولغة وحيدة، وفي التاريخ نماذج شريرة لتوحيد الجنس البشري؛ مثل حروب الإسكندر الأكبر قديمًا، ومحاولات الدولة الأمريكية حديثًا، وكلها باءت بالفشل، واكتوت الشعوب نيران الحروب بسببها؛ لأن توحيد العالم يخالف الفطرة الإنسانية، فضلًا عن أن التوحيد الثقافي أو الديني لابد أن يحدث عبر الحروب وسيل الدماء أنهارًا، وهو أمر يخالف كل نداء رسالات السماء؛ خصوصًا الإسلام، الذي يدعو إلى السلام وليس الحرب أو القتال، وكل حروب النبي محمد، عليه السلام، كانت دفاعية دائمًا. وعندما حاول سيد قطب التوفيق بين دعوته الدموية ودعوة الإسلام العادلة، وقع في التلفيق، ونلاحظ ذلك عندما شرح سبب عدم فرض القتال على النبي والمسلمين خلال ثلاثة عشر عامًا في مكة، جاءت تلفيقاته مزورة، فقد وضع من عنده سبعة أسباب؛ منها "أن الكف عن القتال في مكة، ربما لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد، أو اجتنابًا لإنشاء معركة ومقتلة داخل كل بيت، أو لأن كثيرًا من المعاندين الذين يفتنون المسلمين عن دينهم ويعذبونهم، هم بأنفسهم سيكونون من جند الإسلام المخلصين، بل من قادته؛ مثل عمر بن الخطاب. وبعد كل ذلك يصل إلى السبب المنطقي وهو لقلة عدد المسلمين حينئذ.. ففي مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة إلى قتل المجموعة المسلمة القليلة، حتى ولو قتلوا هم أضعاف مَن سيقتل منهم، ويبقى الشرك ولا يقوم للإسلام في الأرض نظام، ولا يوجد له كيان واقعي، وهو دين جاء ليكون منهج حياة ونظام دنيا وآخرة"، وهو ما نقده الراحل محمد جلال كشك، فقال: فطالما قلة عدد المسلمين في مكة يتهددهم الفناء، فلماذا البحث عن أسباب أخرى؛ ولكنه التبرير الذي يضع النتيجة أولًا، ثم يبحث عن أسبابها، وهو منطق معكوس، ولكنه منطقي في فكر سيد قطب، الذي يُعتبر المنظّر الأول لكل حركات العنف والإرهاب، حتى اليوم، هذا ما نرى.. بعيدًا عن كل ثرثرة أو نميمة.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..