نحن أكبر خطر على أمريكا.. إذا فشلنا لن يقع اللوم على الصين وروسيا وإيران

توماس فريدمان



نحن أكبر خطر على أمريكا.. إذا فشلنا لن يقع اللوم على الصين وروسيا وإيران



 

ترجمة: أميرة جبر عن «نيويورك تايمز».

 

إذا فشلنا لن يقع اللوم على الصين وروسيا وإيران.

بالقرب من نهاية المناظرة الرئاسية الديمقراطية يوم الأربعاء الماضى، سأل تشاك تود المرشحين ما وصفه بـ«السؤال البسيط» فى «كلمة واحدة» مَن أو ما أكبر خطر جيوسياسى على أمريكا اليوم؟
وبتأمُّل تلك اللحظة، سألت نفسى ماذا كانت ستكون إجابتى. ولم أستغرق وقتًا طويلًا لأقرر، فهى ليست الصين أو روسيا أو إيران بل نحن، لقد أصبحنا أكبر خطر على أنفسنا.

 

لن تسقطنا الصين أو روسيا أو إيران ولا حتى «رجل كوريا الشمالية الصاروخى الصغير»، فنحن فقط القادرون على إسقاط أنفسنا.
نحن فقط القادرون على ضمان عدم تحقق الحلم الأمريكى، ذلك الوعد الذى وعدنا به أنفسنا بأن الجميع سيبلى أفضل من آبائه، وهذا لأننا فشلنا فى التكيف مع عصر التغيرات متزايدة التسارع فى التكنولوجيا والأسواق والمناخ وأماكن العمل والتعليم.

 

وهذا سيحدث بالتأكيد لو لم نتوقف عن التعامل مع السياسة على أنها ترفيه، ولو لم نتخلص من رئيس يقوض يوميًّا الحقيقة والثقة -وهما الدافعان التوأمان المطلوب أن يتعاونا ويتكيفا سويًّا، ولو لم نمنع أقصى اليسار من الدفع بالديمقراطيين إلى الهاوية بأفكار متهورة، مثل محو التفرقة الجنائية بين أولئك الذين يدخلون أمريكا بشكل قانونى وأولئك الذين يدخلونها بشكل غير قانونى، ولو فشلنا فى تشكيل ما وصفه المحلل السياسى ديفيد روثكوبف فى مقال أخير على موقع «ديلى بيست» بـ«أغلبية أمريكية جديدة».
 

تلك هى الأغلبية التى لا تستطيع الفوز فى الانتخابات القادمة فحسب بل تستطيع فعليًّا أن تحكم فى صباح اليوم التالى، تلك التى تمكننا من القيام بأمور صعبة كبرى، لأن لدينا كثيرًا من الأمور الصعبة الكبرى فى حاجة إلى أن يتم تناولها، والتكيفات الصعبة الكبرى لا يمكن القيام بها سريعًا إلا سويًّا.
 

هل يبدو ذلك سذاجة؟ لا، فالسذاجة هى الاعتقاد بأننا سنكون على ما يُرام لو استمررنا فى تجاهل التحديات الكبرى التى تقابلنا، ولو استمررنا فى تبادل الأدوار بين حزب يحكم وآخر يعيق، وهو أمر نتيجته عدم بناء أى تكيفات كبرى مدروسة طويلة الأمد.
 

وقطعًا، هذه اللحظة تذكرنى بشىء قاله عقيد المارينز المتقاعد مارك ميكليبى، فى كتاب شارك فى تأليفه عام 2011، بعنوان «كنا كذلك.. كيف تراجعت أمريكا فى عالم اخترعته وكيف نستطيع العودة»..
 

