الطبرى ضحية السلفيين

طارق أبو السعد



الطبرى ضحية السلفيين



 

تتعرض الأمم لكثير من التحديات والمعارك، تنتصر فى بعضها وتنهزم فى الأخرى، لكن أخطر وأهم معارك الأمة هما مطاردة التعصُّب وتجفيف منابعه، فالتعصب الدينى خطر على الأمة ومستقبلها، فهو عدو من داخل المجتمع يهدم ويدمر تحت مظلة الإصلاح. أما العدو الخارجى فيدفع المجتمع إلى التوحُّد وانتظام الصف، لمواجهته.

 

وأقرب دليل من التاريخ يكشف خطورة التعصُّب، مثل محنة الطبرى مع الحنابلة، حيث أدّى خلافه مع الحنابلة المتشددين إلى أن حاصروه فى بيته ومنعوه من الخروج، ورفضوا أن يُدفن فى مقابر المسلمين، ولا أن تُقام عليه صلاة الجنازة، حتى إنه دفن ليلًا فى ساحة بيته.

 

مَن هو الطبرى؟
هو محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب، المشهور بالإمام أبى جعفر الطبرى، ولد عام «224هـ/ 839م»، فى آمُل عاصمة إقليم طبرستان، الذى يقع الآن فى شمال دولة إيران، ويمتد فى معظمه على الساحل الجنوبى لبحر قزوين، عبر سلسلة جبال ضخمة، نشأ فى أسرة مسلمة، فى أواخر خلافة المعتصم، وشهد بداية إمارة بنى طاهر على خرسان، ومنها طبرستان، وشاهد قسوتهم فى الحكم وفظائعهم.
 
منذ مرحلة مبكرة أدرك والد الطبرى أن ابنه يملك نباهة وذكاء ورغبة فى العلم، فغمره برعايته وتولَّى العناية به. وقد ذكر الذهبى فى «أعلام سير النبلاء» أن والده كان يرسل إليه النفقات فى إقامته ببغداد، وفى أثناء إقامته بمصر، ووجَّهه منذ الطفولة إلى حفظ القرآن الكريم، كما هى عادة المسلمين وقتها. وشهدت دروب المدينة ذهابه وإيابه وهو يتأبط دواته وقرطاسه، وسرعان ما تفتح عقله، وبدت عليه مخايل النبوغ والاجتهاد.
 
ورث الطبرى عن أبيه الاعتزاز بالنفس، فكان لا يأكل إلا من كسب يده، ونذر حياته للعلم. كان الطبرى كثير الترحال، فارتحل إلى الرى وبغداد والكوفة والبصرة، وذهب إلى مصر، ومكث فى الفسطاط عام 253هـ، وأخذ عن علمائها علوم مالك والشافعى وابن وهب، ورجع واستوطن بغداد، ثم عاد إلى مصر، ومكث فى الفسطاط فترة أطول، وصنَّف فيها كثيرًا من كتبه، ثم رحل إلى بغداد، ثم دخل طبرستان، ومكث فيها قليلًا، ثم عاد إلى بغداد واستقر فيها.. وفى كلّ هذه الأعوام كان متفرغًا للعلم ولم يتزوج.
 
قال عنه الخطيب البغدادى: «كان حافظًا لكتاب الله، عارفًا بالقراءات، بصيرًا بالمعانى، فقيهًا فى أحكام القرآن، عالمًا بالسُّنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين فى الأحكام، ومسائل الحلال والحرام، عارفًا بأيام الناس وأخبارهم»، وقال الإمام النووى: «أجمعت الأمة على أنه لم يصنف مثل الطبرى».
 
