نكتة ستالين برؤية ميلان كونديرا

نرمين يُسر



نكتة ستالين برؤية ميلان كونديرا


أرشيفية


 "استنشق يا صديقي دارديلو، استنشق هذه التفاهة المحيطة بنا، فهى مفتاح الحكمة، وهى مفتاح روح الدعابة".

 

 أتت الجملة السابقة على لسان أحد أبطال رواية "حفلة التفاهة" للكاتب التشيكي ميلان كونديرا، موجهًا جملته هذه إلى صديقه تعليقًا على واحد من الأحداث العبثية التى امتلأت بها الرواية، فى أثناء مرورهما بحديقة لوكسمبورج بباريس؛ إذ شاهدا صيادًا يطارد رجلًا كان يختبئ خلف تمثال رخام يزين وسط الحديقة، وبدلًا من إصابة الرجل المختبئ أصاب أنف التمثال الذى كان للملكة ماري دوميدسي ملكة فرنسا القبيحة، تضايق المتنزهون ونظروا فى كل الاتجاهات حتى وجدوا الصياد يصيح بهم قائلًا إن الرجل المختبئ كان يتبوَّل على سيدات فرنسا العظيمات، وقد أقسم لى أنه لن يفعل بعد الآن، ثم احتضن بعضهما بعضًا!

 

 كان هذا مثالًا من أحداث رواية للكاتب الأكثر تجريبًا فى فن الرواية ومن أكثر الكتاب الأجانب ترجمة للغة العربية والمرشح الدائم لجائزة نوبل للأدب. بعد أربعة عشر عامًا من التوقف عن إصدار روايات جديدة، أشرق علينا أخيرًا وفى عمر الخامسة والثمانين برواية قصيرة من مئة صفحة تحمل بين طياتها أكثر الشخصيات عبثية وتفاهة التي قد نكون سمعنا عنها يومًا.

 

أراد كونديرا أن يعبر من خلالها عن مدى سطحية وتفاهة الحياة التى تعيشها هذه الشخصيات؛ فهي لا تنظر إلى أنفسها أو إلى العالم من حولها من خلالها ولكن تحدث المفارقات الفردية الناتجة عن تفاهة طبقة أو جماعة معينة يضمها كونديرا في حفلة؛ لنستمع من خلال حواراتها ونرى عبر تصرفاتها المداهنة والتصنع، فها هو "آلان" ذلك الشاب المهووس بـ(السرة) ويعتبرها مصدر الإثارة الجنسية الأوحد، متغاضيًا عن باقي أجزاء الجسد التى تم تصنيفها بالأكثر إثارة فى جسد المرأة، ويتبين أنه مصاب بذلك الهوس منذ الطفولة وتحديدًا فى اللحظة التى نظرت والدته إلى سُرته نظرة غير مفهومة فى آخر مرة، حيث يعلم أن والدته لم تكن ترغب فى الإنجاب وأن آلان جاء إلى الدنيا عن طريق المصادفة.. أراد كونديرا إلقاء الضوء على تلك الفكرة التى تتلخص فى أنه لا أحد اختار أن يبقى فى رحم أم ولم يختَر أن يولد ويأتى إلى العالم التافه، ولا أن يقطع حبله السرى.

 

يسهب كونديرا فى سرد مرتب على لسان آلان فى أفكار غريبة من الممكن أنها لم ترد على خاطر بشر، على سبيل المثال تجد أن آلان يفسر وجهة نظره من خلال حوارات متخيلة بينه وبين والدته التى لم يقابلها مجددًا بعد هجرانه إياها ووالده، والتى تقنعه بأن فقدان البشرية لحرية الاختيار منذ عدم تخييرهم بوجودهم في العالم أم ﻻ، ويتساءل من هي المرأة التي بلا سُرة؟ هي حواء التي لم تُنجب، وجدت من العدم ومنها ربط كل البشر بسررهم من خلال الإناث.

 

وذاك صديق آخر يحضر الحفل من أصول فرنسية، ولكنه يؤدي دور الخادم الباكستاني الذي لا يعرف الفرنسية؛ ليوقع فى شباكه خادمة برتغالية تعاني بدورها غربة مفرطة. ومدعو ثالث يكذب مدعيًا المرض لاستدرار عطف الآخرين، بالإضافة إلى المؤلف الذي يتدخل معلقًا على الأحداث بصوت ملول غير معتاد من راوى الحكاية دائم الحماسة والانحياز لأحد المواقف أو الشخصيات كما اعتاد قراؤه ومعجبوه، عدا شخصية واحدة بدت الوحيدة المؤثرة على أحداث الرواية أو قيل إنها السبب الرئيسي لتقديم كونديرا فكرة الرواية من الأساس؛ حيث إن تلك الشخصية قد تمثَّلت فى شخص "ستالين"، حيث أراد كونديرا أن يوجه رسالة فى غاية الأهمية تتلخص فى أن ستالين هو الشخصية التى عانى بسببها كونديرا وأثرت على حياته ووطنه، بما أنه رمز للديكتاتورية السوفييتية وكبت الحريات، عبر كونديرا عن تلك المعاناة في روايات عدة؛ حيث لا تخلو رواياته السابقة من معاناة إحدى الشخصيات مع الشيوعية، وهى بالنسبة إلى كونديرا الهم الذى حمله على أكتافه لسنوات..

