التربُّص (لغويًّا ونفسيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا ودينيًّا).. كيف نحمى أنفسنا منه؟

د. محمد المهدي



التربُّص (لغويًّا ونفسيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا ودينيًّا).. كيف نحمى أنفسنا منه؟


أرشيفية


تتطاير على ألسنتنا وفى مواقع تواصلنا الاجتماعى كلمات نعرف بعضها منذ زمن بعيد، ولكنها أخذت أبعادًا واسعة الآن فى حياتنا؛ مثل التربص والتنمر والتحرش والاغتيال المعنوي.. وهى كلمات تقع على متصل التعامل العدائى أو على الأقل العنيف؛ فهى كلمات خشنة تعكس ما أصاب تواصلنا من الترصد والتصيد للأخطاء والسخرية الجارحة والعدائية والهجومية وتحقير الآخر المخالف ونبذه وازدرائه واستبعاده. واليوم نتتبع مفهوم التربُّص من الناحية اللغوية والنفسية والإجتماعية والسياسية والدينية.

والتربُّص له عدة معانٍ؛ فهو مثلًا يعنى الانتظار والترقب لأقوال الآخر أو أفعاله؛ بهدف تصيُّد أخطائه أو عمل كمين للآخر بهدف النيل منه.

السمات الشخصية للمتربص:

  1. يحب أن يحرج الآخرين ويستمتع برؤيتهم وهم فى موقف دفاع عن أنفسهم.
  2. يعمل على اصطياد أخطاء الناس وإظهارهم بمظهر الأغبياء من خلال تعليقاته اللاذعة واستهزائه بهم.
  3. قد يحاول الحصول على اهتمامك وجذب انتباهك عن طريق سخريته اللاذعة، ودافعه الرئيسى هو البحث عن مودتك واهتمامك ولكن بطريقة خاطئة.
  4. يبدو متعاليًا وكأنه عليم ببواطن الأمور والنفوس.

أنماط من التربص:

التربص الفردى

أن يتربص شخص بآخر فيراقبه وينتظر وقوعه فى الخطأ؛ ليلومه أو يعايره أو يشهر به أو يفضحه أو يورطه. وهذا التربص الفردى قد يكون بين أب وابنه أو بين أخ وأخيه أو زملاء العمل أو الأقارب، وقد يظهر الطرف المتربص وكأنه يخاف على مصلحة المتربص به، وأنه يراقبه للتعرف على نقاط ضعفه وإصلاحه وتهذيبه، وقد يكون بعض هذا صحيحًا ولكن فى الأغلب يصل إلى نتيجة مؤذية أو يكون ستارًا لعدوانية مستترة لدى الطرف المتربص، وهو فى النهاية لا يصل إلى أى نتيجة إصلاحية، بل يشعر الطرف المتربص به أنه مستهدف وأن ثمة كمينًا منصوبًا له طول الوقت ليقع فيه.

التربص الأسرى

 ويقع فى نطاق الأسرة حين تتربص زوجة بزوجها؛ فتراقب حركاته وسكناته وتشك فيه وتتنصت على مكالماته وتتصفح مراسلاته ومحادثاته على وسائل التواصل الاجتماعى، فهى تشك فيه طول الوقت وتتحين الفرصة لأن تمسك عليه دليل إدانة؛ لتفضحه وتشهر به. وقد يحدث الشىء نفسه من الزوج الشكاك سيئ الظن، أو قد يقف كل طرف للآخر على كلمة أو تصرف ويحاسبه حسابًا شديدًا عليها، وتغيب معانى السماح والغفران بينهما، بل ربما يحفظان كل الزلات والأخطاء ويحتفظان بأدلة الإدانة للاستفادة بها واستخدامها كأسلحة وقت الخصومات.

التربص الاجتماعى

ويحدث بين المجموعات والجماعات المختلفة حين تتحين الفرصة لأية سقطة من مجموعات منافسة أو معارضة أو معادية؛ فتشهر بها وتفضحها وتحقر من شأنها وتمارس كل أنواع التمييز العنصرى ضدها من الوصم إلى الإدانة إلى التحقير إلى النبذ إلى الاغتيال المعنوى أو حتى المادى.

التربص الدينى والطائفى

وهو من أخطر أنواع التربص ويحمل حساسيات شديدة حين ينظر أصحاب كل دين أو طائفة دينية إلى المخالفين لدينهم أو طائفتهم نظرة تعصبية تكفيرية ملؤها التعصب والكراهية، وتنتج عن هذا محاولات للتهميش أو النبذ أو القتل. والتربص الدينى قد يأتى فى صورة كتب أو مقالات أو خطب أو محاضرات أو نكات أو صور أو وثائق تشوه الآخر وتدعو إلى تحقيره وكراهيته أو قتله.  

