زعماء العرق والدم والدموع فى إفريقيا

د.ياسر ثابت



زعماء العرق والدم والدموع فى إفريقيا



بالعرق والدم والدموع، استقلت إفريقيا.
 
سنوات طويلة من النضال والكفاح من أجل تحرير القارة السمراء من نير الاستعمار الطامع فى ثرواتها ومواردها، حتى تمكنت دول القارة تباعـًا من نيل استقلالها وتحرير إرادتها السياسية وممارسة الحُكم عبر شخصيات وطنية ورموز سياسية.
 
الشاهد أن إفريقيا عرفت فى مرحلة الكفاح من أجل الاستقلال قادة وزعماء وشخصيات، كان لهم تأثيرٌ بالغ ودور فعَّال فى تحقيق الاستقلال. شخصيات أثرت فى تاريخ إفريقيا من خلال إنجازاتها ومواقفها وتفانيها فى خدمة بلادها وإفريقيا عمومـًا، كما ناضلت فى تحرير إفريقيا من قبضة الاستعمار.
 
عبر السطور التالية نحاول تسليط الضوء على ثمانى شخصيات تعد ضمن الأكثر تأثيرًا فى التاريخ الحديث لإفريقيا.
 
1- نيلسون مانديلا
يعد نيلسون مانديلا أيقونة النضال فى إفريقيا، حيث قاد الكفاح لتغيير النظام العنصرى فى جنوب إفريقيا بآخر ديمقراطى متعدد الأعراق.
وقضى فى السجن 27 عامـًا، ثم خرج منه ليصبح أول رئيس إفريقى للبلاد، وأدى دورًا رئيسيًّا فى إحلال السلام فى مناطق النزاع الأخرى، وفاز بجائزة نوبل للسلام عام 1993.
 
وتُفسّر جاذبيته وعصاميته وروحه المرحة، إضافة إلى عدم رغبته فى الانتقام من معاناته التى عاشها، وتسلسل حياته المدهش، بشكل جزئى، القبول العالمى غير المعهود الذى يحظى به.
 
وُلِد نيلسون مانديلا عام 1918 فى عشيرة زوسا الناطقة بلغة الثيومبو، فى قرية صغيرة شرقى مدينة كيب تاون، واعتاد الناس فى جنوب إفريقيا على مناداته بالاسم الذى تخاطبه به عشيرته وهو «ماديبا»، وحصل على اسمه الإنجليزى نيلسون من معلمه فى المدرسة.
 
انضم مانديلا إلى حزب «المؤتمر الوطنى الإفريقى» (‪ANC‬) وهو فى الخامسة والعشرين من العمر، وكان حزبًا مناوئًا للتمييز العنصرى ومدافعًا عن مصالح السود ذات الأغلبية ضد مصالح الأقلية العنصرية، وقد أدى عزمه وحماسته فى النضال إلى اعتقاله فى عام 1964 والحكم بحبسه بالسجن المؤبد وذلك بتهمة الإثارة، وقد نجا بأعجوبة من عقوبة الإعدام، غير أنه قضى 27 عامًا فى السجن.
 
خلال 12 شهرًا بين عامَى 1968 و1969 توفيت والدته، وقُتِل ابنه الأكبر فى حادث تصادم، ولم يسمح له بحضور الجنازتَين، وبقى فى سجن روبن آيلاند لثمانية عشر عامًا قبل أن يُنقل إلى سجن بولسمور فى بلاده عام 1982.
 
وخلال فترة حبسه، تم خضوعه للأعمال الشاقة فى السجن على غرار كسر الصخور والتعرض للشمس والغبار طوال السنين، الأمر الذى أثر على تدهور صحته، فى وقت كان فيه التمييز العنصرى دبَّ حتى إلى السجون، غير أن مانديلا استمر فى نضاله محاولًا الغوص فى أعماق عقلية العنصريين من خلال الاطلاع على تاريخهم ولغتهم ومن ثم محاورتهم.
 
لكن استمراره لفترة طويلة فى السجن أكسبه شهرة عالمية وأسهم نضاله فى اعتبار التمييز العنصرى جريمة ضد الإنسانية فى الأمم المتحدة فى عام 1971، ثم أعقبت ذلك ضغوطات محلية ودولية على حكومة جنوب إفريقيا العنصرية لإطلاق سراحه فى فبراير 1990، فتم رفع الحظر عن حزب ‪ANC‬ من طرف الرئيس فريدريك دى كليرك، ثم انتُخب مانديلا رئيسًا لجنوب إفريقيا فى عام 1994 بعد فوز كاسح لحزبه فى الانتخابات العامة متعددة الأعراق.
 