وقال عنه ياقوت الحموى: «أبو جعفر الطبرى المحدِّث، الفقيه، المقرئ، المؤرِّخ، المعروف، المشهور»، وقال ابن الأثير: «أبو جعفر أوثق من نقل التاريخ، وفى تفسيره ما يدل على علم غزير وتحقيق، وكان مجتهدًا فى أحكام الدين، لا يقلّد أحدًا، بل قلّده بعض الناس وعملوا بأقواله وآرائه وكان أسمرَ، أعين، نحيف الجسم، فصيحًا»، وقال الذهبى: «الإمام الجليل، المفسر أبو جعفر، صاحب التصانيف الباهرة، من كبار أئمة الإسلام المعتمدين، كان ثقة حافظًا صادقًا، رأسًا فى التفسير، إمامًا فى الفقه والإجماع والاختلاف، عَلاَّمةً فى التاريخ وأيام الناس، عارفًا بالقراءات واللغة، وغير ذلك»، وفى موضع آخر، قال: «الطبرى له كتاب التفسير، لم يصنف أحد مثله».
 
قال عنه ابن تغرى بردى: «وهو أحد أئمة العلم، يُحكم بقوله، ويُرجع إلى رأيه، وكان متفننًا فى علوم كثيرة، وكان واحد عصره»، وقال ابن تيمية: «وأما التفاسير التى فى أيدى الناس فأصحها تفسير محمد بن جرير الطبرى، فإنه يذكر مقالات السلف، بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين»، قال السيوطى: «الإمام أبو جعفر، رأس المفسرين على الإطلاق، أحد الأئمة، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظًا لكتاب الله، بصيرًا بالمعانى، فقيهًا فى أحكام القرآن، عالمًا بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها، عالمًا بأحوال الصحابة والتابعين، بصيرًا بأيام الناس وأخبارهم».
 
وللطبرى عديد من التصانيف، يقول ياقوت الحموى: «وجدنا فى ميراثه من كتبه أكثر من ثمانين جزءًا بخطه الدقيق، ومنها: اختلاف علماء الأمصار، وهو أول كتاب ألفه الطبرى، وكان يقول عنه: (لى كتابان لا يستغنى عنهما فقيه: الاختلاف واللطيف». وألّف «جامع البيان فى تأويل القرآن» المعروف بـ«تفسير الطبرى»، و«تاريخ الأمم والملوك» المعروف بـ«تاريخ الطبرى»، و«تهذيب الآثار»، و«ذيل المذيل»، و«لطيف القول فى أحكام شرائع الإسلام»، و«بسيط القول فى أحكام شرائع الإسلام»، و«كتاب القراءات»، و«صريح السنّة»، و«التبصير فى معالم الدين».

 

بداية المحنة

كان المذهب الحنبلى هو المذهب السائد بأرض العراق خلال القرنَين الثالث والرابع الهجريَّين، وذلك بفضل صمود الإمام أحمد، رحمه الله، فى محنة خلق القرآن الكريم، وهذا الموقف أعلى من شأن الحنابلة، ورفع قدرهم فى أعين الناس والعامة، حتى أصبحوا أغلبية بأرض العراق، ورأس الحنابلة بالعراق أبو بكر محمد بن الحافظ بن أبى داود، صاحب السنن، لم يكن جديرًا بهذا المنصب، لكنّه نال الزعامة الشعبية لدى الحنابلة، لشهرة أبيه الحافظ الكبير أبى دواد.
 
بدأت محنة الطبرى مع الحنابلة عندما ألّف كتابًا فى اختلاف العلماء والمذاهب فى الأمصار، وهو كتاب ضخم وحافل، إلا أنه لم يذكر فيه المذهب الحنبلى، حيث كان يرى أن الإمام أحمد معدود من المحدّثين، وليس من الفقهاء، فقد كانت المذاهب الأخرى أقدم وأكثر شهرةً ورواجًا فى العالم الإسلامى، ومذهب الحنابلة كان قاصرًا على العراق فقط.
وجد الحنابلة أن فى هذا الصنيع إهانة للإمام أحمد، وبدأت تتداول ألسنتهم، وعلى رأسهم أبو بكر بن أبى داود، كلمات تنال من عقيدة الطبرى، خصوصًا أنه قام بجمع طرق حديث «غدير خم»، وذلك فى أربعة أجزاء، وهو الحديث الشهير العمدة عند جميع طوائف الشيعة، الذى يستدلون به على أحقية علِى بن أبى طالب، رضى الله عنه، وبنيه فى الخلافة، وهو حديث صحيح لا شكّ فيه، ثم ما لبث الأمر أن تطور وصار خلافًا خطيرًا.

