حينما تضحك التراجيديا

عبد الرحيم كمال



حينما تضحك التراجيديا



نكتة مدينة جوثام الدامية.

ضحكة كبيرة مرسومة بالدم.

القمامة تملأ الشوارع.

السلالم تصعد إلى ما لا نهاية.

العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء.

الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".

 

آرثر كما هو اسمه أو "هابي" كما تناديه أُمُّه التي ليست أُمَّه، في مفارقة ساخرة بين الاسم والواقع تمامًا، مثل وجه المهرج الضاحك وحياته المأساة.
 

حينما تكون الكوميديا والكوميديان والنكات والدعابة هي صناعة البطل التراجيدي، فنحن أمام عمل سينمائي مختلف.

 

السلالم المؤدية إلى بيت آرثر هي سلالم وجودية شديدة البلاغة السينمائية، سلالم تصعد وتهبط عليها أقدام البطل وترقص أيضًا في رحلة ممتدة من قاع المدينة إلى أقصاها، مدينة جوثام الرهيبة التي يسكن سياسيوها أو ساستها القصور، وإعلاميوها الاستوديوهات، بينما الطبقات الدنيا يسيرون وسط أكوام القمامة ويصعدون وسط أسانسيرات تتعطل بهم وترتج ثم يؤون إلى جحور على هيئة شقق صغيرة، ليستمعوا إلى ساسة كذبة ويقتاتون على برامج ترفيهية مزيفة تدَّعي السخرية من الواقع، لكنها تسخر من المواطن نفسه وتحتقره (المواطن الكسول الأحمق الذي يحقد على الأغنياء، لأنه كسول وجبان)، وحينما يلجؤون إلى الأطباء للعلاج يأتي الخبر المؤسف بتوقف دعم الدولة للعلاج وصرف الأدوية، وعليهم أن يكملوا التعايش مع آلامهم وأمراضهم دون علاج.

 

في وسط كل هذا المناخ الخانق يتحرك الجوكر آرثر، الذي يحطم الشباب المتنمر لافتته وضلوعه في أول الفيلم، إنه المهرج الفقير المسؤول عن أُمِّه، زميل المهرجين والأقزام الطامح لأن يكون كوميديان شهيرًا بعد أن لقنته الأم من صغره أنه أتى إلى هذا العالم حتى ينشر البسمة والسعادة، وأطلقت عليه لقب "هابي" بمعنى "السعيد"، وأحد سكان مدينة جوثام القدامى، كما يعرف نفسه الشخص الذي تعتصره أزمة الوجود، فعلى الرغم من أنه موجود، فإنه لا يلحظ أحد وجوده مثل الكثيرين من سكان جوثام، لا أحد يقبل الآخر المختلف، بل هم على استعداد تام للسخرية منه وضربه ضربًا مبرحًا عقابًا له على ذلك الاختلاف الذي لم تكن له فيه يد، فهو صنيعة القدر، صنعية أم بالتبني مريضة عقليًّا تسببت في إيذائه بشكل كبير في طفولته، وهاهو يدفع الثمن في ما لا ذنب له فيه، فيعوض قسوة المجتمع بأحلام لطيفة لشخصيات تحتضنه وتربت عليه وتقول له -ولو وهمًا- "أنت مميز يا آرثر ونحن نحبك"، لكن الواقع أكثر قسوة على آرثر من ظنونه، الواقع يمنحه مسدسًا أيضًا حتى يبادل في لحظة الألم واليأس وغياب الأدوية الشر والأذى بما يملك مِن سلاح، ثلاثة رجال في منتهى السماجة والصلافة والاستهانة بالبشر، يتحرشون بفتاة مسالمة تختبئ في كتابها عائدة في القطار ليلًا في عربة ليس فيها سوى هؤلاء الثلاثة الذين ينتمون إلى المجتمع المشوه الذي أعطاهم صك القبول والاعتراف، والفتاة والجوكر آرثر (هابي) سيئ الحظ الذي يوقعه مرضه اللعين في المحظور، ضحكاته اللا إرادية المستمرة تستثير حفيظتهم ويظنون أنه يسخر من سلوكهم المشين -الذي يستحق بالفعل السخرية والإدانة- لينهالوا عليه ضربًا وركلًا وسبًّا قبل أن يوضح لهم حقيقة مرضه.

 