تولى مانديلا قيادة الحكومة الأولى غير العنصرية بائتلاف بين المؤتمر الوطنى وحزب زولو نكاتا، ودعا إلى التصالح بين أطياف الأعراق، لكنه امتنع عن الترشح مرة ثانية بعد نهاية الفترة الرئاسية الأولى التى دامت خمس سنوات، مفضلًا الابتعاد عن المسرح السياسى عام 1999، والتركيز على أقاربه ومؤسسته الخيرية.
 
تلك الجهود والنضال جعلته رمزًا يحتذى به فى التصالح على مستوى العالم، واعترافًا بفضله توافدت الشخصيات العالمية إلى جنازته فى 5 ديسمبر 2013.
 
2- باتريس لومومبا
كان رئيس الوزراء السابق للكونغو الديمقراطية، وهو من الذين تركوا بصمات فى تاريخ إفريقيا المعاصر، حيث كرَّس حياته فى النضال لتحرير الشعب الكونغولى من الهيمنة الاستعمارية، إلى جانب جهوده المبذولة فى بلورة فكرة الوحدة الإفريقية، وفى هذا السياق شارك فى مؤتمر الوحدة الإفريقية المنعقد فى أكرا (غانا) عام 1958، واجتمع بكُوامى نكروما.
 
ويشار إلى أن ذاك الاجتماع عمَّق فكرة الوحدة الإفريقية فى وجدان الكونغولى ومتَّن علاقته ببقية القادة الأفارقة، من أمثال جمال عبد الناصر وأحمد سيكوتورى وكوامى نكروما. وقد سُجل نضال لومومبا لاستقلال الكونغو بماء الذهب فى صفحات التاريخ الإفريقى المعاصر، كما طالت جاذبيته أرجاء بلاده وخارجها لتعم القارة بأكملها، لكن حضوره فى كل الميادين النضالية الهادفة إلى استقلال بلاده جعله عرضة للاعتقالات المتكررة ودخول السجن.
 
والمبادئ التى تميز بها نضاله لتحقيق الاستقلال اتسمت بالسلمية ونبذ العنف والشجاعة وقوة الإرادة، ساعيًا وراء تحقيق العدالة الاجتماعية ورافضًا حضور المستعمر ونهب ثروات البلدان الإفريقية، مشيرًا إلى «أن الحرب التى نتعرض لها من القوى الاستعمارية تحت الذرائع الواهية وبدعوى الحرب على الشيوعية إنما هى تخفى نيَّات حقيقية غير معلنة لكون هذه القوى الاستعمارية لا تتعاطف إلا مع عملائها من القادة الأفارقة الذين خانوا شعوبهم، وما حلَّت بربوعنا فى إفريقيا إلا لنهب ثرواتنا وذلك بالتآمر مع هؤلاء القادة الفاسدين».
 
اغتيل باتريس لومومبا بأمر من المستعمرين فى 17 يناير 1971، حيث قُتِل عن عمر يناهز 53 عامًا، غير أنه ظل راسخًا فى تاريخ إفريقيا المعاصر، وذلك اعترافًا بنضاله ومواقفه المشرفة.
 
3- كينيث كاوندا
فى مناسبات مختلفة، تحدث رئيس زامبيا السابق كينيث كاوندا عن عمق العلاقات بين مصر وزامبيا وكيف كانت القاهرة تمده بالأسلحة والمساعدات فى عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر. إن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر استضاف كينيث كاوندا عندما كان رئيسًا لحركة التحرير الزامبية ضد الاحتلال البريطاني، وكانت القاهرة أول عاصمة عربية اعترفت باستقلال زامبيا عن الاحتلال البريطانى فى 24 أكتوبر عام 1964، وأول دولة عربية تنشئ سفارة فى العاصمة لوساكا.
 
وتجسَّد تقدير الرئيس الزامبى السابق كاوندا، للدور المهم الذى قامت به مصر فى دعم ثورة بلاده حتى نيل الاستقلال، بأنه أطلق على ثلاثة شوارع رئيسية فى قلب العاصمة لوساكا، أسماءً مصرية، هى: «شارع القاهرة وشارع ناصر وشارع السويس».
 
فى 24 أكتوبر 1964، أصبحت روديسيا الشمالية دولة زامبيا المستقلة. انتخب كينيث كاوندا رئيسًا لها فى 1964، ثم أعيد انتخابه فى أعوام 1968، 1973، 1978، 1983 و1988. وظل حزب الاستقلال الوطنى المتحد الحزب السياسى الوحيد خلال الفترة من 1972 إلى 1990. وفى أكتوبر 1991 فاز تجمع الأحزاب الديمقراطية بالانتخابات، وفاز فريدريك شيلوبا برئاسة الجمهورية، وتنحى كاوندا عن رئاسة حزبه فى ديسمبر 1991.
 
