من محمد أبو سويلم إلى لاعبى المنتخب: لأننا ما كُناش رجالة.. وما وقفناش وقفة رجالة

خالد كساب



من محمد أبو سويلم إلى لاعبى المنتخب: لأننا ما كُناش رجالة.. وما وقفناش وقفة رجالة



«لا تأخذها على محمل الجد»، قالها ميلان كونديرا عن الحياة فى روايته «حفلة التفاهة»، وقُلناها منذ نحو عام عن مشاركة منتخبنا الوطنى الهزيلة فى كأس العالم، تلك المشاركة المخزية. ولكننا عُدنا اليومين دول، ووجدنا أنفسنا مضطرين إلى قولها مرة أخرى عقب ضبط الواحد منَّا لنفسه متلبسًا بالحزن عقب المباراة، قبل أن يستفيق من أحلامه الساذجة، ويعلو فوق تلك المندبة التى رأيناها على الشاشات -والتى لاحظ فيها الجميع فجأة فساد اتحاد الكرة وفساد المنظومة الرياضية وفشل أجيرى وروعة كوبر وعدم استحقاق لاعبى المنتخب ارتداء تيشيرت المنتخب الوطنى- ويهوى من سماء الحماقة إلى أرض الحقيقة، ليكتشف أنه لا أحد من هؤلاء؛ سواء لعّيبة أو مدرب أو اتحاد كرة، كان يستحق شرف فرصة تمثيل البلد التى حصل عليها. ولأنه بالمفارقة تتضح الأمور، فحتى التمثيل المشرف الذى كُنا لا نجيد سواه فى جميع المندبات -جمع مندبة- السابقة، لم نعُد نجيده، وأنه خلاص، ماكينة الفَكَاكَة شَحَّرِت، وموتور الفهلوة جاب جاز، وحتى خدعة التمثيل المشرف لم نعد نستطيع جعلها تنطلى على الجماهير، بعد أن باتت منفتحة على الكرة اللى بجد، واللعيبة اللى بجد، والروح اللى بجد. وهكذا دارت الأيام، ومرت الأيام، ما بين سهاد وخصام، وأرادت السماء أن تقدم لنا عِبرة، فاحتفلت معنا فى ذكرى مرور عام على مهزلة شكلنا فى كأس العالم، بمهزلة جديدة.. مهزلة شكلنا فى كأس أمم إفريقيا؛ لنتأكد جميعًا أنه «لا تأخذها على محمل الجد»، سواء الحياة أو المشاركات الهزيلة لمنتخبنا الهزيل فى البطولات المحترمة، التى يدرك جيدًا جميع مَن يشاركون فيها مدى ما حصلوا عليه من شرف، بينما لاعبونا لا يدركون.
 
لهذا، نترككم الآن مع هذا المشهد المدبلج من فيلم «الأرض»، والذى دار عقب انتهاء المباراة، بعد أن اجتمع رجال القرية -وعلى رأسهم الشيخ حسونة بذات نفسه- فى منزل محمد أبو سويلم؛ لمناقشة ما دار فى المباراة.
 
يقف محمد أبو سويلم مستندًا إلى الشباك الطينى بيده..
 
محمد أبو سويلم:
بكرة كل لعيب محترف يقبض القرشين بتوعه..
وياخد لُه إجازة أسبوعين.. ويرجع بلده..
واحنا اللى اتشحططنا وشجَّعنا.. خدنا إيه؟!
ما حَدِّش مكوِى فى البلد دى إلا اللى مرمِى فيها..
 
الشيخ حسونة:
طب ما انا سايب بيتى وولادى وجيت شُفت الماتش معاكم اهو..
 
محمد أبو سويلم:
بعد إيه.. بعد إيه يا شيخ حسونة..
 
الشيخ حسونة:
يا سيدى لما دعا الداعى جيت..
ما احنا كل الماتشات شُفناها مع بعض..
اتخلّيت عنكو عمرى.. دا احنا فى كاس العالم 90.....
 
محمد أبو سويلم:
أيوه ايوه ايوه..
شجعنا سوا فى كاس العالم 90..
مشينا فى المظاهرات يوم ما اتعادلنا مع هولندا..
نزلنا الشوارع نهتف باسم مجدى عبد الغنى..
لا زعلنا ولا حسّينا بالإهانة..
ليه؟! عشان كنا رجالة ووقفنا وقفة رجالة..
 