 

المتعصبون يأكلون عقلاء الأمة
استخدم أبو بكر سلطته على جموع الحنابلة وجيّشهم ضدّ الطبرى، وبدأ ينشر بينهم ما يوغر صدورهم نحو الرجل، غير آبه بما قدّمه للأمة، لكنه التعصُّب الأعمى الذى يهدم ولا يعرف للعالم قدره ولا للعلم حقه، فسوّل لهم إهانة هذا العالم الجليل، وقد أورد ياقوت الحموى تلك الواقعة بالتفاصيل فى كتابه «معجم الأدباء»، إذ يقول: «لما قدم الطبرى إلى بغداد، وفى زيارته الأخيرة، تعصَّب عليه أبو أحمد الجصاص، وجعفر بن عرفة، والبياضى، وقصده الحنابلة فى المسجد يوم الجمعة، وسألوه عن أحمد بن حنبل، قال: ما رأيت له أصحابًا يعوَّل عليهم. فلما سمع الحنابلة منه ذلك، وثبوا عليه ورموه بالمحابر، وقيل كانت ألوفًا، فقام أبو جعفر بنفسه، ودخل داره، فرموا داره بالحجارة، حتى صار على بابه كالتلّ العظيم، وركب نازوك صاحب شرطة بغداد فى عدد كبير من الجنود، ليمنع عنه العامة، ووقف على بابه يومًا إلى الليل، وأمر برفع الحجارة، فأغاظ ذلك الأمر عوام الحنابلة بشدة، فدفعهم التعصب المقيت إلى محاصرة بيت الطبرى، ومنعه من الخروج منه، ومنع طلاب العلم من الدخول عليه، حتى إن كل طلاب العلم والحديث الذين دخلوا بغداد، عام 309هـ، لم يجتمعوا به، ولم يرووا عنه شيئًا، بسبب طغيان جهلة الحنابلة، ومنهم الإمام حسنيك بن علِى، دخل بغداد ولم يكتب شيئًا عن الطبرى، وعندما علم أستاذه ابن خزيمة، ذلك، قال لتلميذه (حسنيك): ليتك لم تكتب عن كلّ مَن كتبت عنهم، وسمعت من أبى جعفر، وبئس ما فعلت الحنابلة بحقّه».
ظل الطبرى حبيسًا فى بيته يعانى الاضطهاد الشديد، ولا يدخل عليه أحد إلا القليل من خاصته، وكان قد جاوز الخامسة والثمانين، وأنهكته السنون ورحلات طلب العلم فى شتى بقاع الأرض، وزادت المحنة من آلامه وأوجاعه، والجهلة والمتعصبون لا يردّهم شىء، لا مكانة علمية، ولا كبر سن، ولا مؤلفات ومصنفات عظيمة فى التفسير والتاريخ وغيرهما.
وظل الجهلة محاصرين لبيت الطبرى، حتى حان وقت الرحيل، فى شوال عام 310هـ، وقد ظلّ الطبرى يردّد الشهادة قبل موته عدة مرات، ثم مسح يده على وجهه وغمض بصره بيده، وبسطها، وقد فارقت روحه الحياة، وبلغت المحنة أوجها، ووصل التعصب إلى ذروته، وظل الحنابلة على حصارهم لبيت الطبرى حتى بعد أن بلغهم خبر وفاته، مما دفع أصحاب الطبرى لأن يدفنوه فى صحن داره، برحبة يعقوب ببغداد، والتى تقع حاليًّا فى شارع عشرين فى الأعظمية فى بغداد، باسم «حديقة الرحبى».. رحل الطبرى محاصرًا مظلومًا، ظلمه مَن سمح للتعصُّب أن يعشّش فى أذهان الناس.


