«كازابلانكا» بيتر ميمى الذى وصل إلى جمهوره

رامى المتولى



«كازابلانكا» بيتر ميمى الذى وصل إلى جمهوره



يملك المخرج بيتر ميمى، ناصية فن صناعة اللا شىء، بأقل إمكانيات وبدعاية رخيصة يُحقق من وجهة نظره نجاحًا يخترق حُجب العالمية. يعبّر عن ذلك فى ما يكتبه ويتناقله رواد مواقع التواصل الاجتماعى من بعده، صانعًا دعاية مجانية لأفلامه، ومع اختيار توقيت عرضها وصياغة تصريحاته، لتصل إلى شريحته المستهدفة. يحقق أرقامًا فلكية على شباك التذاكر -لا نعلم مدى دقتها- استنادًا إلى هذه الدعاية، دون أن يكون الفيلم حتى متوسط الجودة من الناحية الفنية، أى أن هذه الأرباح لا تتناسب مع جودة الفيلم الحقيقية، ولا يمكن أن تكون مقياسًا. وأية محاولة لتذكُّر أى من أفلامه السابقة يؤكد نفس الشىء، لا تتبقى من أفلامه إلا الأرقام التى يتبجح بها ويدَّعى ريادته وعالميته.

 

يعتمد ميمى بشكل رئيسى على ذوق شريحته المستهدفة التى تكون عادة من جمهور موسم العيد، يصنع ما يرغبون فى مشاهدته دون أن يهتم بالجودة. فهذا المشاهد صاحب العمر الصغير نسبيًّا يرغب فى مشاهدة معارك وانفجارات ويغض النظر عن أى تفاصيل أخرى. بمعنى آخر هذا الجمهور يقف بذائقته عند تسعينيات القرن الماضى عندما كان فان دام ودولف لندجرين نجمَى أفلام الحركة. هذا الشكل من أفلام الحركة انتهى من العالم بأكمله، حتى عندما رغب سيلفستر ستالونى فى إعادة إحيائه بسلسلة «Expendables»، صنعها بالوجوه الماضية لكن بروح حديثة. وحده بيتر ميمى يقف أمام الزمن والتطور ويستغل قلة خبرة جمهوره ويسرق كادرات ومشاهد من أفلام عالمية ويدَّعى العالمية والإخراج السينمائى.
 

أحدث أعمال بيتر «كازابلانكا» يضم كل العيوب السابقة، لكنه مختلف فى كونه يعطى الانطباع أنه فيلم جيد، وتدعم هذا الانطباع جودة الصورة شكليًّا والتنفيذ الأكثر من جيد للمعارك والمطاردات، بالطبع هذه جودة زائفة، فلا تُقاس الأفلام بجودة المعدات المستخدمة فى التصوير ولا بقوة مخرجى ومنفّذى المعارك والمطاردات، فكل ما عدا ذلك فى الفيلم هو بالضرورة ضعيف فنيًّا. السيناريو الذى يعد الأساس الذى يُبنى عليه الفيلم بالكامل يحتوى على مشكلات درامية متعددة، ربما لا يكون السبب المباشر فيها المؤلف هشام هلال، فسابقة أعماله جيدة لكنها تليفزيونية ولم ينفصل فنيًّا عن أمير كرارة بطل فيلم «كازابلانكا» فى معظمها، لذلك الحكم بشكل قاطع أين تقف مسؤولية هشام ومتى تبدأ مسؤولية بيتر غير ممكن، وعليه يتحمَّل هشام مسؤولية هذه الأخطاء الدرامية ولا منطقية تصرفات شخصيات الفيلم.
 

يأتى على رأس التفاصيل غير المنطقية اختيار المدينة المغربية «كازابلانكا» أو الدار البيضاء، لتكون محور الأحداث، مع أنها لو حدثت فى أية مدينة مصرية شاطئية لن يحدث أى اختلاف ولن يتأثر الفيلم، والأغرب هو عنونة الفيلم باسم المدينة، وهو ما لم نجد له أى مبرر طوال أحداث الفيلم، فلا نحن عرفنا سر اختيار عرابى «عمرو عبد الجليل» لهذه المدينة، لتكون مسرحًا لنشاطه الإجرامى، ولا المميز لجعلها عنوان الفيلم بخلاف أنها المكان الذى يجتمع فيه الأبطال فقط دون أن يكون وراء ذلك أى مبرر.
 

المشكلة الأبرز فى السيناريو هى عدم التحضير الجيد للشخصيات وعلاقتها، الأمر الذى تسبب مع مرور أحداث الفيلم إلى تشوه هذه الشخصيات ولا منطقية تصرفاتها.. علاقة الأخَّين عمر المر «أمير كرارة» وزكريا «أحمد داش» هى لغز كبير، حيث يبنى هشام الخلاف الكبير بينهما على عدم ذهاب عمر إلى أخيه فى المدرسة، ومحاولة الأول الدائمة لأن يبعده عن المشكلات ونمط الحياة الذى يعيشه. وعلى الرغم من كون سبب عدم دعم عمر لأخيه وذهابه إلى مدرسته، هو القبض عليه وسجنه، فإن الأخ لا يغفر له ذلك ويتحالف مع عدوه للحد الذى يجعله يوافق ضمنيًّا على موت أخيه الأكبر إذا اقتضت الحاجة إلى ذلك، بشكل لا منطقى، أن يكون الدافع فقط هو عدم ذهابه لدعمه على الرغم من رعايته الدائمة له ومحاولة تقويمه وتعليمه.. هذه العلاقة تأتى غرابتها بسبب عدم التمهيد الجيد للشخصيتَين والاعتماد على حلول سهلة لزرع خلاف بينهما، لأن الدراما تحتاج إلى ذلك.
 

والأغرب هو علاقة أخرى بطلها عمر وفيفا «غادة عادل» وزوزو «لبلبة»، التى تنشأ من العدم، إذ فجأة تسرق فيفا عمر، وفجأة يصل إليها عمر لتجده فى منزلها، وقد اكتسب بالفعل ثقة زوزو، ثم ثقتها وحبها فجأة! يمكن تطبيق هذا التخبط على كل الشخصيات، والذى ربما يكون مصدره هشام أو بيتر، فرؤية الأخير من الممكن أن تحذف مشاهد مهمة دراميًّا يراها هو أقل أهمية، ويغلب عليها مشهد معركة نُفِّذ جيدًا إرضاءً لجمهوره ورغبةً فى الحفاظ على تصدره الإيرادات، لأن هذه فقط هى نقطة قوته. وربما تعامل هشام باستخفاف مع السيناريو ليخرج بهذا الشكل الهزيل.
فى كل الأحوال جزء كبير من ضعف هذا الفيلم هو السيناريو. حتى الأداء التمثيلى لممثلين بارعين أساسيين كانوا أم ضيوف شرف لم يكن داعمًا ليخرج الفيلم حتى بأداء تمثيلى جيد. حتى عمرو عبد الجليل القادر على التميُّز فى أصغر مساحة وبأقل عدد من الكلمات، يمكن القول إنه قدَّم أسوأ أداء فى حياته الفنية حتى الآن، والسبب الحقيقى هو غياب التوجيه من قِبَل المخرج. بيتر ميمى ظاهرة، نجاحه خلافًا لما يقدمه يجعله بالفعل ظاهرة، لكنها بالتأكيد سيئة وتأثيرها سلبى يجب التصدى لها.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...