التربص الإعلامى

ربما كانت وسائل الإعلام (التقليدية والإلكترونية) سبّاقة إلى ترسيخ سلوك التربص فى المجتمعات؛ حيث دأبت على تصنيف الناس ووصمهم وشيطنتهم والتشكيك فى نيَّاتهم وتصيد أخطائهم وتتبع زلاتهم وهتك سترهم ونشر تسجيلات صوتية أو صور لهم تسىء إلى صورتهم وسمعتهم، وتمادت وسائل الإعلام بدوافع شخصية أو سياسية فوصلت إلى عمليات اغتيال معنوى لكثير من الشخصيات أو المؤسسات أو الأنظمة أو المجموعات على الرغم من مخالفة ذلك لآداب ومواثيق شرف مهنة الإعلام.

التربص السياسى

فقد دأبت الأحزاب والمجموعات السياسية وجماعات المعارضة وجماعات التأييد والموالاة على التربص بالآخرين الذين لا تتفق معهم وتنتظر أية زلة لتعاير بها وتشمت فيها وتغتال المجموعة المنافسة أو المعارضة أو المعادية. وللأسف سقطت أو أسقطت كل المعايير الأخلاقية والقانونية والسياسية فى هذه الممارسات وأصبح الهدف الوحيد هو تشويه الآخر أو تحطيمه أو إزالته من الوجود؛ وغاب مفهوم المنافسة السياسية الشريفة من خلال صناديق الانتخابات وسائر المسارات السياسية، وتحولت الممارسة السياسية إلى سب وقذف وتربص وتنمر واغتيال. وقد يقول قائل إن التربص شىء مشروع فى المنافسة السياسية بين المجموعات السياسية والأحزاب بهدف الوصول إلى الحكم وتداول السلطة، وهذا ليس صحيحًا على إطلاقه؛ لأن الحزب المتربص هنا سيفقد قدرته على رؤية إيجابيات الحزب المنافس، وحين يصل إلى السلطة سيهدم كل الإيجابيات السابقة لا لشىء إلا لأنها تنتمى إلى حزب منافس، وهذا نوع سلبى من المعارضة يسمى "المعارضة لإسقاط الحكم".

التربص الدولى

ونراه بوضوح الآن بين الدول وبعضها؛ خصوصًا تربص الدول الكبرى بالدول الصغرى؛ بهدف احتوائها والسيطرة عليها وابتزازها ونهب ثرواتها، أو قد يحدث التربص بين قادة الدول وزعمائها بعضهم مع بعض بهدف الضغط وتحقيق المكاسب أو الانتقام، وهنا تستغل كل الإمكانات المعلوماتية والمخابراتية لتتبع الآخر وكشف سوءاته والنيل منه أو تركيعه.

دوافع التربص

قد تبدو دوافع التربص مشروعة لدى بعض المتربصين؛ مثل الأب الذى يتربص بأبنائه لكشف زلاتهم وأخطائهم بهدف إصلاحها كما يدّعى أو يتوهم، والزوجة التى تتربص بزوجها بهدف منعه من الخيانة أو الانزلاق فى الرذيلة، والزوج الذى يتربص بزوجته بهدف إصلاح اعوجاجها وحمايتها من الخطأ... وهكذا. ولكن فى كل الحالات يكمن وراء سلوك التربص كثير من الشعور بالتعالى والوصاية والتحكم وعدم الثقة فى الآخر. ففى التربص الأسرى خصوصًا تتحول الرعاية إلى وصاية وتتحول الوصاية إلى تحكم وتسلط واستعباد.

وفى أنواع التربص الأخرى تكون العدائية واضحة ومعلنة تصاحبها كراهية واحتقار ورغبة فى تدمير الآخر من خلال تصيد أخطائه وتضخيم زلاته وسقطاته. وقد يقوم المتربص بإسقاط كل نيّاته السيئة وصفاته القبيحة على المتربص به وهذا يمنحه راحة نفسية؛ إذ يتخلص من كل عيوبه حين يراها وكأنها موجودة فى الآخر فيطمئن على ذاته وأنه بخير، وهذا يحقق معادلة الإسقاط البارنويدى "أنا بخير وأنت لست بخير". وحتى لو شعر المتربص بعيوبه وزلاته واعترف بها؛ فهو يحتاج لأن يرى هذه العيوب والزلات فى الآخرين؛ حتى لا يصبح هو الوحيد صاحب هذه العيوب، وبذلك يحقق معادلة "أنا لست بخير وأنت كذلك" (كلنا فى الهوا سوا، أو كلنا فى الهم سواء، أو يا عزيزى كلنا لصوص).

