كل سنة وأنت طيب.. طيب!

خالد كساب



كل سنة وأنت طيب.. طيب!



«الحياة لا تقدم ضمانات من أى نوع.. فقط اختيارات، لا يقين.. فقط تداعيات، لا نتائج متوقعة.. فقط ميزة السعى»، مقولة لـ«تيم كونر» سوف تتأكد من مدى صحتها كلما توغَّلت بداخل دهاليز لعبة الحياة، فاللعبة قائمة بالفعل على مجموعة من الاختيارات اللا محدودة، أوبشنات بالعبيط أمامنا طوال الوقت، ولا ضمانة لأى اختيار فيها، ولا يقين مؤكد يجعلك تعلم مدى صحة اختيارك من عدمها، حيث ينبغى عليك أن تستقبل تداعيات اختياراتك لتعلم مدى صحتها، ولتعلم أنه لا نتائج متوقعة فى تلك الحياة، حيث إنه لا حسابات منطقية للعبة الحياة.

 

لو أراد الله لنا ألا نخطئ أبدًا، لخلقنا منذ البداية ملائكة.. ولو أراد لنا أن نكون مدفوعين بغريزتنا فقط، لخلقنا منذ البداية حيوانات.. لكنه أرادنا بشرًا، بشرًا تتنازعهم شهوة غرائزهم من جانب فتنتصر أحيانًا، بينما تتنازعهم حكمة عقولهم من جانب آخر فتنتصر أحيانًا أخرى. ومن ذلك الصراع الأزلى بين غرائزنا وعقولنا وبين شهوتنا وحكمتنا تنبثق القوة الدافعة لتسيير تلك التجربة الدرامية المسماة حياة، تلك الهبة الجميلة والمعجزة العظيمة التى منحها الله لنا أو منحنا لها لنعيشها ونفهمها ونحاول تغييرها إلى الأفضل، لكننا قررنا اختزالها بكل جلالها ورونقها فى مجرد حصالة، حصالة لتحويش أكبر عدد ممكن من الحسنات التى عن طريقها يمكننا الدخول إلى الجنة عِدِل.

 

وفى خضم عملية الحساب والتحويش تلك قررنا إقناع أنفسنا بأننا طيبون بالفعل وبأننا نفعل الخير ونأتى الحسنات ابتغاء مرضاة الله وليس ابتغاء امتلاء الحصالة، فانهمكنا فى التمثيل على أنفسنا وعلى الآخرين وعلى ربنا ونسينا السبب الرئيسى الذى من أجله أتينا إلى تلك الحياة.. ألا وهو أن نحياها!

 

إنه فيلم الحياة الذى ينبغى علينا أن نستشعر الرهبة فى أثناء أداء أدوارنا المزدوجة فيه كممثلين ومشاهدين فى الوقت نفسه، والذى لا نملك فيه سوى الانصياع لكلمة «أكشن» التى ننزلق بعدها على طول من بطون أمهاتنا لنخوض الكثير من الصراعات مع أنفسنا والآخرين والحياة والطبيعة والعالم.. حكايات وقصص ودراما وعذابات وآلام وأفراح وضحك وبكاء وغرام وانتقام وحب وكراهية وتسامح وحقد ووفاء وخيانة وغدر وإخلاص وسعادة وتعاسة، ثم «CUT».. نسمعها فنخرج من دار العرض فى هدوء تاركين رفاقنا يواصلون دورهم فى الفيلم الذى ترتكز حبكته الرئيسية على أنك سوف ينبغى عليك أن تنفق معظم عمرك تقريبًا لكى تكتشف فى النهاية أنه فيلم.. مجرد فيلم، قد يبدو لك أحيانًا تراجيديًّا بعنف، وأحيانًا أخرى ميلودراميًّا بغباء.. إلا أنه فى جميع الأحوال كوميدى لدرجة البكاء!



أقرأ أيضا