لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

على أبو الخير



لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!



من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919، ولكن إرهاصاتها بدأت بالفعل في ما عُرف في ما بعد بـ"عيد الجهاد"؛ ففي يوم 13 من شهر نوفمبر 1918، قاد الرجل الكهل الزعيم سعد زغلول، الجهاد؛ حيث توجه ومعه الزعيمان علي شعراوي وعبد العزيز فهمي، إلى المعتمد البريطاني "السير ونجت"، للمطالبة بالاستقلال والسماح لهم بالسفر إلى باريس؛ لحضور مؤتمر السلام، ولكن الأخير استنكر حديثهم نيابة عن الشعب المصري وقال لهم إنهم يتحدثون عن أنفسهم فقط، وهنا طرأت فكرة القيام بتوثيق توكيلات لسعد زغلول ورفاقه؛ للتحدث نيابة عن الشعب المصري كافة في مؤتمر باريس وغيره، فاضطر المعتمد البريطاني إلى التعامل معهم كممثلين عن الأمة كلها.

 

اشتعلت الثورة بالفعل يوم الثامن من مارس 1919، عندما قبضت سلطات الاحتلال البريطاني على الزعيم سعد زغلول ورفاقه، ونفيهم إلى جزيرة "مالطا" بالبحر الأبيض المتوسط، وكان هذا مبررًا لبداية الثورة في اليوم التالي مباشرة؛ حيث أضرب العمال والموظفون وطلاب المدارس والجامعات، ولم يكتف هؤلاء بإعلان الإضراب، بل قاموا بإتلاف محولات حركة القطارات، وقطعوا خطوط السكك الحديدية، وأضرب سائقو التاكسيات وعمال البريد والكهرباء والجمارك. واعقب ذلك إضراب عمال المطابع وعمال الورش الحكومية ومصلحة الجمارك بالإسكندرية، ولم تتوقف احتجاجات المدن على التظاهرات وإضرابات العمال فقط؛ بل قام السكان في الأحياء الفقيرة، بحفر الخنادق لمواجهة القوات البريطانية وقوات الشرطة، وقامت الجماهير بالاعتداء على بعض المحلات التجارية وممتلكات الأجانب وتدمير مركبات الترام، في حين قامت جماعات الفلاحين بقطع خطوط السكك الحديدية، في قرى ومدن الوجهَين القبلي والبحري، ومهاجمة أقسام الشرطة في المدن، وقد استشهد الآلاف في الثورة، ولكنها دامت حتى بعد أن سمحت سلطات الاحتلال بذهاب الوفد إلى مدينة باريس؛ للاشتراك في مؤتمر الصلح لبحث استقلال مصر، وظلت روح الثورة في وهجها.

 

كان من أهم مميزات ثورة 1919 أنها صححت الأخطاء التي وقعت بها الحركات والثورات والانتفاضات الشعبية المصرية السابقة، والتي قادها زعماء ضد المستعمر الأجنبي؛ مثل أحمد عرابي ومصطفى كامل ومحمد فريد، فقد طالبت ثورة 1919 بشكل صريح منذ اللحظة الأولى لقيام الثورة بجلاء الاستعمار من الأرض المصرية، وكان من أهداف الثورة أيضًا نيل الدستور وقيام ملكية دستورية وانتخابات حرة تعطي تداولًا حقيقيًّا للسلطة، واستقلالًا اقتصاديًّا، وعدالة اجتماعية، وظهرت المشاركة الإيجابية النسائية في صورة لم يعتدها المجتمع المصري، بخروجهن لأول مرة في المظاهرات الحاشدة والمنظمة إلى الشوارع في القاهرة والمدن الكبرى، وكانت السيدتان حميدة خليل وشفيقة محمد أول شهيدتَين في هذه الثورة. كما اشترك الأقباط لأول مصر في ثورة وطنية شعبية خالصة، وتجلت تلك الروح المتقدة بالوطنية في القمّص مرقص سرجيوس، ذلك القس القبطي المصري، الذي خطب من على منبر الجامع الأزهر في أثناء ثورة 1919، قائلًا: "إذا كان الإنجليز يتمسكون ببقائهم بحجة حماية الأقباط، فأقول لهم ليمُت الأقباط ويعيش المصريون المسلمون أحرارًا"، كما خطب الشيخ الأزهري مصطفى القاياتي، في الكنيسة، وكان الهتاف الموحد هو "يحيا الهلال مع الصليب"، وبالتالي لم يتمكن الاحتلال من تطبيق شعاره الأشهر "فرّق تسد".. لم يكن الإسلام السياسي الذي يمزق الأوطان قد ظهر وتوحش، لم يكن يوجد الإخوان المسلمون، ولا الوهابيون، ولم يكن ظهر أمثال عبد الحميد كشك ثم محمد حسان ومحمد يعقوب ومحمد حسان والحويني.. وغيرهم، ولا "داعش" ولا أموال البترول التي أُنفقت على نشر السلفية الوهابية، التي تكفّر المسلمين جميعًا، فضلًا عن إطلاق فتاوى حرق الكنائس وسبي النساء، وبالتالي خلت ثورة 1919 من أية شائبة وطنية.