والمتربص فاقد للثقة بذاته، وفاقد الثقة بالآخرين بالتبعية، ويرى ذاته وذات الآخرين مشوهة. وبما أنه لا يستطيع أن يواجه نفسه بكراهية تشوه ذاته؛ فإنه يسقط هذا التشوه على الآخرين ويريد أن يرى أدلة معنوية ومادية على تشوههم، كى تستريح نفسه حين يرى أن الآخرين هم المشوهون.

والمتربص يفتقد قانون الحب فى شخصيته، ويتبنى قانون الصراع، وهذا يجعله لا يرى فى الآخر إلا موضوعًا للصراع والندية والمنافسة، وبالتالى لابد من هزيمته. وهو غالبًا قد تعرض لإساءات لفظية أو نفسية أو جسدية أو جنسية فى مراحل طفولته المبكرة.

علاج التربص

أولًا، كيف نحمى أنفسنا من إيذاء المتربص بنا؟

هناك استراتيجيات عامة نستخدمها مع هذه الشخصيات؛ مثل تجنب التعامل مع هذا الشخص إذا كان هذا ممكنًا، أو على الأقل ضبط المسافات بيننا وبينه إذا كان التجنب غير ممكن؛ بحيث لا نقترب منه إلا للضرورة، ودائمًا نحتفظ بمسافة أمان بيننا وبينه تزيد وتنقص حسب الضرورة وحسب قدرتنا على احتماله وحماية أنفسنا من إيذائه. ومن المفيد أن لا نمنح المتربص معلومات عنا تساعده فى تربصه بنا فلا نفشى إليه بأسرارنا ولا ندعه يتسلل إلى حياتنا الشخصية. وإذا كان مفروضًا علينا التعامل معه لضرورات عائلية أو مهنية أو اجتماعية؛ فنحاول أن نتكيف معه بأن نقصر التعامل فى ما هو مطلوب فقط دون التوغل فى أمور شخصية، وإذا وجدنا هذا الشخص يتمادى فى إيذائه لنا فمن المفيد أن نجلس معه على انفراد (لأن محاورته أمام الناس يغريه بالتربص والتشهير) ونوضح له أن ما يفعله يسبب لنا مشكلة ويترك لدينا مشاعر سيئة ويؤثر فى علاقتنا به (أو بها)، فإذا ارتدع كان هذا كافيًا، وإن لم يفعل فلا مانع من المواجهة المحسوبة بأن نتعامل معه بحزم ونوصله فكرة أن ما يفعله يسىء إليه هو، وأننا نثق فى أنفسنا بما فيه الكفاية، ولابد فى هذه الحالة أن نكون فعلًا فى حالة من الثقة والتوازن النفسى أمامه، ولا نأخذ موقف المتهمين أو المدافعين عن أنفسنا (أو نظهر وكأن على رأسنا بطحة).

وإذا كان لدينا خطأ ما فلا مانع من الاعتذار عنه؛ حتى يتعلم المتربص منا أن أى إنسان يمكن أن يخطئ ويمكن أن يعتذر ويصلح الخطأ، وأننا لم ندع أننا ملائكة بلا أخطاء، وأن الأخطاء لا تنقص من قدرنا ولا تحط من شأننا.

وأخيرًا نوجز قواعد التعامل مع المتربص فى ما يلى: لا تظهر له أنك تشعر بالحرج، أصغ إليه جيدًا، لا تحاول الرد عليه بنفس الطريقة، حافظ على هدوئك وابق واقعيًّا وموضوعيًّا، لا تمارس السخرية فى حديثك، اطرح أسئلة واضحة ومحددة؛ مثل "لا أدرى عما تتحدث، من فضلك وضح لى.. ثم ما علاقة ذلك بالمشكلة؟"، مارس الإنصاف معه بأن تذكر له بعض حسناته على الرغم من تأذيك بسلوكه المتصيد للأخطاء، قل له بطريقة ودية "فى المستقبل أرجو أن تخبرنى مباشرة بما يضايقك.. ونحن على الرحب والسعة". أظهر استعدادك لحل مشكلاته على انفراد، وأبدى إعجابك واهتمامك إذا حاول الحصول على اهتمامك بصورة إيجابية، وأخيرًا كن طيبًا وحازمًا فى الوقت نفسه.