4- فيليكس هوفوييه بوانييه
بعد استفتاء عام 1958، أصبحت كوت ديفوار (ساحل العاج) جمهورية ذات حكم ذاتى. فى يونيو من عام 1960 أعلن فيليكس هوفوييه بوانييه، الموالى لفرنسا، استقلال كوت ديفوار. استطاع هوفوييه بوانييه المحافظة على علاقات متينة مع فرنسا بعد الاستقلال وأصبحت كوت ديفوار فى عهده أكثر البلدان الإفريقية ازدهارًا. منذ عام 1999 تعيش كوت ديفوار حياة سياسية مضطربة أدَّت إلى نشوب حرب أهلية بين الجنوب والشمال تدخلت على إثرها فرنسا والأمم المتحدة‪.‬
 
5- كوامى نكروما
يعد الزعيم الغانى كوامى نكروما من المناضلين الأفارقة الأوائل ضد الاستعمار، وكان أول رئيس لغانا المستقلة ورئيس الوزراء الأول، وأبرز دعاة الوحدة الإفريقية، وواحدًا من مؤسسى منظمة الوحدة الإفريقية قبل إسدال الستار عليها فى يوليو 2002.
 
نشأ كوامى نكروما وسط أسرة بسيطة، حيث عمل والده حدادًا، وأمه كانت تعمل فى التجارة، ولد فى 18 سبتمبر 1909، فى قرية نكروفل أقصى الجنوب الغربى لساحل الذهب، غانا حاليًّا، وسمى نكرو على اسم القرية، وكان ميلاده يوم السبت فأطلق عليه اسم كوامي، طبقًا للعادات الإفريقية التى تقضى أن يطلق على المولود اسم اليوم الذى ولد فيه، من هنا جاء اسم كوامى نكروما.
 
أصر والده البسيط على توفير مناخ لحياة أفضل ووفَّر له نفقات دراسته، وبالفعل التحق نكروما بمدارس الإرساليات الكاثوليكية الرومانية لمدة ثمانى سنوات، وعرف عنه التفوق والتميز، وتخرج فى دار المعلمين بأكرا عام 1930، ثم قضى ستة أشهر مدرسًا فى مدرسة فى (هافأسينى)، وفى عام 1926 توجه إلى العاصمة أكرا ليتدرب على التدريس فى كلية أميروبلز.
 
فى عام 1935 ذهب نكروما إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث درس الاقتصاد والاجتماع فى جامعة لنكولن بجوار أكسفورد فى بنسلفانيا. وفى عام 1939 حصل على الليسانس من المعهد الذى تأسس عام 1854، وهو الأول فى الولايات المتحدة الذى يعطى تعليمًا عاليًا للزنوج. وفى عام 1942 تخرج كوامى نكروما فى كلية لنكولن الدينية، حيث حصل على الليسانس فى العلوم الدينية، وفى العام نفسه حصل على ماجستير العلوم فى التعليم من جامعة بنسلفانيا.
 
وتزوج كوامى نكروما من المصرية فتحية حليم رزق، فى ديسمبر 1957، وكانت طالبة فى جامعة القاهرة، وعاش الزوجان فى قلعة بأكرا التى بُنيت منذ 300 عام فى أوسو كريستيان.
 
شكّل نكروما منظمة الطلاب الأفارقة فى أمريكا وكندا خلال عمله فى جامعة بنسلفانيا، وترأس نكروما المنظمة. وكانت هذه بداية نشاطه السياسى فى الولايات المتحدة الأمريكية، كما بدأ يهتم بشكل واسع بالقضايا السياسية لغرب إفريقيا.
 
ظهرت روح ورغبة الحكم الذاتى فى ساحل الذهب خلال الحرب العالمية الثانية، وأسس الدكتور جوزيف دانكوا اتحاد ساحل الذهب المتحد فى 29 ديسمبر 1947، وهو أول حزب وطنى فى ساحل الذهب، ورشح دنكواه منصب الأمين العام للحزب إلى كوامى نكروما. وفى عام 1947 بعد غياب 12 عامًا، عاد كوامى نكروما من إنجلترا إلى وطنه وساعد نكروما «دنكواه» فى بناء الحزب، ونظرًا لأنه كان متحدثًا لبقًا فقد نجح فى إقناع الشارع بالحزب حتى تم ترشيحه متحدثًا رسميًّا باسم حزب ساحل الذهب المتحد.
 