وفى أمم إفريقيا 98..
شجعنا مرة تانية مع محمود الجوهرى باشا..
روحنا بوركينا فاسو.. استحملنا الحَر..
حَلَقنا شعرنا زَلَبَطَّة زى حسام حسن..
وغلبنا جنوب إفريقيا فى النهائى..
لأننا كنا رجالة.. ووقفنا وقفة رجالة..
 
وفى 2006..
قالوا لنا لأ.. المدرب الوطنى مش حيجيب بطولات كل مرة..
عايزين مدرب أجنبى..
شِلنا روحنا على كفوفنا..
ووقفنا كلنا ورا المعلم حسن شحاتة..
لما كان النهائى متعلَّق على شعرة..
وبينا وبين الكاس ضربات الجزاء الترجيحية..
ما خُفناش..
هجمنا بصدورنا.. صدّينا لهم ضربتَين جزاء..
 
وكانت النتيجة إيه؟
غلبنا كوت ديفوار وخَدنا الكاس..
ليه؟! لأننا كنا رجالة ووقفنا وقفة رجالة..
 
وفى 2008..
غلبنا الكاميرون فى النهائى.. وخَدنا الكاس تانى..
لأننا كنا رجالة ووقفنا وقفة رجالة..
 
«بأسى» وبعدين..
دلوقت بقينا فين؟! كل واحد راح لحاله..
كل واحد شق طريقه.. كل واحد افتكر نفسه ونسى الباقيين..
صلاح بقى بين الإعلان والإعلان.. بيعمل إعلان..
ووردة.. يا عينى على وردة..
النت هلك صحته.. وبهدله وبهدلنا معاه..
وتريزيجيه.. عمل له إعلان هو راخر..
والننى غير تسريحته وفك الراستا وشال شعره..
وانا.. وانا إيه..
أنا فضلت كافى خيرى شرِّى.. فضلت عايش..
باشجَّع وانا ساكت وصابر..
عايش على أيام زمان..
على أمل ناخد أى بطولة فى أى حاجة..
تنفخ فى صدورنا عشان نِصحى من جديد..
 
«بانفعال» نِصحى من جديد..
لكن فين.. فين أيام زمان.. أيام زمان اللى ما تتعوَّضش..
كان عندنا مروءة..
كان عندنا قلب.. كنا رجالة..
كانت اللعيبة بتلعب عشان مصر..
مش عشان تعلِّى سعرها فى العقد الجاى..
أو تعمل لها إعلان جديد..
وادِى النتيجة اللى وصلنا لها دلوقت..
قاعدين نتكلم ونشكى ونولول ونندب زى النسوان..
اللى يقول بكرة تتعدَّل..
واللى يقول الصبر طيب..
بقينا عايشين فى كلام.. نايمين فى كلام..
كل حياتنا بقِت كلام فى كلام فى كلام..
 
يبتسم الشيخ حسونة.. يخلع تيشيرت المنتخب الذى يرتديه فوق الجلابية.. ويرميه على المصطبة بجواره.. يتحرك باتجاه محمد أبو سويلم.. يضع يده على كتفه..
 
الشيخ حسونة:
آه يا راجل يا عجوز انت.. والله وقدرت تهزِّنى زى زمان..
وفكَّرتنى بأيام ما كُنا لسه بناخد بطولات..
معلش يا راجل يا أصيل.. أنا يمكن الدنيا غلبتنى
وخلّتنى اتحدف واجيب إريال أرضى عشان أعرف اتفرَّج على «تايم سبورت»..
آل يعنى خلاص.. واخدين البطولة واخدينها..
سامحنى.. بس حنعمل إيه دلوقت؟!
أنا عمال أقلّبها فى دماغى يمين وشمال ومش لاقى لها حل..
 
الشيخ يوسف:
أيام شبابنا لا كُنا بنقلِّبها ولا بنحسبها..
 
الشيخ حسونة:
ولا دلوقت كمان.. اسمع يابو سويلم.. أنا حافضل معاك هنا..
أنا قاعد.. ورجلى على رجلك..
ومطرح ما ترسى..
 
عبد الهادى:
«وهو يقف» يبقى نرمى حديد الزُراعية فى الترعة..
 
أبو سويلم:
عفارم عليك يا عبد الهادى..
 


أقرأ أيضا

البلد

حينما تضحك التراجيديا

نكتة مدينة جوثام الدامية، ضحكة كبيرة مرسومة بالدم، القمامة تملأ الشوارع، السلالم تصعد إلى ما لا نهاية، العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء. الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".
البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...