«قصة حب».. كثير من «الفيديو كليب» وقليل من السينما

أحمد وفيق



«قصة حب».. كثير من «الفيديو كليب» وقليل من السينما



موعد طرح الفيلم بدور العرض جاء فى عيد الحب، واسمه «قصة حب»، والملصق الدعائى له يحمل صورة البطلَين وعلى ملامحهما كل علامات الحب.. إذن نحن لسنا بحاجة إلى أحد يحكى لنا قصة الفيلم حتى نعرف أنه يتحدث عن الحب والمحبين، أى أننا أمام عدد من أهل السينما قرروا أن يقدموا لنا فيلمًا رومانسيًّا مع سبق الإصرار والترصد. وهذا أمر -بمفرده- ما كان يجب أن يجعلنى أدخل قاعة العرض وأنا أتوقع أن أشاهد فيلمًا رومانسيًّا يقوم فى أساسه على شخصيات لديها دوافع تقودها عواطفها، ويغلف أحداثه نوع من التمرد على الواقع والمجتمع متسلحًا بالحب.. ما كان يجب أن يحدث ذلك حتى لا يسقط سقف توقعاتى على رأسى عندما أجدنى أشاهد فيلمًا ظن أصحابه أن الرومانسية هى استدرار الدموع من أعين الجمهور من خلال تشكيلة من «المُحن» و«الصعبانيات».

 

«قصة حب» نشأت بين «يوسف» (أحمد حاتم) الشاب الذى يفقد بصره بشكل مؤقت بعد تعرضه لحادثة، و«جميلة» (هنا الزاهد) الفتاة التى كانت تعمل مرشدة سياحية وتتفرغ الآن لرعاية الأطفال فى إحدى دور الأيتام. وبعد مصادفة جمعت بينهما تبدأ علاقة حب تتطور سريعًا لدى «يوسف» بسبب ما وجد من اهتمام «جميلة» به، وتمر بمراحل مختلفة بعضها حلو والآخر غير ذلك.
 

الدرس الأول، والأهم، الذى يمكن أن يخبرك به أى سيناريست أو أديب عن كيفية خلق شخصية درامية مؤثرة ومقنعة للمتلقى هو امتلاك هذه الشخصية دوافع قوية ومنطقية، تبرر تصرفاتها حتى لو لم نتفق معها أو نستحسنها. أما تضمُّن عمل درامى شخصية لا نفهم لماذا يأتى سلوكها بهذه الصورة فسيكون فى أحسن الأحوال «حدوتة» للأطفال نسليهم بها قبل النوم.. وهذا ما ينطبق تمامًا على قصة فيلم «قصة حب».
 

فهل يعرف عثمان أبو لبن، مخرج الفيلم، أو أمانى التونسى، كاتبة السيناريو، لماذا كانت تتصرف «جميلة» طوال الأحداث بطريقة غير مبررة أو ظاهرة الدوافع؟ سواء فى وقوعها فى حب شاب لا تعلم عنه أو عن حياته شيئًا تقريبًا، ولم نرَه يبذل أى مجهود من أجل الوصول إلى قلبها، اللهم إلا إذا كانت «الإفيهات» ثقيلة الدم التى يلقيها باستمرار قد سحرتها وملكت عليها مشاعرها!
 

وبالمثل أتحدى أحدهما أن يقول إن المئة دقيقة، زمن الفيلم، جاء بها تفسير لرفض «جميلة» حب «خالد» (مؤمن نور)، الطبيب المعالج لها، أو تفسير لتمسُّك «خالد» بها على الرغم من معرفته بحبها ليوسف! بالطبع أنا لا أنتظر إجابات من المخرج أو الكاتبة، ليس فقط لأن أى شرح أو تبرير سيكون مجرد تصورات فى عقليهما لا وجود لها فى أحداث الفيلم، لكن أيضًا بسبب إمكانية استنباط تفسير من الشكل العام لـ«قصة حب»، الذى يمكننا أن نخمن كيف كان الجو المسيطر على مرحلة ما قبل تصويره، والذى بالتأكيد كان يتمثل فى مباراة بين صُناع العمل فى وضع مشاهد وخطوط درامية «بتجيب مع الجمهور»، بعيدًا عن درجة تماسكها أو مدى إحكام حبكتها. هنا فقط يصبح مفهومًا لدينا أن علاقة «جميلة» و«خالد» كانت بهذه الصورة، لأن الجمهور -أغلبه من المراهقين بالطبع- يتأثر كثيرًا إذا وجد علاقة حب من طرف واحد، يرضى فيها أحدهما أن يبقى بجوار محبوبه، الذى لا ولن يحبه، مكتفيًا بمحاولة إسعاده. كذلك يصبح مفهومًا أن «جميلة» أحبَّت «يوسف» بهذه القوة، لأن الجمهور ينبهر عندما يشاهد فتاة حسناء تقع فى حب شاب ظروفه سيئة، ويرى ذلك قمة الرومانسية التى خلقها الله. وفى السياق نفسه سوف ندرك أهمية مشهد سقوط «يوسف» فى حمام السباحة وقفز «جميلة» إليه، وقيمة مشهد مقابلة «جميلة» و«خالد» بما يوحى بوجود علاقة عاطفية بينهما.. فالأول مهم، لأنه «بيجيب مُحن» والثانى ذو قيمة لأنه «بيعمل صعبانيات» لدى المشاهدين.
 