 

كان من نتائج الثورة قيام بريطانيا بإصدار تصريح 28 فبراير 1922، وهو الذي أعطى استقلالًا، ورغم أنه كان منقوصًا، فإنه يشبه حالة كثير من دول المنطقة الآن، مستقلة نعم، ولكن إرادتها السياسية منقوصة أو مرتهنة أو تحت الحماية الأمريكية المباشرة بالقواعد والسفن والطائرات. ورغم أن التصريح سمح ببقاء قوات الاحتلال على ضفتَي "قناة السويس" والتحفظات الأربعة المشهورة، ولكن سعد زغلول تعامل سياسيًّا بمنطق "فن الممكن"، فقد تم سن دستور 1923، وتأسيس ملكية شبه دستورية لم تشهدها مصر بعدها حتى اليوم، تم إجراء انتخابات حصل فيها حزب الوفد على الأغلبية، وصار سعد زغلول رئيسًا للوزراء عام 1924 وحتى وفاته عام 1927.

 

والحقيقة أنه رغم وجود قوات الاحتلال؛ فإن مصر خلال تلك الفترة "شبه الليبرالية" تمكنت من تحقيق نتائج إيجابية كثيرة، فقد بدأ تمصير الاقتصاد المصري، عندما أسس طلعت حرب بنك مصر عام 1920، ثم أسّس البنك بعد نجاح الثورة ست عشرة مؤسسة اقتصادية، وكلها تحمل اسم مصر، مثل: (شركة مصر للغزل والنسيج بمدينة المحلة الكبرى- شركة مصر للطيران- شركة مصر لبيع المصنوعات- شركة مصر للنقل البحري- شركة مصر للسينما- شركة مصر للتأمين).. وغيرها كثير. وخلال تلك الفترة تم إنشاء الإذاعة المصرية، وتم إلغاء المحاكم المختلطة التي كانت وحدها تحاكم الأجانب بقضاة أجانب، ونبغ مصريون كثيرون في كل المجالات الفنية والدينية والثقافية؛ مثل توفيق الحكيم صاحب أشهر رواية عن الثورة "عودة الروح"، ونجيب محفوظ وطه حسين والعقاد وعلي ومصطفى عبد الرازق، ورياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم، ومصطفى مشرفة وسميرة موسى، والشيوخ محمد رفعت ومصطفى إسماعيل ومحمود خليل الحصري.. وغيرهم كثيرون يفوقون الحصر. كما تم إلغاء دور البغاء، دون زعيق شيخ من هنا أو قسيس من هناك، كما تصدّت الحركة الوطنية لاستبداد الملك فؤاد الأول، عندما ألغى الدستور عام 1930، ولكن وتحت وطأة ثورة 1935 عاد الملك لدستور 1923، ثم عقد رئيس الوزراء الوفدي مصطفى النحّاس، اتفاقية عام 1936 التي أعطت حق دخول المصريين الكلية الحربية، وكان من أوائل خريجيها الضبّاط جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وأنور السادات وباقي قيادات ثورة يوليو 1952.. وبالتالي نعتقد أن استقلال مصر كان عام 1922، وأن القوات البريطانية خرجت عام 1956، بعد عشرين عامًا كما نصّت اتفاقية عام 1936، وبسبب كل تلك الإنجازات الوطنية يجب على المصريين التعرف عليها على حقيقتها، والاحتفال والاحتفاء بها. ولكن التاريخ يكتبه المعاصرون المنتصرون من ملوك ورؤساء، ولعل هذا من أكبر الأسباب التي تمنع احتفال مصر بثورة 1919 كما يجب أن يكون الاحتفال، وهو ما دفعنا للكتابة عن الثورة وزعماء الثورة.

 

وككل ثورة لها سلبياتها إلى جانب إيجابياتها، فلم تتمكن مصر من تحقيق العدالة الاجتماعية كما يجب، ولم تمنع الرأسمالية القديمة من التوحش واستغلال النفوذ، ولم يمنع الدستور من استبداد الملكَين فؤاد وفاروق، ثمّ حدثت هزيمة واحتلال الصهيونية لأرض فلسطين عام 1948، ولا ننسى أنه كان للشائعات دور هائل في تشويه الأسرة الملكية بأكملها، تمامًا مثل حرب الشائعات التي تحدث في هذه الأيام، وجاءت ثورة 1952 لتحقق قدرًا كبيرًا من العدالة، وهو ما افتقدته روح ثورة 1919، ولكن العدالة اختفت مع مرور الزمن وتغير الرؤساء وتغير المناخ الوطني والعالمي، وهو أمر لو يعلمون عظيم، وفي الفم ماء كثير يمنعه من الكلام، والله أعلم.

 



أقرأ أيضا

البلد

أزمة ليبيا بين فشل موسكو وآمال برلين

في الطريق إلى مؤتمر برلين حول الأزمة الليبية الذي يبدأ أعماله اليوم، كان العبور بمحطة محادثات موسكو التي انتهت بالفشل حدثاً مهماً أزاح الكثير من الغموض عن مواقف الأطراف التي شاركت في المحادثات...
البلد

فرق تسُد.. كيف مزق العثمانيون بلاد العرب؟

قبل الغزو العثماني، كانت السلطنة المملوكية تشمل أقاليم مصر والشام والحجاز وجنوب الأناضول، مع وجود حاميات أو أنظمة موالية للقاهرة في النوبة واليمن وقبرص والمناطق الحدودية بين الأناضول والعراق والشام.
يرحمكم الله

محاولة للفهم.. الطورانية + الإسلام السياسي + الغاز = رجب أردوغان

​​​​​​​ليس الهدف من هذا المقال النيل أو التجريح في الشعب التركي، فهو شعب شقيق، نرتبط معه بعلاقات تاريخية وشعبية، ولكن نكتب عن الأسباب التي تدفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى التدخل في الشأن العربي..