ونتيجة للخلاف بين نكروما ودنكواه فى الطباع لدرجة يصعب معها التوافق بينهما، انفصل نكروما عن حزب ساحل الذهب المتحد فى يونيو 1949 وأسَّس حزبه الخاص الذى استمد تأييده من الشباب.
 
وفى عام 1948 مُنع من دخول المناطق الشمالية بعد سلسلة من الاضطرابات حدثت فى شهر فبراير، وراح ضحيتها اثنا عشر شخصًا، واتهم نكروما بأنه متآمر شيوعي، وقد أعلن هو بنفسه أنه يقف ضد العمل الإيجابى، كما أوضح أن العمل الإيجابى يعنى انتهاج كل الوسائل المشروعة والدستورية التى تُمكِّن الشعب من مهاجمة كل قوى استعمار فى الدولة، وكانت الأسلحة المشروعة فى نظره هى التثقيف الشعبى السياسى والصحف والحملات التعليمية، وأخيرًا تنظيم المظاهرات والمقاطعة وعدم العنف، مقتديًا بما فعله غاندى بالهند.
 
وفى منتصف عام 1949، أسس نكروما حزب المؤتمر الشعبى لتحقيق الحكم الذاتى للبلاد، وفى أوائل 1950 اعتقل نكروما مجددًا بعد سلسلة من الإضرابات، وحُكِم عليه بالسجن ثلاث سنوات، وفاز حزبه بالانتخابات البلدية والعامة فى الانتخابات، وفاز وهو بالسجن بدائرة أكرا وبأكثرية كاسحة، فأطلق سراحه.
 
تولى نكروما قيادة دولته بصفته رئيسًا للوزراء فى فترة بين عامَى (1957- 1960)، ثم بصفته رئيسًا للدولة فى الفترة (1960- 1966)، إلى أن أُطيح به إثر انقلاب عسكرى.
 
وكان الرئيس الغانى أحد رواد فكرة الوحدة الإفريقية؛ حيث شارك فى تنظيم مؤتمر الوحدة الإفريقية عام 1945، وكانت الإجراءات التى اتخذها فور توليه رئاسة الوزراء تسعى لإسناد إدارة البلاد إلى المواطنين وترويج فكرة الاتحاد الإفريقى ومكافحة الاستعمار.
 
كما قام بتطوير البنى التحتية لدولته بزيادة إيرادات تجارة كاكاو وغيّر اسم بلاده من (ساحل الذهب) وهو الاسم الذى اختاره المستعمر لها، إلى اسمها الحالى (جمهورية غانا) فى 6 مارس 1957، على اسم الدولة التاريخية المعروفة بإمبراطورية غانا.
 
سعى الزعيم نكروما إلى تحقيق حلمه عندما دعا الدول الإفريقية المستقلة إلى اجتماع فى العاصمة الغانية أكرا عام 1958، وشارك فى الاجتماع عدد من الدول الإفريقية، منها مصر وإثيوبيا وليبيا والسودان وتونس، للبحث فى آلية لاتحاد الدول الإفريقية، وبعدها بعدة أشهر احتضنت غانا مؤتمر شعوب إفريقيا.
 
وفى عام 1959 أسَّس نكروما اتحادًا بين كل من غانا وغينيا مع الرئيس الغينى أحمد سيكوتوري، لكى يكون هذا الاتحاد نقطة البداية لاتحاد إفريقى موسع يشمل كثيرًا من الدول الإفريقية الأخرى، لكنّ عددًا من الدول الإفريقية فضَّل أن تكون هناك منظمة جامعة للدول الإفريقية، وبالفعل تأسست منظمة الوحدة الإفريقية فى الخامس والعشرين من مايو 1963 بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا.
 
وضع نكروما مجموعة من المؤلفات، منها: أتكلم عن الحرية، يجب أن تتحد إفريقيا، الاستعمار الجديد، تحدى الكونغو، وفى كتاب آخر بعنوان «غانا» تناول سيرته الذاتية.
 
6- جومو كينياتا
زعيم سياسى كينى، ناضل ضد الاستعمار البريطانى لبلاده فسُجِن فى سبيل ذلك. أصبح أول رئيس للبلاد بعد استقلالها 1963، ورأس الحزب الحاكم «الاتحاد الوطنى الإفريقى الكينى» (كانو) 1963- 1978. لقبّه الكينيون بـ«الأب المؤسس»، وخلّدوا اسمه بإطلاقه على مؤسسات عدة، منها مطار العاصمة.
 