وهذا بالضبط ما يجعلنى أرى فى «قصة حب» كثيرًا من الفيديو كليب وقليلًا من السينما، لأن طريقة بناء عمل درامى بسياسة «حط دى أصلها هتجيب مع الجمهور» هى طريقة تتماشى تمامًا مع إنتاج فيديو كليب لأغنية رومانسية أو حزينة، حيث لن ينتظر منك أحد وجود دوافع منطقية لدى الشخصيات، أو تفسير وضع مشاهد لا تفيد تصاعد القصة وتعقيدها.. فقط سيتم تقييمك إذا نجحت فى مداعبة عواطف المشاهدين والتأثير فيهم حد البكاء، كما فعلت خلطة عثمان أبو لبن وأمانى التونسى المسماة «قصة حب».



أقرأ أيضا

دماغ

رسالة إلى سعيد مهران: العالم الآن.. للأشرار الكبار فقط

الله يرحمك يا سعيد، فأنت غلبان وضحية ومجنى عليه، لهذا كان لابد أن تموت. ودعنى أختم رسالتى لك بكلماتك التى قُلتها للقاضى فى أثناء حلمك بمشهد محاكمتك: «لو دورتوا.. حتلاقوا كل اللى عندهم قلب مجانين».
يرحمكم الله

كلب الخليفة المقتول

فى أواخر شهر أكتوبر 2019، أُزيح الستار عن أحد أبرز المشاهد دلالةً فى تاريخ الإسلام السياسى، فقد استقبل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، فى البيت الأبيض، الكلب الذى شارك فى عملية قتل الخليفة الداعشى أبى بكر البغدادى...
البلد

الأكثر تأثيرًا عام 2019.. اخترنا لكم من قائمة «تايم 100»

فى عام 2016، كان الوضع فى إثيوبيا غايةً فى السوء، كانت الناس تُقتل وكان كثيرون فى السجن، وأردت أن يعرف العالم ما تقوم به الحكومة. لذلك، رفعت يدَىّ أعلى رأسى فى علامة «X» فى أثناء عبورى خط نهاية ماراثون 2016 فى أوليمبياد ريو، وهذا للتدليل على أن الشعب الإثيوبى يريد أن يوقف القتل والسجن، فنحن لا نريد ديكتاتورية.
البلد

عرب 2019.. ما الذي يجمع هذه الشخصيات الـ12؟

وجوه جديدة فى السلطة بتونس والسودان، ووجوه أخرى تغادر المسرح فى لبنان والعراق، فى حين ينتظر الجزائريون حسم السباق الرئاسى لخلافة عبد العزيز بوتفليقة. وجوه ثالثة تترك المشهد بالقوة، تمامًا كما دخلته بالقوة، مثل أبى بكر البغدادى.
البلد

عرب 2019.. بين النفوذ الإيرانى والأطماع التركية.. حراك شعبى يفاجئ الجميع

بين سندان النفوذ الإيرانى ومطرقة الأطماع التركية، شهدت شوارع عواصم عربية حراكـًا شعبيًّا فرض كلمته فى نهاية المطاف، وانتخابات رئاسية أفرزت وجوهـًا جديدة، وصراعات سياسية ثقيلة مرشحة لأن تطل برأسها فى عام 2020. كانت رياح التغيير قوية، فى حين وجدت الاضطرابات طريقها إلى مدن وعواصم عربية مختلفة. فى المقابل، أثبتت الاحتجاجات القوية فى العراق ولبنان أن النفوذ الإيرانى فى العواصم التى كان يتباهى بالسيطرة على مفاصل القرار فيها، صار مهددًا إلى حد كبير.  
فن

ضحكات الجوكر فى مواجهة عنف «سكورسيزى»!

خطف جوكر فيلم المخرج «تود فيليبس» الأضواء من أغلب أفلام العام، وهو فيلم تجارى ميزته الأكبر هى أداء «واكين فينكس»، وقد نجح تجاريًّا فى دخول نادى المليارات، وعلى مستوى الدراما يصور الفيلم بدايات شخصية الجوكر، أكبر أعداء «باتمان»، وعلى عكس التوقعات لم تكن أحداث الفيلم مغامرات قاتل ميت القلب، يضع ماكياج مهرج...
يرحمكم الله

الإسلام السياسى فى 2019 وحصاد المر

اتسم عام 2019 بالازدواجية، فهو عام الهزيمة والانتصار للإسلام السياسى، عام الموت لقيادات تاريخية وعام ميلاد قيادات أخرى. حصاد مربك ومرتبك، لا تملك اعتباره عام هزيمة الإسلام السياسى، لأن تنظيم الدولة انهزم ورحل من سوريا والعراق، ففى أسابيع كانت قوات «داعش» تتدفق على مالى وأفغانستان.
فن

مسلسل العام.. «ثلاثة عشر سببًا» للانتحار.. ما السر وراء أكثر مسلسلات «نتفليكس» مشاهدةً فى مصر والعالم العربى؟

يبدأ هذا المسلسل المثير للجدل ببداية «واقعية» غير مسبوقة ربما فى تاريخ الأعمال الدرامية. إذ يظهر الأبطال من المراهقين بشخصياتهم الحقيقية فى مشهد «تحذيرى» صريح يمتد إلى خمسين ثانية، قائلين إن المسلسل هو «من وحى الخيال»، لكنه يعالج مسائل واقعية صعبة، مثل قضايا الاعتداء الجنسى وتعاطى المخدرات و«الانتحار»، وما هو أكثر من ذلك، متمنين أن يساعد المسلسل المشاهدين بالبدء فى الحديث عن مشكلاتهم.