أن تكون انتقائيًّا

مى سعيد



أن تكون انتقائيًّا


أرشيفية


كيف تعم الفائدة على المجتمع كله عندما نكون انتقائيين نحترم تفضيلات الآخر؟ كيف ترتفع نسب التطرف بسبب البُعد عن ثقافة الانتقاء؟

أفتح كتبي أنبش فيها عن إنسانيتي، فما أجد إلا قليلًا، أرضى به، وألملمه وأضعه داخل قلبي ورأسي.. كان هذا هو السبيل الوحيد الذي مكَّنني من العبور نحو هويَّتي الجديدة؛ لأن القديمة ليست سوى كثير من الحواجز وبعض رمق من إنسانية باهتة جدًّا بجوار كل هذا الركام والرماد والعنف ورائحة شواء الأجساد وقذف الذكور فوق أجساد ما ملكته يمينهم وسباياهم.

 

كل هذا التراث النازف والأحكام الناسفة وأكثر، ضللتنا الثقافة في السابق حينما حاولت أن تغرس فينا مفهوم "الحزمة"؛ فما تؤمن به وما تحبه تأخذه كما هو بكل ما فيه، عملًا بالمثل الشعبي "صاحبك تاخده على عيبه"، ودينك وزوجك وزوجتك وكل شيء حولك، وكأنه أمر بالتعايش مع زمرة عيوب لا تنتهي؛ جميعها واجبة القبول حسب الثقافة التي لم تعلمنا كيف نكون انتقائيين بدلًا من هذا التوحُّد المجتمعي في قبول عيوب أدياننا وما حولنا من ثقافات ودوائر اجتماعية تحيط بنا.. أمر مضحك جدًّا؛ لأن قبولنا كل تلك العيوب والمشكلات المستوطنة فينا لن يساعد إلا على بقائها ولربما استوحاشها الذي يدمِّر الثقافة ويفتت الهوية ليخرج لنا بنسخ جديدة من أشباح التراث والذكور ذوي ألوان الطاووس والإناث الباهتات الخانعات اللاتي يصدقن أنهن تابعات فارغات، فما بين "داعش" وإخوته وأمهاته ورجاله تكمن المصيبة الكبيرة في كوننا نتبنى كل ما أتوا به ونأخذهم على عيوبهم في حين لو كنا انتقائيين بشأنهم؛ لحددنا أشكالًا جديدة وحدودًا مغايرة وثقافة أكثر رحابة من تلك التي تلتف حول رقبتنا كالأفعى.

 

وبما أن قبول العيوب والمصائب والأحكام الفقهية المدججة بالأسلحة لم يأخذنا بعيدًا عن شرور أنفسنا و"داعش" وإخوته، فلنتخلى عن هذا ونبدأ في التنقيب عن كل ما هو إنساني؛ كي نحتفي به ونمجّده فقط ونرفض ما دونه، في ديننا ودنيانا.

 

نتوقف فورًا عن كتابة وترديد عبارة "النظافة من الإيمان" مثلًا، ونختار ما هو نظيف بالفعل ثم ننحاز إليه. نؤمن بالمختلفين وندعم هذا الإيمان بأن ننتقي من بين صفاتهم؛ ما يساعدنا على المضي قدمًا. نخلق نسخًا جديدة ملائمة من كل شيء يخطر ببالنا. نتخطى أفق المقدس إلى أفق الأكثر قداسة منه "الإنسانية". نخرج الفاسد من أخلاقنا ومن تراثنا؛ حتى لا يفسد كل شيء.

 

نعبر ونرفض ما يؤذينا ونواجهه بعيبه ولا نقبل به ولا نقبله كما هو كما علمونا، لربما يحاول الآخر أن يغير هذا العيب أو على الأقل يخفيه عنا فلا نتعثر به كلما تقدمنا، نرفض كل ما هو عنيف وغير إنساني في الدين وتراثه؛ حتى لا يخرج علينا صوت حنجوري كل يوم ليخبرنا بأن "داعش" أهل قبلة أو بأنه صورة الإسلام الغاضب.. فليذهب "داعش" إلى الجحيم وليذهب إخوته معه وكل مَن قرر انتقاء أي مما يحمل "داعش" من أفكار ومبادئ مهما بدت لوهلة أنها مقدسة أو أنها جزء من هذا الدين؛ لأن قداسته التي تقتل لا يمكنها أن تقف أمام الإنسانية، تلك القداسة التي لا تعرف إلا الرحمة.



أقرأ أيضا