مسلسل صراع الأجيال.. وهم أم حقيقة؟

طارق أبو السعد



مسلسل صراع الأجيال.. وهم أم حقيقة؟



هل يعانى مجتمعنا المصرى صراع أجيال؟ أم يعانى انسدادًا فى الحوار؟ أم يعانى تشبث كل طرف بسلطته القليدية؟

 
السينما عبَّرت عن هذه الأزمة كثيرًا، لكنى اخترت فيلم «أبى فوق الشجرة»، ففى بداية الفيلم يدور حوار بين الفنان الأب (عماد حمدى)، والابن عادل (عبد الحليم حافظ)، حول المقارنة بين جيله وجيل الشباب الطائش الذى مثَّله عبد الحليم حافظ الذى يرد بأن الزمن تغيَّر وأن «أيامنا مختلفة عن أيامكم يا بابا».
 
وفى حوار ثانٍ بين البطل عادل «عبد الحليم حافظ» وصديق والده، الذى يستضيفه فى الإسكندرية، يدور حوار ملخصه أن كل جيل يرى الجيل التالى له أكثر حظًّا وأكثر متعةً، وفى الوقت نفسه هو أقل رجولة وأقل قيمة وأقل صبرًا وأقل تحملًا للمسؤولية. والعكس صحيح، فكل جيل حالى يرى الجيل السابق له أكثر انغلاقًا وأكثر تسلطًا ومش فاهم الجيل الحالى، يرفض الشاب النصيحة باعتبار أن الجيل الحالى يملك حلولًا جديدة، لم يكن يعرفها الجيل السابق، وينتهى الحوار بأن يقول الرجل الوقور لزوجته: «هذا الولد ممتاز، لكن أفكاره مش عجبانى»، وترد الزوجة المحترمة باستنكار: «أنا عارفة شبان اليومين دول كلامهم عامل كده ليه؟!».
 
هنا مربط الفرس «شبان اليومين دول»، كلنا يعلم أن هذا الفيلم رواية لإحسان عبد القدوس، وأنه أُنتج فى 1968 وعُرض فى 1969، ولو افترضنا أن هذا الشاب فى الفيلم يمثل جيله، الذى كان وقتها فى العشرينات، ما يعنى أن نفس الشاب هو اليوم فى السبعين من عمره. الآن وقد ومرَّت بهم التجارب وتبدلت المواقف والمواقع، ومَن كان يطالب بأن يحصل على حريته فى حل مشكلاته بنفسه، هل استمر على قناعاته، وسيسمح للجيل التالى، وليكن ابنه، بأن يحل مشكلاته بمفرده؟ لقد تبدَّلت الأدوار، مَن كانوا شبابًا صاروا الآن شيوخًا ومَن كانوا يتمردون على سلطة الآباء صاروا هم السلطة، ومَن كانوا يتندرون على كلمات الآباء ونصائحهم، هاهم يتلقون النكات على طريقة حياتهم من الجيل الذى يليهم!
 
المفارقة أن هذه هى سُنة الحياة، لا يوجد جيل يستمر بنفس الخصائص، بل توجد مرحلة تظهر فيها علامات التمرد والرغبة فى كسر الحواجز والقيود والتحرر، وفور الحصول عليها ينتقل من مرحلة إلى أخرى، هى مرحلة المسؤولية، فيدرك أن حريته مسؤولية وأن رغباته غير مطلقة وأن عليه واجبات تجاه نفسه وأسرته وعمله، ولو تزوج فالمسؤولية تكون أمام زوجته وأسرة زوجته، ولو أنجب تزداد المسؤوليات.. وهكذا إلى أن يشب ولده فيواجهه بما كان يواجه به هو أباه، مَن منّا لم يرَ فى أبيه دقَّة قديمة؟! مَن منا لم يرَ أن القواعد والأصول التى يعنفه أبوه عليها إذا خرقها هى قواعد بالية من أيام الهكسوس؟! مَن منَّا لم يقسم أنه لو أنجب لن يعامل أبناءه كما عامله أبوه؟! مَن منّا لم يضبط نفسه وهو يتقمَّص دور أبيه بالضبط، ويكتشف أنه لم يخلع جلباب أبيه؟! مَن منَّا لم يرَ تمرده فى شبابه فى تمرد ابنه عليه؟! خطوة بخطوة والقدم بالقدم.
 
لا يوجد صراع أجيال بالمعنى الدارج، لكن يوجد تدافع للأفكار والأساليب، توجد سلطة وسلطة ناشئة تريد أن تتحرر من قيود السلطة العتيقة، هنا تنشأ الأزمة والمشكلة ما بين السلطتَين، الأب بما يمثله من تاريخ وخبرات ورمزية والأبناء بما يمثلونه من مستقبل وفكر وحداثة، هذه هى الأزمة ولا أقول الصراع، فالصراع يجب أن ينتصر فيه طرف على آخر، لكن أقول إنها أزمة عندما لا يدرك أصحاب السلطة التقليدية مكونات السلطة الناشئة، ولا قدراتها، ويحاول أن يثبت وجوده باجترار التاريخ ومعاركه التى انتصر فيها، لعله يعيد بريق حكاياته إلى الأبناء، هذه الأزمة يمكن أن تمر بسلام، فقط لو أدرك كل طرف أن طبيعة الأشياء هى الإحلال والتجديد، فبالحكمة يمكن أن تحل السلطة الناشئة مكان السلطة التقليدية بالتدريج، بأن تسمح القوى التقليدية «الأب» بمساحة لممارسة السلطة، القوى الناشئة، «الأبناء»، وهذا يحتاج إلى تدريب كبير وثقة فى النفس عالية، لكن للأسف نعيش فى زمن كل شىء تحول فيه إلى صراع، كرة القدم صراع وليست تنافسًا، مشاهدة المباريات سباب وليست متابعة، حتى الأفلام أصبح لكل بطل ألتراس يدافع عن أخطائه، وفى السياسة حدّث ولا حرج، وفى الثقافة يسيطر الآباء على ذوق الأبناء، وعلى الجوائز وعلى الموضوعات التى يتناولونها، ويسخرون من طرق الكتابة الجديدة. والصحافة ليست بعيدة عن هذه الحالة، ولعلِّى أتذكر أن المرحوم أحمد خالد توفيق، الطبيب الشهير والكاتب الذى كان يكتب للشباب، ولم يكن يعرفه أساطين الأدب ولا الناشرون ولا صفوة المثقفين، هو فقط تخلص من سلطانهم عليه، وخرج من دائرة الأزمة التى بين الجيلَين، وانشغل بمَن يكتب لهم، ولمّا مات ونعاه الشباب بحرارة، كانت صفعة فى وجه قوى الثقافة التقليدية التى أعلن كثير منها أنه لا يعرف مَن هو أحمد خالد توفيق.. يا سادة يا كرام لا تصنعوا صراعًا بل أدركوا طبيعة الزمن كى تريحوا وتستريحوا، والله أعلم.


أقرأ أيضا

البلد

حينما تضحك التراجيديا

نكتة مدينة جوثام الدامية، ضحكة كبيرة مرسومة بالدم، القمامة تملأ الشوارع، السلالم تصعد إلى ما لا نهاية، العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء. الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".
البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...