ولد كينياتا (كان اسمه كماو) عام 1894 فى قرية كتندو بمقاطعة كيانبو فى كينيا. ويوم ميلاده غير معلوم حتى بالنسبة إليه هو، إذ وُلِد لأبوَين غير متعلمَين من عشيرة كيكويو، أكثر القبائل الكينية عددًا وأوسعها نفوذًا. غيّر اسمه إلى جومو كينياتا عام 1922.
 
توفى والده وهو صغير وتبناه عمه فترة، ثم انتقل إلى مقر بعثة الكنيسة الأسكتلندية بمنطقة ثوغوتو الكينية.
 
درس جومو كينياتا الكتاب المقدس واللغة الإنجليزية وتعلَّم النجارة فى البعثة الأسكتلندية، وعمل فترة فى منازل المستوطنين البيض بالمنطقة لدفع الرسوم الدراسية، وأكمل دراسته فى البعثة الكنسية 1912. سافر إلى موسكو لدراسة الاقتصاد لكنه لم يكملها، ودرس المرحلة الجامعية فى بريطانيا.
 
اشتغل كينياتا فى النجارة، ثم صار عاملًا فى بلدية نيروبى، وعمل فى كلية المعلمين بعد عودته من بريطانيا.
 
أصدر صحيفة شهرية باللغة المحلية لقبيلة كيكويو عام 1928، فكان سكرتيرًا عامًّا لتحريرها.
 
انتسب كينياتا عام 1922 إلى جمعية شرق إفريقيا التى كانت تسعى لاستعادة أراضى «كيكويو» التى أُعطيت للمستوطنين البيض، وبعد حلها أسس -مع أعضاء آخرين- جمعية «كيكويو»، لتحقيق نفس الأهداف، حيث عمل سكرتيرًا عامًّا لصحيفتها.
 
أرسلته الجمعية إلى لندن عام 1929، لإجراء مباحثات مع السلطات البريطانية التى رفضت مقابلته، فكتب عددًا من المقالات فى الصحف البريطانية، ونشرت صحيفة «التايمز» فى مارس 1930، مقالة له أكد فيها المطالب الأساسية التى حملها إلى لندن، محذرًا من عواقب رفضها.
 
عاد إلى كينيا بعد أن فشل فى تحقيق مطالبه عدا تطوير المؤسسات التعليمية الإفريقية، لكنه ما لبث أن سافر مجددًا إلى بريطانيا ممثلًا لجمعية كيكويو.
 
استمر كينياتا فى نضاله لتحقيق مطالب شعبه وعمل فى بريطانيا مع عديد من الأفارقة المناهضين للاستعمار.
 
عاد إلى البلاد فى سبتمبر 1946، وترأس حزب الاتحاد الإفريقي. وخلال السنوات التى تلت عودته طاف «الزعيم» طول البلاد وعرضها، لإلقاء الخطب والمحاضرات فى ضرورة التحرر من الاستعمار.
 
اعتُقِل جومو كينياتا فى 21 أكتوبر 1952 من قِبَل السلطات البريطانية، وحُكِم عليه بالسجن سبع سنوات بتهمة الانتماء إلى حركة «مواى مواى» المناهضة للاستعمار البريطانى.
 
وفى 1962 ذهب كينياتا إلى مؤتمر لانكستر فى لندن للتباحث حول استقلال كينيا، كما فاز برئاسة حزب الاتحاد الوطنى الإفريقى فى كينيا (كانو)، وشكَّل الحكومة المؤقتة فى مايو 1963.
 
تسلم كينياتا فى ديسمبر 1963 مقاليد حُكم البلاد من الحاكم البريطاني، ليصبح بذلك أول رئيس للدولة.
 
اتجه الرئيس الجديد نحو الدول الغربية وفلسفتها الرأسمالية، رافضًا كل المحاولات التى بذلها سياسيون آخرون لتبنِّى الخيار الاشتراكى وسياسة تأميم الممتلكات.
 
ألف كينياتا عدة كتب، منها: «كينيا: أرض الصراع»، و«تحدى أوهورو (الاستقلال): التقدم فى كينيا»، وسيرته الذاتية «معاناة بلا مرارة».
توفى جومو كينياتا يوم 22 أغسطس 1978 فى مدينة ممباسا الساحلية، ودفن بالعاصمة نيروبى.
 
7- ليوبولد سنجور
ولد ليوبولد سيدار سنجور، فى 9 أكتوبر 1906، ببلدة جووال الساحلية جنوب دكار، وسط عائلة ميسورة أبوها تاجر كبير، ما جعل سنجور ينشأ فى مناخ أبعد ما يكون عن واقع الشعب السنغالى.
 
