‫هل يجلب بوريس جونسون «الترامباوية» إلى بريطانيا؟

براين كلاس



‫هل يجلب بوريس جونسون «الترامباوية» إلى بريطانيا؟


أرشيفية


 

ترجمة: أميرة جبر عن «واشنطن بوست»

زير نساء متسلسل نرجسى بتسريحة شعر غير عادية مولود فى نيويورك، يكذب بصفة دورية وشجَّع على العنف السياسى، يُدلى بتصريحات عنصرية ويتمتع بالاهتمام الإعلامى بتصريحاته الغريبة ويتبع مصلحته الشخصية بدلًا من المبدأ دون أسف، والآن أوشك على أن يصبح واحدًا من أقوى الرجال فى العالم.

 

لا، هذه ليست أمريكا فى نوفمبر 2016، بل إننى أتحدث عن بريطانيا فى يوليو 2019.

بوريس جونسون هو صاحب الأفضلية الكبرى فى أن يصبح رئيس وزراء بريطانيا القادم، يوم 24 يوليو المقرر أن يستلم فيه من رئيسة الوزراء تيريزا ماى. ويخوض جونسون حاليًّا معركة بين رجلَين «ضد وزير الخارجية البريطانى جيرمى هانت» على قيادة حزب المحافظين.

 

وبالطبع هناك اختلافات عديدة بين بوريس جونسون ودونالد ترامب، إلا أن التشابه الخفى الكبير -الذى لا يتحدث عنه أحد- هو كيف تم تمهيد طريقهما للسلطة عن طريق حزب سياسى محافظ قرر أن يصبح وسيلة للقومية الكارهة للأجانب باستغلال المتعصبين والمختلين بدلًا من إدانتهم.

 

فى الولايات المتحدة، ظهرت حركة حزب الشاى بعد شهر من تولِّى باراك أوباما الرئاسة فى يناير 2009. وظاهريًّا كانت الحركة معنية بالضرائب والإنفاق الحكومى. وفى الوقت الذى كان فيه ذلك ربما صحيحًا لبعض مفكرى ومخططى الحركة، كان ضباط الصف والجنود مدفوعين أكثر بالقومية الكارهة للأجانب والمحافظة الاجتماعية. فإذا كنت تريد رؤية لافتات أو تسمع هتافات تدَّعى كذبًا أن أوباما مسلم سرًّا من كينيا كان أفضل خيار أمامك هو حضور إحدى تجمعات حزب الشاى.

 

وهذا لأن حزب الشاى لم يكن معنيًّا فى الحقيقة بالإنفاق الحكومى بل كان معنيًّا أكثر بالحنين إلى أمريكا أكثر بياضًا وتحفظًا اجتماعيًّا، تلك التى وعد ترامب أن يستعيدها بالشعار على قبعاته الحمراء.

 

وتكشفت تلك الحقيقة عارية عندما انتقل حزب الشاى بسلاسة من معارضة أوباما إلى دعم ترامب الذى لم يراكم ديون جديدة بتريليونات الدولارات مع ارتفاع حاد فى العجز فحسب، بل هو الرئيس الوحيد الذى فعل ذلك فى أوقات رخاء اقتصادى.

 

بالنسبة إلى التيار الرئيسى من الجمهوريين كان حزب الشاى خطرًا، وتمكن من إزاحة الجمهوريين المنتمين إلى المؤسسة السياسية الذين رفضوا الخضوع لليمين المتطرف الذى تضمن متعصبين. وعندما استعرض حزب الشاى عضلاته الانتخابية فى 2010 وأوقع بمجموعة جمهوريين من الحرس القديم قام الحزب الجمهورى بعملية حسابية قصيرة الأجل، وهى أن يستغل الحركة بدلًا من أن يدينها. وتم اقتياد التيار الرئيسى من الجمهوريين وفى تلك الأثناء تمايل «الحزب القديم العظيم» نحو اليمين، وجلبوا من الهامش المتعصبين والمدعين بعدم مولد أوباما فى أمريكا، وأصبح الكثير منهم نجومًا صاعدة فى حزب أكثر قومية إثنية.