 

يحكي ستالين قصة لرفاقه تتسم بالمبالغة غير المنطقية، وكالعادة نافقه أصدقاؤه وأشادوا ببطولته الدائمة، ولكن عندما اختلوا ببعضهم يقوم أحدهم باتهام ستالين بالكذب وأنه الوحيد الذي استطاع معارضة قصته الوهمية. يتخيل كونديرا أن ستالين تلصص عليهم وشعر بالحزن من كلامهم المدين له.. قصة ستالين المبالغة لم تكن سوى نكتة، ولكن ستالين لم يدرك أنه رواها في زمن يخلو من النكات؛ حيث إنهم أخذوها على محمل الجد واعتبروها مصدرًا لكذب وجنون ستالين، ولكنهم لا يقدرون على قول ذلك علانية.

 

هكذا يرى كونديرا أن العالم لا يقدّر النكات، وهذا دليل على أن الإنسان لا يدرك النكتة الكبرى، وهي حياته ذاتها. ويذكر أن قصة ستالين تلك قد ذكرت في بداية الرواية على لسان أحد أبطال كونديرا للتندر بكذب ستالين. يؤكد كونديرا عدم تقدير نكتة ستالين وأخذها على محمل الجد.

 

حين يتفاجأ القارئ فى منتصف الرواية بأنه لا يستطيع الإمساك بطرف خيط حقيقي يتبعه حتى يصل إلى فهم المغزى منها؛ إلا أنه يتعرف على الحكمة منها قرب نهايتها، حيث إن العالم عبارة عن سلسلة من الأحداث الهزلية غير المهمة، ولا شىء حقيقى. "فقد أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب العالم، ولا تغييره إلى الأفضل، ولا وقف جريانه البائس إلى الأمام، لم تكن ثمة سوى مقاومة وحيدة ممكنة، أن لا نأخذه على محمل الجد"، فلا تتوقع أن ما بين يدَيك هو رواية تسعد أو تحزن بنهايتها، وإنما سوف تجعلك تستمتع بتفاهة شخصياتها وأحداثها؛ لتقوم بمقارنتها مع ما يدور من حولك فتؤمن أنه بالفعل يجب أن لا نأخذ العالم على محمل الجد.



أقرأ أيضا

البلد

السعودية وحماية الملاحة البحرية

يطلق علماء النفس على بعض اللحظات المهمة والتاريخية " الوقت القيم "، بمعنى أنه الوقت الذي تعظم فيه الاستفادة من الأحداث الجارية، وبما يخدم التوجهات الاستراتيجية للدول والمؤسسات وحتى للأفراد.
البلد

المستقبل الروسي.. ملامح وتحديات

مرّت روسيا الاتحادية بمراحل صعبة، سياسياً واقتصادياً، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وفقدت خلال عقد من الزمن سمتها وهيبتها ومكانتها الدولية، وغرقت داخلياً في مجموعة من المشكلات الاجتماعية والثقافية...
البلد

الشخصيات المثيرة للجدل.. أراجوزات و"بتوع تلات ورقات" أم مهذبون ساخرون مثيرون للضحك؟

كثر في الآونة الأخيرة إطلاق لفظ "شخصية مثيرة للجدل" على شخصيات تتصدر المشهد السياسي والاجتماعي وتحدث صخبًا وضجيجًا وربما نفورًا واشمئزازًا..
البلد

هل ثمة توافق أميركي- إيراني يلوح في الأفق؟

على سيرة الحديث عن إمكان عقد لقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني، وضع كثيرون أيديهم على قلوبهم خشية تفاهمات قادمة، يخرج الخليج -والسعودية تحديدا- منها خالي الوفاض، "إيد ورا، وإيد قدام" على رأي المصريين.
البلد

موعد نهاية الرئيس أردوغان

خاصم الرئيس التركي أكثر مما صاحب، لا في صعوده السياسي، ولا في استحواذه على مؤسسات الدولة، ولا في علاقاته مع الدول الاستراتيجية في المنطقة، وجاء يوم يشهد فيه بدء تفرق الناس من حوله، وتراجع اقتصاد بلاده، ولا يد عربية أو أوروبية ممدودة للمساعدة.
البلد

المخدرات الحديثة «فيروسات العصر».. كيف تعرف الأسرة أن ابنها مدمن؟ وماذا تفعل بعد ذلك؟

خطر جديد يجتاح العالم بأسره ويتسلل متخفيًا إلى عقول الشباب وأجسادهم ويشكل وباءً جديدًا دون أن ينتبه إليه الناس.. تلك هي المخدرات الحديثة والتي تم استنساخها من المخدرات التقليدية وتصنيعها في مصانع ومعامل غير مرخصة لتتكاثر وتتوالد بعضها مع بعض بشكل سرطاني.
تأملات

نهاية الأسرة.. هل يوجد حل سحري يردع تسلط الآباء ويمنع تمرد الأبناء؟

في ظل التحولات الجنسية (الجندرية) التي تتسارع في هذا العالم سعياً لصناعة أنماط جديدة من (الأسرة)، تتكاثر الانتقادات التي تبلغ مبلغ الشتيمة أحياناً، للمجتمع الأبوي، باعتباره نمطاً أسرياً ماضوياً ينبغي دفنه وتجاوزه بلا رجعه.
البلد

د.بكري عساس يكتب: مصر تتحدث عن نفسها

من لندن إلى القاهرة في زيارة مع الأهل خلال إجازة عيد الأضحى المبارك، لمدة أربعة أيام؛ حيث تم ترتيب برنامج الزيارة بأن يكون اليوم الأول مخصصًا لزيارة متحف مقياس مستوى مياه النيل خلال موسم الفيضان السنوي في حي المنيل بالقاهرة