تمرد سنجور على ظروف الرفاه والبذخ التى عاش فيها وتعاطف مع عالم الرعاة والمزارعين الصغار، ما جعله عرضة للعقاب من رب العائلة البرجوازية. ويقول عن نفسه فى مقدمة ديوانه «إثيوبيات»: «كان أبى يضربنى وهو يقرعنى على تسكعى الدائم، وانتهى كى يعاقبنى بإرسالى إلى مدرسة البيض، رغم معارضة أمى التى رأت أن السابعة سن مبكرة للتعليم».
 
تلقى سنجور تعليمه الابتدائى فى المدارس الكنسية الفرنسية بالسنغال. ثم انتقل بعد ذلك إلى إعدادية «ليبرمان»، وبعد حصوله على شهادة الثانوية سافر عام 1928 للدراسة فى العاصمة الفرنسية باريس، ودخل جامعة السوربون الشهيرة، فكان أول إفريقى يتخرج فى هذه الجامعة، مبرزًا فى علمَى النحو والأدب الفرنسيَّين.
 
عُرِف بعلاقته الوثيقة بالأديب والسياسى المارتنيكى الراحل إيميه سيزار، فقد عاشا سويًّا لفترة طويلة وجمعتهما ظروف الدراسة وكانا وراء إطلاق الميثاق السياسى والأدبى لحركة «الزنوجة»، التى أصبحت فى ما بعد بطاقة هوية اجتماعية وأدبية للزنوج.
 
وقد جسَّد سيزار هذه العلاقة بعبارته الشهيرة «ليس لون البشرة هو ما يوحدنا، لكن المثالية فى الحياة والتعطش إلى التحرر هما ما يجمعانا».
دافع هو وصديقه سيزار فى فرنسا عن «الزنوجة»، وتعنى اعتراف المرء بواقع كونه أسود، وقبوله بهذا الواقع وتقدير السود تاريخًا وثقافة، واعتبر سنجور أن «الزنوجة» هى: «مجموعة القيم الاقتصادية والسياسية والفكرية والمعنوية والفنية والاجتماعية لدى شعوب إفريقيا والأقليات السوداء فى أمريكا وآسيا وأوقيانيا».
 
ودخل سنغور عالم السياسة عام 1946 بانتخابه نائبًا عن السنغال فى البرلمان الفرنسى، وأعيد انتخابه فترتَين سنتَى 1951 و1956. ونال عضوية الجمعية الاستشارية فى المجلس الأوروبى، وتولَّى منصب مندوب فرنسا فى مؤتمر اليونسكو عدة مرات.
 
كان وزيرًا مستشارًا فى الحكومة الفرنسية سنة 1959، وأيَّد فيدرالية الدول الإفريقية المستقلة كنوع من «الكومنولث الفرنسية». تولى سنجور مقاليد السلطة فى السنغال بعد استقلالها، حيث انتُخب فى 5 سبتمبر 1960. وألَّف النشيد الوطنى السنغالى المعروف بـ«الأسد الأحمر».
اتسمت الحياة السياسية فى عهده بالاستقرار، وتبنى نظامًا رئاسيًّا، وكان أول رئيس فى الغرب الإفريقى يتبنى التعددية الحزبية فى العمل السياسي، حيث أعلن عام 1976 إطلاق التعددية الحزبية فى ثلاثة اتجاهات سياسية، هى: الشيوعية والليبرالية والاشتراكية.
 
وفى 31 ديسمبر 1980، أعلن تخليه عن الحكم فى ولايته الخامسة، واستقال طواعية ليحل محله الرئيس عبد ضيوف. يؤخذ عليه أنه بقى تابعًا لفرنسا، خصوصًا فى الجانب اللغوى، وأنه كان للفرنسيين دور فى إدارة البلاد أيام حكمه.
 
لكنّ مؤيديه قالوا إن استعماله اللغة الفرنسية لم يكن تبعية بقدر ما كان مقاومة بـ«أفرقة» اللغة الفرنسية بشحنها بمعانٍ ومفردات إفريقية محلية، وتجلى ذلك فى تبنيه مفهوم «الزنوجة» أو ما سماه «الخصوصية السوداء».
 
أيَّد سنجور إنشاء لجنة فرانكفونية، وانتخب نائبًا لرئيس المجلس الأعلى للناطقين باللغة الفرنسية فى عام 1982، وكان أحد مؤسسى رابطة فرنسا والبلدان النامية لأجل الاهتمام بمشكلات هذه البلدان فى العالم، حسب قول مؤسسيها. وبعد استقالته طلَّق السياسة وتفرَّغ للأدب.
 
