جو الأمريكى العادى.. بايدن يقدم استعادة للقيم التى تربطنا كمجموعة

ديفيد بروكس



جو الأمريكى العادى.. بايدن يقدم استعادة للقيم التى تربطنا كمجموعة



 

ترجمة: أميرة جبر عن «واشنطن بوست»

 

عاش والد جو بايدن حياة الترف فى شبابه، يخوت وسيارات سريعة ومباريات البولو، إلا أن ثرواته نفدت منه بفضل بضع اتفاقيات تجارية سيئة.

وفى النهاية، حصل على وظيفة لإدارة معرض بيع سيارات، لكن فى حفل المكتب بالكريسماس قرر المالك صرف مكافآت بجلب سلة ممتلئة بدولارات فضية وألقى بمحتوياتها فى حلبة الرقص، الأمر الذى دفع الموظفين إلى الزحف على ركبهم وراء الغنيمة.
 

وقف جو بايدن الأب وزوجته فورًا ورحل عن تلك الوظيفة. وعلى الرغم من وضعه اليائس، لم يتمكن من العمل لدى شخص لا يحترم كرامة الناس. وهذه هى الحقيقة الأولى عن جو بايدن الابن، أنه يأتى من عائلة تحترم المبادئ، ولقد أنشأ هو وزوجته عائلة تحترم المبادئ. وكانت تغطية حملاته الرئاسية السابقة بمثابة تغطية لقاء عائلى مستمر لآل بايدن.
فى بعض الأحيان، كان عدد أفراد عائلة بايدن فى التجمعات الانتخابية أكبر من عدد الناخبين.

 

وإحدى السمات المميزة لآل بايدن هى الشفافية العاطفية، فدائمًا ما تعلم شعورهم. ومن السمات الأخرى أنهم يعاملون الجميع بنفس الطريقة. لقد قضى جون بايدن حياته كلها تقريبًا فى مجلس الشيوخ أو كنائب للرئيس، لكن لا يستطيع أحد بإنصاف اتهامه بالتكبُّر أو التعالى. فالناس بالغريزة ينادونه بـ«جو»، جو العادى.
 

قد يدَّعى آخرون أنهم شعبويون فى سياساتهم، ولأنهم «يمينيون» فى ذلك يسمح لهم بازدراء أولئك الأقل ثقافة، أما بايدن فهو شعبوى فى شخصيته وتكوينه، من حيث يأتى وكيف يتعامل.
 

لم ينشأ بايدن وَفق مسار أدلاى ستيفنسون لتاريخ الديمقراطيين والذى يعرف نفسه بالتعليم، بل نشأ وَفق مسار هارى ترومان الذى يعرف نفسه بالآداب والولاء الشخصى والجانب العملى الخاصة بالطبقة المتوسطة.
كيف حافظ على مكانة جو العادى، الإنسان العادى؟ لديه حاجة ماسة إلى التواصل مع الناس، كل الناس، بغض النظر عن مكانتهم الاجتماعية.
وفى بعض الأحيان يزيد تعطُّشه للتواصل عن حدوده، ففى عام ١٩٧٤ أجرى مقابلة مع كيتى كيلى من مجلة «واشنطن»، أدهشت كثيرين من فرط صراحتها، إذ تضمَّنت كل أنواع الحديث غير اللائق عن جسم زوجته الراحلة وراتبه وطموحه الخاص وامرأة قد يبدأ مواعدتها. ولقد جعلته الحياة ونيابته للرئاسة أكثر انضباطًا، إلا أنه لا تزال لديه غريزة الترابط هذه.

 

كما أى إنسان عادى نتيجة المعاناة -المعاناة التى تساوى بين الجميع- لقد فقد زوجته الأولى وابنته فى حادث مرورى قبل أن يقسم اليمين الدستورى انضمامًا إلى مجلس الشيوخ.. كتب لاحقًا: «أستطيع أن أتذكر بوضوح بعد وفاة زوجتى عدم قدرتى على فتح باب الخزانة فى الحجرة التى تشاركنا فيها، كنت أتذكر أَلَم شم رائحتها على وسادتها والنظر إلى البقعة الخالية على حوض الحمام، حيث كانت تضع فرشاة أسنانها».
وبعد عشرات السنين، فقد ابنه بو للسرطان، وقراءة كتابه عن تلك الفترة «عدنى يا أبى»، يمتصك فى مأساة. فنحن نعانى للوصول إلى الحكمة، ولقد عانى بايدن حتى وصل إلى مستوى من الحساسية تجاه آلام الآخرين، وإدراك لكيف يشعرون وما ينبغى أن يُقال.

 

ذات يوم فى عام ٢٠١٤، عندما كان نائبًا للرئيس، مثَّل الإدارة فى جنازة لرفايال راموس، وهو شرطى من نيويورك أُعدم هو وزميله لمجرد أنه شرطى. كان موقفًا متوترًا، فقد كان العنف الشرطى فى مقدمة السياسة الوطنية، وكان على بايدن الاحتفاء بأولئك الذين يخدمون وفى بعض الأحيان يقدمون أرواحهم حمايةً لنا.
 

واخترق بايدن «المواقف» الأيديولوجية بتبنى عدسة شخصانية بتأكيد محنة الأفراد المعنيين أنفسهم.
 

فى بروكلين، زار عائلة زميل راموس وينجيان ليو، وجلس مع أرمة ليو سانى، وقدم لها نصيحة قُدِّمت له من قبل: قبل أن تخلدى إلى النوم أعطى درجة عاطفية لليوم من ١ إلى ١٠، وبعد ٦ أشهر ضعيها فى رسم بيانى، وستجدين أن الأيام الحاصلة على ١ فقط ستصبح أقل وأن الأيام الأفضل ستزداد، وذات مرة سيأتى يوم تتذكرين فيه حبيبك بابتسامة لا بدمعة.
 

أعطى بايدن لـ«سانى» رقمه الخاص، وخلال الزيارة تأرجح والد ليو، الذى كان يتحدث القليل من الإنجليزية، إلى جوار بايدن وتشبث به، قائلًا: «أشكرك، أشكرك».
 

وستظهر مسألة الشخصية فى هذه الانتخابات بمختلف الطرق القوية وتحت الأرض. لقد فقدنا حبنا لأنفسنا كشعب وإيماننا بطيبتنا الأساسية، وكان فقدان هذا الإيمان صدمة. فالكثير من الناخبين يريدون تربية أبنائهم فى مناخ يتسم بالآداب والتعاطف لا الوحشية النرجسية. إن القيم محورية فى هذا السباق.
 

وهذا هو المختلف قليلًا فى بايدن، فهو لا يؤمن بالفردانية، بل إنه عضو ينتمى إلى عائلته ومدينته سكرانتون وحزبه الديمقراطى ومجلس شيوخه وأمته، ولا يمكن فهمه دون تلك الجذور. لقد استخدم كلمة «نحن» ١٦ مرة فى الفيديو القصير الذى أعلن فيه ترشُّحه.
 

سيخوض بعض المرشحين السباق بوعود بتغيير تحويلى، أما بايدن فهو يقدم استعادة للقيم التى تربطنا كمجموعة.
 


 

ديفيد بروكس
معلق سياسى وثقافى محافظ، يكتب عمودًا فى جريدة «نيويورك تايمز»، ويشارك بالتعلق فى الساعة الإخبارية على قناة «بى بى إس».

 



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.