LA miserable 2019.. مَن هم البؤساء حقًّا؟

محمد هشام عبيه



LA miserable 2019.. مَن هم البؤساء حقًّا؟



من المدهش أن رواية كتبها روائي فرنسا الأشهر فيكتور هوجو، في منتصف القرن التاسع عشر، لا تزال تصلح عنوانًا لفيلم في العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين؛ ليس الاسم فقط هو المتشابه، إنما الحال نفسها التي يبدو أنها ملاصقة للإنسان أكثر من أي شيء آخر.

 

ينطلق فيلم "LA miserable" الفرنسي، للمخرج لادج لي، الفائز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان الماضي، والذي يُعرض في مهرجان الجونة في دورته الثالثة بقسم "خارج المسابقة"، من مشاهد صاخبة في شوارع باريس لآلاف يحتلفون بفوز مرتقب للمنتخب الفرنسي لكرة القدم في مباراة مصيرية بنهائي كأس العالم 2018.. الوجوه كلها متحفزة وتحتفل حتى من قبل بدء المباراة، ووسط هذا الجمع الكبير الممتلئ بالفرحة عقب تحقيق الانتصار الكروي، نرى مجموعة من الصبية الصغار من أصحاب البشرة السوداء يتركون شوارع باريس الزاهية، ويهرولون إلى بيوتهم الفقيرة المتلاصقة في عمارات ضخمة مقبضة وكئيبة على أطراف العاصمة الباريسية، لنرى الوجه الآخر لمدينة النور والجمال.

 

محرك الأحداث الرئيسية في الفيلم هو شبل صغير، تمت سرقته من سيرك جوال يديره الغجر في ضاحية مونفير ماي الفقيرة في ضواحٍ باريسية، يضطر ثلاثة من رجال الشرطة؛ اثنان منهم مخضرمان بالمنطقة وثالثهما وافد من الريف، إلى البحث عن سارق الشبل؛ منعًا لاشتعال معركة دامية بين الغجر وتجمُّع للأفارقة المسلمين، إذا شاهد واحد من عمال السيرك صبي أسود البشرة وهو يسرق الشبل.

 

ينجح الضباط الثلاثة بقيادة كريس الأكثر عنفًا وشراسة، في التعامل مع المتهمين في العثور على الصبي سارق الشبل؛ لكنه بسبب تهور أو عن قصدية، يطلق ضابط أسود البشرة رصاصة ضوئية فتصيب الصبي ويقع جريحًا.. المشكلة أن هذا حدث أمام رفقاء الصبي، والمشكلة الأكبر أن صبيًّا أسود آخر صوَّر ما حدث عبر طائرة درون.

 

يتوغل الأبطال وخلفهم المشاهدون، في رحلة إلى عالم باريس الخفي المليء بالبؤساء والأشرار؛ بحثًا عن صبي الطائرة، لنرى تعامل الشرطة العنيف مع المهاجرين وذوي الجذور الإفريقية، ووضعهم في محل الاشتباه والاتهام؛ فقط لأنهم ليسوا فرنسيين نقيين، وعندما يرتكب كريس حماقة كعادته مع واحدة من الأُسر الفقيرة وهي تبحث عن الصبي، يطلب منه زميله الضابط الوافد من الريف "ستيفان" الاعتذار للأسرة، فيقول له بحسم "نحن لا نعتذر، لأننا لا نخطئ أبدًا"؛ لتبدو هذه الجملة وكأنها دستور سري لأغلب أجهزة شرطة العالم.

 

في الثلث الأخير من الفيلم، تنقلب الأحداث رأسًا على عقب، بعدما أُهين وأُصيب إصابة بالغة، دون كلمة اعتذار واحدة، يقرر الصبي الإفريقي سارق الشبل، أن ينتقم برفقة زملائه. ينصبون لدورية سيارة الشرطة كمينًا، ويدفعون مَن بها لمطاردتهم في واحد من بيوتهم المتهالكة والفقيرة (للدقة.. استدرجوهم إلى ملعبهم)؛ ليبدأ الانتقام.

 

وفي واحدة من أقوى نهايات مشاهد الأفلام في السنوات الأخيرة، يسقط ضباط الشرطة الثلاثة منهكين في زاوية من المنزل المتهالك، مصابين ومهانين وبلا حول ولا قوة، بينما الصبي الأسود يمسك بزجاجة مولوتوف ويهمّ بأن يلقيها عليهم؛ لكن الضابط ستيفان، الوحيد الذي كان يعامله بإنسانية، يشهر سلاحه في عجز ويهدده بأنه سيطلق النار الحي إذا لم يتراجع.. يتبادل الاثنان النظرات الجامدة، وتنطفئ الشاشة تدريجيًّا، ليبدو وكأن هذه المواجهة، وما أفضى إليها من أسباب وملابسات سيظل قائمًا للأبد.

 

كعادة الأفلام التي تعيش كثيرًا، لا يصدر LA miserable أحكامًا جاهزة على أبطاله؛ إذ يبدون جميعًا بمَن فيهم الأشرار بالسليقة، والإرهابيون التائبون، والحرامية الأوغاد، وضباط الشرطة المتعجرفون، والصبية المارقون في لحظة ما -جاءت زمنيًّا بذكاء ووعي شديد في منتصف عمر الفيلم- بؤساء، وحيدين في مدينة كبيرة وصاخبة، يعيشون في عذابات متوالية لا تنقطع.. صلاح، الإرهابي السابق الذي افتتح محل شاورما لكنه لا يزال ذا سطوة على العالم الخفي للأفارقة الفرنسيين، كريس الضابط المتعجرف الذي يعود منهكًا إلى منزله غير قادر على الحديث إلى أطفاله وزوجته، ستيفان الذي يتصل بابنه الوحيد الذي يعيش بعيدًا عنه مع طليقته، والصبية الأفارقة الصغار الذين حتى حينما بحثوا عن لحظات متعة وشقاوة في سرقة شبل أو تصوير المدينة من أعلى بدرون، كان ثمن ذلك كبيرًا.

 

LA miserable ، أو بؤساء 2019، كعادة الأفلام المؤثرة، يظل عديد من مشاهده عالقة في ذهنك، وتظل تفكر في عديد من الأسئلة عقب مشاهدته، وربما يكون أكثر الأسئلة صعوبة هو: مَن هم البؤساء حقًّا، نحن أم مَن تضطرنا دوافع الحياة إلى أن نسهم في جعلهم كذلك؟



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.