إذ قال: «لم نواجه فى أى وقت فى تاريخنا تحديات وطنية بتعقيد وأجل طويل كتلك التى نوجهها اليوم». غير أنه قال إن أبرز صفات سياستنا فى المرحلة الأخيرة هو عدم قدرتنا «على التصدى بشكل متماسك وفعال لمشكلات واضحة قبل أن تتحول إلى أزمات.. فإذا كنا لا نستطيع حتى إجراء مناقشة عاقلة، كيف سنلبِّى الوعد المنصوص عليه فى ديباجة دستورنا والتزامنا تجاهه فى (تأمين نِعم الحرية لنا ولأجيالنا القادمة)؟». حقًّا، كيف؟
 

وفى ما يلى مجرد بعض التحديات المقبلة:
أولًا، إذا حصلنا على 4 سنوات أخرى مع ترامب، على الأرجح سنخسر أية فرصة للحفاظ على ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية 1,5 درجة مئوية فقط بدلًا من 2–، وحسب العلماء هذا هو الفارق بين إمكانية التعامل مع التقلبات الجوية المتطرفة المتصلة بالمناخ التى بات لا مفر منها وبين تجنُّب تلك التى لا يمكن التعامل معها.

 

ثانيًا، كما أشار مؤخرًا مؤسس صندوق «بريدج ووتر» الاستثمارى راى داليو، فإن «زيادة دخل أغلب الأفراد قليلة أو لا توجد زيادة حقيقية لعقود.. إن العاملين فى مقتبل العمر من الـ60٪ الأقل دخلًا لم يحصلوا على زيادة حقيقية (أى المعدلة بعد التضخم) فى الدخل منذ عام 1980». وفى الإطار نفسه، فـ«قد تضاعفت دخول صفوة الـ10٪ وزادت دخول صفوة الـ1٪ ثلاثة أضعاف. وقد تراجعت نسبة الأطفال الذين يكبرون ليتكسبوا أكثر من آبائهم من 90٪ عام 1970 إلى 50٪ اليوم، وهذا بالنسبة إلى الشعب بأكمله، أما أولئك المنتمين إلى الـ60٪ الأقل دخلًا فأوضاعهم أسوأ».
ومن المؤكد أن الغضب من ذلك أحد الأمور التى دفعت بترامب إلى المنصب، ولو لم نتعامل معها لربما دفعت بشخص أسوأ فى المستقبل، مثل دونالد ترامب الابن.

 

ثالثًا، ستعيد السنوات الأربع القادمة تعريف العلاقات بين أكبر اقتصادَين فى العالم -الولايات المتحدة والصين- فإما ستقنع الولايات المتحدة الصين بالتخلِّى عن ممارستها التجارية المسيئة التى تبنتها لتنتقل من بلد فقير إلى بلد ذى دخل متوسط ومن مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج لها، وإما سنتوجه إلى عالم منقسم بحائط برلين رقمى جديد. فسيكون هناك إنترنت ومجال تكنولوجى تسيطر عليهما الصين ونسخ أمريكية، وسيكون على جميع البلاد الأخرى أى منهما تنضم إليه، وستتصدع العولمة التى قدمت كثيرًا من السلام والرخاء على مدى السبعين عامًا الماضية.
 

رابعًا، تدفع التكنولوجيا الشبكات الاجتماعية والأدوات السيبرانية بشكل أعمق وأعمق فى حياتنا وخصوصيتنا وسياستنا، كما أن إضفاء الطابع الديمقراطى على تلك الأدوات يسهل عمليات «التزييف العميق» (deep-fakes)، الأمر الذى يسمح لعدد أكبر كثيرًا من الناس بالنيل من الحقيقة والثقة. غير أن الفجوة بين السرعة التى تتعمق بها تلك التكنولوجيات وقدرة سياستنا التناظرية على تطوير القواعد والمعايير والقوانين التى تحكمها تتسع ولا تضيق. لابد من غلق الفجوة، للحفاظ على ديمقراطيتنا.
 

خامسًا، أماكن العمل اليوم يميزها واقع طاغٍ واحد جديد كما تقول هيذر ماكجوان، الخبيرة فى مستقبل العمل: «تتزايد سرعة التغيير فى نفس ذات الوقت الذى تطول فيه الحياة المهنية».
 