 

وترامب هو نتاج هذه الحسبة الانتخابية، ففى بحر 8 سنوات تحول «الحزب القديم العظيم» من حزب جون ماكين  -الذى بشجاعة أدان مؤيدًا أشار إلى أن أوباما «عربى»- إلى حزب ترامب الذى جعل الكذبة العنصرية التى تدَّعى أن أوباما لم يولد فى أمريكا تيارًا رئيسيًّا.

 

وعلى الجانب الآخر من الأطلسى يقوم المحافظون بحسبة مماثلة نتيجة القوة الانتخابية الصاعدة لحزب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى «بريكزيت» نبتة أفكار المتطرف كاره الأجانب نايجل فراج. وظاهريًّا يجتمع هذا الحزب على معارضة الاتحاد الأوروبى، إلا أن نسبة لا يستهان بها من أعضائه تدفعهم أيضًا كراهيتهم للأجانب. وتورط هذا الحزب فى الفضائح منذ البداية، فقد اضطرت زعيمته السابقة إلى الاستقالة بعد اكتشاف أنها أعادت نشر سلسلة من تغريدات المتعصبين اليمينيين المتطرفين وأدلت بنفسها بتعليقات معادية للإسلام شديدة التطرف على شبكات التواصل الاجتماعى.

 

ومع ذلك أظهر استطلاع رأى أخير لـ«يوجوف» أن حزب «بريكزيت» قد تعادل مع المحافظين، فكلاهما حصل على 22٪ من الأصوات. وهذا تحول جوهرى فى السياسة البريطانية التى كانت على مدى الأجيال القليلة الماضية بمثابة صراع ثنائى بين المحافظين فى اليمين والعمال فى اليسار. وعندما يستولى حزب جديد على نصف قاعدتك السياسية بين ليلة وضحاها، كما فعل حزب «بريكزيت»، لابد أن تنتبه.

 

وهنا يدخل بوريس جونسون، فعلى الرغم من أن خلفيته التعليمية فى إيتون وأكسفورد تظهر بشكل صارخ أنه ينتمى إلى نخبة المؤسسة السياسية فقد قدم نفسه كشعبوى معادٍ لتلك المؤسسة، من شأنه تدمير حزب «بريكزيت» لا عن طريق هزيمته بل باستغلاله داخل حزب المحافظين. وأكد استطلاع رأى حديث لـ«كوم ريس»، وهى شركة بريطانية مرموقة فى المجال، هذا الأمر، إذ أشار إلى أن حزب «بريكزيت» سيصعد إذا أعطى المحافظون زمام الأمور لشخصية وسطية تنتمى إلى المؤسسة السياسية. وإذا تم انتخاب جونسون سيموت الحزب المنشق.

 

ولكن قبل أن يفتح المحافظون البريطانيون العتاد زجاجات الشامبانيا عند التفكير فى وجود جونسون فى 10 شارع داونينج ربما يريدون النظر فى عبرة مسار أمريكا من حزب الشاى إلى ترامب. فتحييد خطر انتخابى من خلال وضع نسبة معينة من المتعصبين فى التيار الرئيسى يأتى بكلفة على المدى الطويل. وبالتأكيد جونسون قنديل بحر سياسى ينجرف بموجات الرأى العام، فربما يتخلى عن الالتزامات الخطيرة التى قدمها خلال منافسته الحالية على القيادة. غير أن السؤال الأكبر هو: ماذا سيكون شكل حزب المحافظين بعد بضع سنوات إذا دخل المتطرفون التيار الرئيسى؟ لمعرفة ذلك ينبغى أن ينظروا إلى الجانب الآخر من الأطلسى، فربما يرون هناك لمحة مقلقة لما قد يحدث.

...

براين كلاس

خبير أمريكى فى العلوم السياسية، يكتب عمودًا فى «واشنطن بوست»، أستاذ مساعد فى السياسات العالمية بكلية لندن الجامعية، ومن مؤلفاته: «شريك المستبد.. كيف يساعد الغرب ويتواطأ فى انحدار الديمقراطية» و«تلميذ المستبد.. هجوم دونالد ترامب على الديمقراطية».

 



أقرأ أيضا

البلد

حينما تضحك التراجيديا

نكتة مدينة جوثام الدامية، ضحكة كبيرة مرسومة بالدم، القمامة تملأ الشوارع، السلالم تصعد إلى ما لا نهاية، العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء. الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".
البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...