ثانيًا: كيف نعالج سلوك التربُّص فى أنفسنا وفى غيرنا؟

نحتاج إلى أن نستبصر ونهتم بعيوبنا ونقائصنا وأخطائنا قبل أن نركز على ذلك فيمن حولنا، وأن ننتبه إلى عدوانيتنا المستترة والتى تدعونا لرؤية الآخرين فى موقع المخطئين والمذنبين، وأن نتخلى عن موقع الوصاية على الآخرين وأننا مسؤولون عنهم وأدرى بما يصلحهم لأن هذه المنظومة هى التى تشكل قاعدة انطلاق سلوك التربص. وإذا اكتشفنا بعد كل ذلك أننا مارسنا أو ما زلنا نمارس سلوك التربص؛ فعلينا أن نبادر بالتراجع والاعتذار. وهناك وهم لدى المتربصين وهو أن تربصهم يمنع وقوع الأخطاء ويحمى الآخرين من الزلل، وهذا غير حقيقى؛ إذ ثبت أن سلوك التربص يغرى الآخرين بالوقوع فى مزيد من الأخطاء.



أقرأ أيضا

البلد

المستقبل الروسي.. ملامح وتحديات

مرّت روسيا الاتحادية بمراحل صعبة، سياسياً واقتصادياً، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وفقدت خلال عقد من الزمن سمتها وهيبتها ومكانتها الدولية، وغرقت داخلياً في مجموعة من المشكلات الاجتماعية والثقافية...
البلد

الشخصيات المثيرة للجدل.. أراجوزات و"بتوع تلات ورقات" أم مهذبون ساخرون مثيرون للضحك؟

كثر في الآونة الأخيرة إطلاق لفظ "شخصية مثيرة للجدل" على شخصيات تتصدر المشهد السياسي والاجتماعي وتحدث صخبًا وضجيجًا وربما نفورًا واشمئزازًا..
البلد

هل ثمة توافق أميركي- إيراني يلوح في الأفق؟

على سيرة الحديث عن إمكان عقد لقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني، وضع كثيرون أيديهم على قلوبهم خشية تفاهمات قادمة، يخرج الخليج -والسعودية تحديدا- منها خالي الوفاض، "إيد ورا، وإيد قدام" على رأي المصريين.
البلد

موعد نهاية الرئيس أردوغان

خاصم الرئيس التركي أكثر مما صاحب، لا في صعوده السياسي، ولا في استحواذه على مؤسسات الدولة، ولا في علاقاته مع الدول الاستراتيجية في المنطقة، وجاء يوم يشهد فيه بدء تفرق الناس من حوله، وتراجع اقتصاد بلاده، ولا يد عربية أو أوروبية ممدودة للمساعدة.
البلد

المخدرات الحديثة «فيروسات العصر».. كيف تعرف الأسرة أن ابنها مدمن؟ وماذا تفعل بعد ذلك؟

خطر جديد يجتاح العالم بأسره ويتسلل متخفيًا إلى عقول الشباب وأجسادهم ويشكل وباءً جديدًا دون أن ينتبه إليه الناس.. تلك هي المخدرات الحديثة والتي تم استنساخها من المخدرات التقليدية وتصنيعها في مصانع ومعامل غير مرخصة لتتكاثر وتتوالد بعضها مع بعض بشكل سرطاني.
تأملات

نهاية الأسرة.. هل يوجد حل سحري يردع تسلط الآباء ويمنع تمرد الأبناء؟

في ظل التحولات الجنسية (الجندرية) التي تتسارع في هذا العالم سعياً لصناعة أنماط جديدة من (الأسرة)، تتكاثر الانتقادات التي تبلغ مبلغ الشتيمة أحياناً، للمجتمع الأبوي، باعتباره نمطاً أسرياً ماضوياً ينبغي دفنه وتجاوزه بلا رجعه.
البلد

د.بكري عساس يكتب: مصر تتحدث عن نفسها

من لندن إلى القاهرة في زيارة مع الأهل خلال إجازة عيد الأضحى المبارك، لمدة أربعة أيام؛ حيث تم ترتيب برنامج الزيارة بأن يكون اليوم الأول مخصصًا لزيارة متحف مقياس مستوى مياه النيل خلال موسم الفيضان السنوي في حي المنيل بالقاهرة
البلد

«الإخوان».. من سرقة الدين إلى سرقة أموال الهبات والصدقات

ما كشفه عضو مجلس شورى جماعة "الإخوان المسلمين" أمير بسام، مِن وجود اختلاسات وسرقات من أعلى قيادة في التنظيم الدولي للجماعة ومقره لندن، يدل على أزمة تنفي فكرة النقاء والطهارة التي تدعيها.