حصد سنجور طوال مسيرته العلمية والأدبية عديدًا من الجوائز الدولية، من أهمها: الجائزة الذهبية فى الأدب الفرنسى، والجائزة الكبرى الدولية للشعر بفرنسا، والجائزة الكبرى فى الأدب الفرنسى للكتاب التى تمنحها جمعية الأدب الفرنسى.
 
وأصبح فى عام 1984 عضوًا فى الأكاديمية الفرنسية للأدب. واحتفاءً به أسّست جائزة تحمل اسم «ابن خلدون/ ليوبولد سيدار سنجور للترجمة فى العلوم الإنسانية».
 
8- جوليوس نيريرى
عاش الرئيس التنزانى السابق جوليوس نيريرى، حياة كان فى معظمها متألقًا فى عالم السياسة داخل بلاده والقارة الإفريقية التى تذكره كأحد رواد حركة تحريرها من الاستعمار فى الستينيات والسبعينيات، جنبًا إلى جنب مع كوامى نكروما فى غانا، وليوبولد سنجور فى السنغال، وكينيث كاوندا فى زامبيا وجمال عبد الناصر فى مصر.
 
اقترب نيريرى من المعسكر الشيوعى فى عز الحرب الباردة، لكنه لم يُصبح شيوعيًّا. واقترب فى الفترة نفسها من المعسكر الرأسمالى، لكنه لم يتحول نحو الرأسمالية. وفى المقابل حاول إرساء نظام «الاشتراكية الإفريقية» أو «الإفريقانية» والاعتماد على الذات الإفريقية كنظام سياسى واقتصادى. لكن هذا النظام «النيريري» أدَّى إلى تدمير البنية الاقتصادية لتنزانيا التى صارت واحدة من أفقر دول العالم فى عهده. وانتهى نظام «الاشتراكية الإفريقية» فى تنزانيا عام 1985 بتنحِّى صاحبه طوعًا عن الحُكم، لكن نيريرى لم ينتهِ. وكان استمراره رمزًا للأمة لغزًا محيّرًا، وكذلك علاقته القريبة جدًّا بشعبه الذى ظل يكن له الاحترام، فأطلق عليه لقبَى «المعلم» و«أبى الأمة» التنزانية رغم سياساته التى أوصلت هذا الشعب إلى فقر مدقع.
 
ولد جوليوس كامباراجى نيريرى، فى مارس 1922، فى بيئة قبلية فى بوتاميا، قرب بحيرة فيكتوريا. وكان والده نيريرى باريتو زعيم قبيلة صغيرة غير ذى شأن تدعى زاناكى. وكانت والدته موغايا الزوجة الثامنة عشرة للزعيم باريتو. لكن نيريرى المتمسك بالتقاليد الإفريقية الأصيلة لم يتبع تقاليد الأسرة القبلية فى الزواج، فاقترن بامرأة واحدة هى ماريا التى أنجبت له ثمانية أبناء.
 
وخلال السنوات الـ23 التى أمضاها فى السلطة، وضع نيريرى سياسة الأمة التنزانية وحده وبعقلية زعيم قرية. وكان مقتنعًا بأن قدر تنزانيا هو فى «الاشتراكية الإفريقية»، وهى عبارة عن مزيج من «الاشتراكية العلمية» و«الكوميونالية» الإفريقية. وربما كان من بين أهم الإنجازات التى حققها نيريرى على الصعيد الاجتماعى اعتماد السواحلية لغةً رسمية، واستطاع بذلك تذويب الفوارق بين أكثر من مئة قبيلة واتنية جمعتها لغة واحدة على ساحل المحيط الهندى وانتشرت فى شرق القارة ووسطها.
وبعدما قاد نيريرى وحزبه «الاتحاد الوطنى التنجانيقى» البلاد نحو الاستقلال عن بريطانيا عام 1961، تسلم منصب أول رئيس للوزراء بعد الاستقلال، ثم صار فى السنة التالية 1962، أول رئيس لتنجانيقا. تطلَّع أولًا نحو جارته جزيرة زنجبار العائمة فى المحيط الهندى، والتى كانت استقلت أيضًا عن بريطانيا عام 1963. إذ كان يخشى أن تتحول الجزيرة، التى كانت تعج بشبان درسوا أو تدربوا فى كوبا والصين، إلى دولة شيوعية. فعقد مع رئيسها عُبيد كرومى رئيس حزب الـ«آفرو- شيرازى» اتفاقًا فى 1964، قررا بموجبه توحيد تنجانيقا وزنجبار فى دولة واحدة أطلقا عليها اسم «جمهورية الاتحاد التنزانى».
 
