لعبة ترامب مع كيم جونج أون

ديفيد إجناشيوس



لعبة ترامب مع كيم جونج أون



 

ترجمة: أميرة جبر عن «واشنطن بوست»

 

 

فى التعامل مع زعيم كوريا الشمالية كيم جون أون، ينبغى أن يتذكر الرئيس ترامب أنه مدرب ثعابين لا ساحر لها. «وتنطبق النصيحة نفسها على كيم، ولكن دعونا نترك ذلك للمحللين فى بيونج يانج».

 

والمرجعية هى أن كيم مستبد يقوم بالتحديث، ويؤمن أن بقاءه سيُعزز بالتنمية الاقتصادية التى يرغب فيها، إضافةً إلى الأسلحة النووية التى يمتلكها. وإذا قرر أن يستأنف المفاوضات فسيكون ذلك لرفع العقوبات ومضاعفة سرعة اقتصاده، وربما للإبقاء على جانب من ترسانته النووية، ولن يكون ذلك لأنه يتمتع بـ«علاقة عظيمة» مع ترامب، كما تشير التعليقات الأخيرة للرئيس، بل لأنه ديكتاتور عاقل وإن كان مغرورًا.
 

ولا يقلل هذا التحذير من أهمية ما حققه ترامب يوم الأحد فى إدارة خشبة مسرح عرض دبلوماسية الواقع فى منطقة كورية منزوعة السلاح. كانت فرصة عالية المخاطر لالتقاط الصور، إلا أنه عندما أصبح ترامب أول رئيس أمريكى يخطو داخل كوريا الشمالية أعاد فتح المسار نحو نزع السلاح النووى وتطبيع العلاقات.
 

ولا ينبغى أن تُعمينا صفات ترامب السيئة الكثيرة عن هذا الإنجاز الجيد، فقد لعب بنجاح على الإحساس بأن كيم أراد استئناف المفاوضات. وكون هذا الإنجاز يأتى محاطًا بنطحات ترامب الصارخة الودودة للديكتاتوريين لا ينقص من قيمته. والسؤال هو ما إذا كان هذا تحولًا حقيقيًّا نحو السلام والاستقرار فى آسيا بدلًا من مناورة للبقاء من قِبَل كيم وحيلة من ترامب فى حملة إعادة انتخابه.
 

وذكر روبرت كارلين، محلل وكالة الاستخبارات المركزية «سى آى إيه» المتخصص فى كوريا الشمالية منذ فترة طويلة، أن «فكرة لقاء ترامب بكيم فى المنطقة منزوعة السلاح كانت تدرس لبعض الوقت». وخشى كارلين أنها «ارتماء لالتقاط الكرة (كما فى البيسبول) أو تمريرة طويلة فى محاولة يائسة (كما فى كرة القدم الأمريكية) أو مخاطرة بكل شىء»، إلا أن ترامب جعل المقامرة تنجح.
 

ماذا كانت بشائر هذا الاستئناف؟ أولًا، على ما يبدو انتهى كيم إلى أنه أخطأ فى قمة هانوى فى فبراير بتوقعه أنه يستطيع الحصول على إعفاء من العقوبات دون تقديم أى تنازلات حقيقية فى نزع السلاح النووى. وبدأ العدول عن هذا الخطأ فى مايو «بالإشارة إلى أن الباب أصبح مفتوحًا مجددًا للانخراط مع الولايات المتحدة»، حسب كارلين الذى يتابع صحافة كوريا الشمالية بدقة.
 

وقد جاءت إشارة عامة بأن كيم يريد لعب الكرة مجددًا، فى بيان لوزارة الخارجية بتاريخ 4 يونيو، والذى أعاد تأكيد «إرادة كوريا الشمالية للاعتزاز» بتعهد كيم الذى قدمه فى قمة سنغافورة فى يونيو 2018 بنزع السلاح النووى و«تطبيق ذلك بنية حسنة». وحث البيان «الجانبين على التخلى عن المطالب أحادية الجانب والعثور على حل بناء».
 

ثم بدأت مسرحية فى الظل، فقد أرسل كيم إلى ترامب، الشهر الماضى، ما وصفه الرئيس بـ«خطاب جميل» ورد ترامب بالمثل. وقال ستيفن بيجن، الممثل الخاص لوزارة الخارجية بكوريا الشمالية، يوم 19 يونيو الماضى فى المجلس الأطلسى، إن «الباب مفتوح على مصراعيه» لتجديد المفاوضات، وإن العقبة الكبيرة الوحيدة هى انعدام وجود «تعريف متفق عليه لنزع السلاح النووى».
 

وأعلنت وزارة الخارجية فى هدوء يوم 24 يونيو الماضى، أن بيجن سيسافر إلى سول. ثم جاءت يوم الأحد تغريدة ترامب التى بدت غير تقليدية: «إذا رأى زعيم كوريا الشمالية كيم هذا سأقابله على الحدود/ المنطقة منزوعة السلاح لأصافحه وأقول له مرحبًا (؟)!». وبعد يوم واحد كانا يتصافحان وسار ترامب عبر الحدود.
 

وفى ما يلى ما ينبغى مراقبته فى الأسابيع القادمة، فالسؤال منذ بداية هذه الرقصة الدبلوماسية هو: ما الخطوات المحددة الممكن التحقق منها التى ستأخذها كوريا الشمالية نحو الهدف المعلن بنزع السلاح النووى؟ حاول كيم تفادى ذلك فى هانوى بعرض تفكيك أحد أكبر المنشآت النووية يونجبيون، الأمر الذى رفضه ترامب عن حق، لأن الولايات المتحدة تعلم أن هناك منشآت أخرى خارج حدود هذا المجمع. هل هذه المنشآت الأخرى مطروحة على طاولة المفاوضات الآن؟ هل الولايات المتحدة مستعدة للنظر فى «تجميد» انتقالى لأنشطة بيونج يانج؟ سنرى.
 

ويبدو أن ترامب، بحكمة، قد تقبل أن نزع السلاح النووى لن يكون فوريًّا، بل عملية تدريجية مراقبة. وقال يوم الأحد إن «السرعة ليست الهدف، نحن نريد أن نرى ما إذا كان يمكننا عقد صفقة شاملة جيدة جدًّا». وهذا هو الهدف الصحيح.
 

إن العامل الشخصى فى الدبلوماسية عابر لكنه حقيقي، فربما كانت الصين مستعدة لانفتاح مع أمريكا عام 1972، إلا أن الأمر تطلب ذهاب الرئيس ريتشارد نيكسون، إلى بيكين، وربما كانت مصر مستعدة للسلام مع إسرائيل عام 1978، إلا أن الأمر تطلب تفاوض الرئيس جيمى كارتر على اتفاقية كامب ديفيد مع أنور السادات ومناحم بيجن.
 

إن كيم وترامب ثنائى غير جذاب من نواحٍ عديدة، ولكن إذا جعلتهما أسبابهما الخاصة مستعدَّين لبداية مناقشة جادة حول نزع السلاح النووى فهذا أفضل كثيرًا.
 

...
 

ديفيد إجناشيوس
كاتب صحفى وروائى أمريكى، محرر مشارك وكاتب عمود فى جريدة «واشنطن بوست» الأمريكية، يستضيف بالمشاركة مع الصحفى والمذيع فريد زكريا حوارًا على الإنترنت عن القضايا الدولية. كتب عددًا من روايات الجاسوسية، من بينها «جسد من الأكاذيب» «Body of Lies»، والتى حولها المخرج ريدلى سكوت إلى فيلم سينمائى.

 



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.