أقرأ أيضا

البلد

السعودية وحماية الملاحة البحرية

يطلق علماء النفس على بعض اللحظات المهمة والتاريخية " الوقت القيم "، بمعنى أنه الوقت الذي تعظم فيه الاستفادة من الأحداث الجارية، وبما يخدم التوجهات الاستراتيجية للدول والمؤسسات وحتى للأفراد.
البلد

المستقبل الروسي.. ملامح وتحديات

مرّت روسيا الاتحادية بمراحل صعبة، سياسياً واقتصادياً، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وفقدت خلال عقد من الزمن سمتها وهيبتها ومكانتها الدولية، وغرقت داخلياً في مجموعة من المشكلات الاجتماعية والثقافية...
البلد

الشخصيات المثيرة للجدل.. أراجوزات و"بتوع تلات ورقات" أم مهذبون ساخرون مثيرون للضحك؟

كثر في الآونة الأخيرة إطلاق لفظ "شخصية مثيرة للجدل" على شخصيات تتصدر المشهد السياسي والاجتماعي وتحدث صخبًا وضجيجًا وربما نفورًا واشمئزازًا..
البلد

هل ثمة توافق أميركي- إيراني يلوح في الأفق؟

على سيرة الحديث عن إمكان عقد لقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني، وضع كثيرون أيديهم على قلوبهم خشية تفاهمات قادمة، يخرج الخليج -والسعودية تحديدا- منها خالي الوفاض، "إيد ورا، وإيد قدام" على رأي المصريين.
البلد

موعد نهاية الرئيس أردوغان

خاصم الرئيس التركي أكثر مما صاحب، لا في صعوده السياسي، ولا في استحواذه على مؤسسات الدولة، ولا في علاقاته مع الدول الاستراتيجية في المنطقة، وجاء يوم يشهد فيه بدء تفرق الناس من حوله، وتراجع اقتصاد بلاده، ولا يد عربية أو أوروبية ممدودة للمساعدة.
البلد

المخدرات الحديثة «فيروسات العصر».. كيف تعرف الأسرة أن ابنها مدمن؟ وماذا تفعل بعد ذلك؟

خطر جديد يجتاح العالم بأسره ويتسلل متخفيًا إلى عقول الشباب وأجسادهم ويشكل وباءً جديدًا دون أن ينتبه إليه الناس.. تلك هي المخدرات الحديثة والتي تم استنساخها من المخدرات التقليدية وتصنيعها في مصانع ومعامل غير مرخصة لتتكاثر وتتوالد بعضها مع بعض بشكل سرطاني.
تأملات

نهاية الأسرة.. هل يوجد حل سحري يردع تسلط الآباء ويمنع تمرد الأبناء؟

في ظل التحولات الجنسية (الجندرية) التي تتسارع في هذا العالم سعياً لصناعة أنماط جديدة من (الأسرة)، تتكاثر الانتقادات التي تبلغ مبلغ الشتيمة أحياناً، للمجتمع الأبوي، باعتباره نمطاً أسرياً ماضوياً ينبغي دفنه وتجاوزه بلا رجعه.
البلد

د.بكري عساس يكتب: مصر تتحدث عن نفسها

من لندن إلى القاهرة في زيارة مع الأهل خلال إجازة عيد الأضحى المبارك، لمدة أربعة أيام؛ حيث تم ترتيب برنامج الزيارة بأن يكون اليوم الأول مخصصًا لزيارة متحف مقياس مستوى مياه النيل خلال موسم الفيضان السنوي في حي المنيل بالقاهرة