وبعدما استقرت أوضاع دولة الاتحاد، أطلق نيريرى فى عام 1967 برنامج «إعلان أروشا» السياسى الذى ترك تأثيرات ضخمة على مستقبل بلاده. وكان خلال العشرين سنة التالية بمثابة نظرية فلسفية للأمة التنزانية تتركز على جعل البلاد عائلة واحدة وقرية واحدة، وكان طموحه السياسى أن تتشكل عائلات وقرى أخرى وتتوحَّد القارة تدريجيًّا فى إطار ما أطلق عليه «الاشتراكية الإفريقية».
 
وبدأ نيريرى فى تحقيق طموحه الإفريقى من بلده، إذ رأى فى دولة الاتحاد «الزنجبارى- التنجانيقي» نموذجًا يمكن أن ينتشر فى القارة إذا ما استُكمل بعملية اكتفاء ذاتي. فباشر فى تأميم الأراضى والمؤسسات، وأنشأ المزارع الجماعية، لكن مشروعه اصطدم بعقبات وهو فى ذروة هذه العملية. إذ لم تجد خطته حوافز كافية لدى المجتمع التقليدى التنزانى، فاتجه نحو الصين وأقام معها علاقات صداقة قوية لتمويل مشروعه وإنقاذه، وكان ذلك فى قمة الصراع بين الرأسمالية والشيوعية إبان الحرب الباردة.
 
وتسجل الإحصاءات المتاحة حتى تاريخ تنحِّى نيريرى عن السلطة انهيارًا كاملًا لخطة «أوجاما» الزراعية، نتجت عنه خسائر وصلت إلى مليارات الدولارات بين 1970 و1985. كما تداعت البنى التحتية فى البلاد، وانهارت مؤسسات الخدمات العامة. وغطى كل ذلك على كل إنجازات التنمية التى حققها نيريرى فى حقبة الستينيات.
 
فى فترة الثمانينيات، كانت الأسواق التنزانية فى 1984 شبه خالية من معظم المواد الاستهلاكية الأساسية، وكان المواطنون يصطفون فى طوابير طويلة لشراء السكر، وطوابير أخرى لشراء زيت الطهى وغير ذلك. وفى تلك الفترة كان الفساد وصل إلى الذروة. فقرر «المعلم» التنحى طواعيةً عن السلطة رغم عدم ظهور أى تحرُّك شعبى أو داخل الجيش ضده.
 
وكان نيريرى المثقف المولع بالأدب العالمى، ترجم، وهو على رأس السلطة، مسرحيتَى شكسبير «تاجر البندقية» و«يوليوس قيصر» إلى اللغة السواحلية خلال أوقات فراغه. وفى أغسطس 1984، أوجد كلمة سواحلية جديدة هى «كونغاتوغا» أى التقاعد عن العمل، وبذلك ترك العمل السياسى الرسمى. لكنه زاد على هذه الكلمة لاحقًا وقال: «أنا لم أتقاعد وإنما غيَّرت موقع قدمي». واستمر خلال السنوات الست التالية فى منصبه رئيسًا للحزب الحاكم «تشاما تشا مبيندوزي» (سى.سى.إم) أى «الحزب الثورى» الذى يُعتبر أقوى مؤسسة سياسية فى البلاد، وبقى دوره مؤثرًا فى الإدارة السياسية لتنزانيا.


أقرأ أيضا

البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...
البلد

ترامب.. استراتيجية الانتصار!

في الوقت الذي يواصل فيه الديمقراطيون التصعيد ضد ترامب، في قضية أوكرانيا، على أمل أن ينجحوا بعزله، وهي المهمة المستحيلة، التي يعملون عليها، منذ أن فاجأ ترامب أميركا والعالم، بفوزه غير المتوقع بالرئاسة، يجوب ترامب القارّة الأميركية متحدّيا.
البلد

الأكراد.. تاريخ من الدم وحاضر من الفشل

عندما بدأت تركيا في التاسع من أكتوبر الماضي غزوًا وعدوانًا واحتلالًا عسكريًّا على مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطي (قسد) في شمال شرقي سوريا، ادَّعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن الهدف من هجومه هو تدمير "ممر الإرهاب" على الحدود الجنوبية لتركيا، غير أن كل الدلائل السياسية، التي سبقت العدوان العسكري التركي ضد قوات سوريا الديمقراطية، كانت تشير إلى هذه النهاية المأساوية لهذه القوات...
البلد

الجوكر وباتمان.. فن صناعة الشر

آرثر فليك، نموذج للمواطن الأمريكي الفقير المهمش الذي يحاول أن يجد له موضع قدم ولقمة عيش وسط مجتمع رأسمالي ساحق للفقراء بالعمل كمهرج أجير في النهار؛ أملًا منه في أن يكون فنان "ستاند أب كوميدي" في المساء.