تشرح ماكجوان أنه عندما طورت المحركات البخارية الفعالة فى القرن الثامن عشر كان متوسط العمر المتوقع 37 عامًا، وكان البخار هو القوة الدافعة فى الصناعة والأعمال التجارية لنحو 100 عام. وعندما سخرت المحركات الاحتراقية والكهرباء فى منتصف القرن التاسع عشر كان متوسط العمر المتوقع 40، وسيطرت تلك التكنولوجيات على أماكن العام لقرن آخر.
 

وتشير ماكجوان إلى أنه فى الحالتَين «كان لديك أجيال عديدة استوعبت تغيُّرًا واحدًا كبيرًا فى مكان العمل».
 

وتقول ماكجوان إنه فى العصر المعلوماتى الرقمى الحالى «لديك تغيُّرات عديدة فى طبيعة العمل داخل جيل واحد»، الأمر الذى يزيد بشدة الحاجة إلى التعلُّم مدى الحياة، وتؤكد: «كان النموذج القديم هو أن تتعلم مرة واحدة حتى تتمكن من العمل، والآن أصبح يجب أن تعمل من أجل أن تتعلم باستمرار». وبالتالى، ننتقل من نموذج «تعلم، اعمل، تقاعد» إلى نموذج «تعلم، اعمل، تعلم، اعمل، تعلم، اعمل».
 

وفى عالم من هذا النوع، يجب أن ينص العقد الاجتماعى الجديد على أن تضمن الحكومة توافر شبكات الحماية وجميع الأدوات للتعلم مدى الحياة لجميع الأمريكيين، ويبقى لكل مواطن أن يستخدمها. وتخلص ماكجوان إلى أن اللحظة الراهنة «غير معنية بمَن نلوم أو ما نستعيده أو نتخلص منه، بل معنية بكيف نخلق صفقة جديدة تحث الأمريكيين على (اتخاذ خطوات أكبر)»، كما قال الرئيس جون إف. كنيدى، عندما كان يسعى لتمويل الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء «ناسا». غير أن كثيرًا من تلك الخطوات سيكون على عاتقك لأغلب حياتك.
 

ومن حسن الحظ، أظهرت لنا الانتخابات النصفية أن هناك إمكانية لأغلبية أمريكية جديدة من الممكن تجميعها لمقابلة تلك التحديات. ففى نهاية المطاف، الناخبون المستقلون ونساء الضواحى والجمهوريون الوسطيون -الذين حولوا أصواتهم إلى الديمقراطيين من شدة فزعهم من كذب ترامب وقوميته ذات المسحة العنصرية وانقساميته- هم مَن مكنوا الديمقراطيين من استعادة مجلس النواب. وتلك الشراكة ذاتها قد تطيح بترامب.
وإذا استطاع الديمقراطيون اختيار مرشح يخاطب تحدياتنا الوشيكة، لكن لا يقول أشياءً غير مسؤولة عن الهجرة أو يعِد بأشياء مجانية لا نستطيع تحمل تكلفتها، مرشح يحدد طرقًا جديدة للعمل مع قطاع الأعمال وتنشيط صانعى الوظائف، مرشح يتعامل بكرامة مع الطبقة العاملة البيضاء الخائفة التى تخلَّت عن الديمقراطيين لصالح ترامب، مرشح يدرك أن قطاعًا كبيرًا جدًّا من الأمريكيين قلق من أننا على شفا حرب أهلية سياسية وبحاجة إلى شخص يجمعنا.. أعتقد أنه (أو أنها) سيجد أغلبية أمريكية جديدة فى انتظار أن يجمعها ويمكنها.

 


 

توماس فريدمان
صحفى وكاتب أمريكى، فاز بجائزة «بوليتزر» 3 مرات عن تغطيته من لبنان عام 1983 وتغطيته من إسرائيل عام 1988 وللتعليق عام 2002، يكتب عمودًا متخصصًا فى الشؤون الخارجية بجريدة «نيويورك تايمز» كل أحد وأربعاء.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...