وحينما يصل الألم إلى ما لا تتحمله النفس والجسد، يخرج آرثر مسدسه ويطلق رصاصاته ويقتل، لقد حدث ما لم يكن في الحسبان، لا تتعجل وتظن أن ذلك الذي لم يكن في الحسبان هو القتل، لا بل هو عدم إحساس آرثر بالندم بعد القتل، لقد رقص ذو الوجه الضاحك بعد أن قتل وشعر بقليل من الراحة، استطاع أخيرًا بسلاح منحه له المجتمع القبيح أن يقتل القبح، فكانت البداية نقطة تحول خطيرة في سير ونسق وأحداث الفيلم، هذا المهرج المريض صار (مسيحًا) جديدًا، حمل أتباعه صليبه في صورة وجه المهرج، انتشر الأتباع في كل مكان صارخين ومبشرين بدينهم الجديد، وكان لابد لآرثر من أسطورة مشابهة في الميلاد تمامًا كالمسيح، فهو بلا أب ولا أم، طفل بالتبنِّي رماه حظه العاثر في يد سيدة مجنونة عاقبها بالموت ثم انتقل إلى (يهوذا) صديقه، زميل العمل الذي سلمه وأهدى إليه السلاح ليقتل، فعاقبه بالقتل المريع، ولم يبق أمامه الآن إلا الكهنة وكاهنهم الأكبر، الكهانة هنا هي الإعلام والكهنة هم الإعلاميون الكذبة وكاهنهم الأكبر هو الإعلامي القبيح موري الشهير (روبرت دينيرو)، والذي يزيف الحقائق ويسخر من المختلف ويعلم الجمهور ماذا يقبلون وماذا يرفضون، الإعلامي الذي قرر استضافة آرثر ليسخر منه ومن اختلافه ويقدمه فريسة سائغة للاحتقار والتنمر.

 

الأتباع يزدادون في الخارج وآرثر يخطط لخطوته الأخيرة، وهي قتل الإعلامي على الهواء مباشرة، قتل الكاهن الأكبر لديانة الرأسمالية المتوحشة، بعد ذلك لم يعد هناك ما يشغل بال جوكرنا، لقد تمكنت دعوته من القلوب ويستعد للقيامة الجديدة، لن يقضي عليه الموت، سيظهر الأتباع في اللحظة الحرجة وينقذونه وسيرفعونه مكانًا عاليًا، ستُصنع من دمه ابتسامة كما كان الصليب خلودًا للمسيح وخلودًا للحلاج، ولكل صاحب دعوة صادقة، ستكون ابتسامة النصر التي صنعها الدم تمامًا كما تكلم الحلاج عن ركعتَي العشق اللتين لا يصح وضوؤهما إلا بالدم، إن هذا العالم القاتم القاتل القبيح يستحق نبيًّا من نسيجه نبيًّا يشبهه مجنونًا ساميًا، طفلًا شريرًا يرتدي قناعًا ضاحكًا حد الألم، نبيًّا لا يتسامح مع أعدائه ولا يبارك لاعنيه ولا يسلم لهم خده الأيسر، بل يقتل ويسعد بالقتل، وحوله الملايين من الأتباع الذين آمنوا به وبفكرته التي لا تفرق بين قزم أو عملاق أو بين أسود وأبيض، فالجميع سواسية تحت القناع، لكنها فكرة تحارب بعنف كل كاذب ومنافق ومدلس وصاحب وصاية زائفة، وتقتل كل مَن يحاول قتل أحلام الآخرين (ارتدِ قناعك الضاحك واقتل بدم بارد أولئك الذين لم يحترموا إنسانيتك وخبؤوا خلف الوجه الذي خلقه الله جهلًا، ووجهًا آخر شديد القسوة والتطرف) هكذا كانت وصايا آرثر وتعاليمه.

 

والفيلم هنا رغم جرأة الفكرة، فإنه لا يتجاوز السرد الكلاسيكي البسيط وربما كانت تلك إحدى سمات الفيلم العبقرية، فعبر عدد بسيط من الشخوص والأماكن يستطيع أن يصل بك إلى الشحنة القصوى، الموسيقى صارخة والكادرات واضحة الدلالة، وكذلك أصحاب الرسائل والأفكار الكبرى لا يلجؤون إلى التعقيد والتركيب، لكنهم يحملون لافتات كألواح موسى، فالمخرج شديد الالتصاق بالسيناريو لا يحيد عنه لأى غرض، والممثل في حالة فناء كامل في الشخصية، لدرجة تجعل عظام المتفرج تئن مع ركلاتهم في ضلوعه وتجعلك -وهذا هو العجيب- تبتسم حين يقوم ذو الوجه الباسم المصبوغ بفعل القتل، وربما ذلك الذي يحدث لنا حين تضحك التراجيديا.

...

نقلًا عن مجلة «فنون»



أقرأ أيضا

البلد

أزمة ليبيا بين فشل موسكو وآمال برلين

في الطريق إلى مؤتمر برلين حول الأزمة الليبية الذي يبدأ أعماله اليوم، كان العبور بمحطة محادثات موسكو التي انتهت بالفشل حدثاً مهماً أزاح الكثير من الغموض عن مواقف الأطراف التي شاركت في المحادثات...
البلد

فرق تسُد.. كيف مزق العثمانيون بلاد العرب؟

قبل الغزو العثماني، كانت السلطنة المملوكية تشمل أقاليم مصر والشام والحجاز وجنوب الأناضول، مع وجود حاميات أو أنظمة موالية للقاهرة في النوبة واليمن وقبرص والمناطق الحدودية بين الأناضول والعراق والشام.
يرحمكم الله

محاولة للفهم.. الطورانية + الإسلام السياسي + الغاز = رجب أردوغان

​​​​​​​ليس الهدف من هذا المقال النيل أو التجريح في الشعب التركي، فهو شعب شقيق، نرتبط معه بعلاقات تاريخية وشعبية، ولكن نكتب عن الأسباب التي تدفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى التدخل في الشأن العربي..