الانحلال والفساد ليسا فى الغرب بل فى إهدار العقل وإعلاء الخرافة

محمد داود



الانحلال والفساد ليسا فى الغرب بل فى إهدار العقل وإعلاء الخرافة



مكونات الموقف الرجعى من الغرب عديدة ومتكاملة فى مركب أساسه النفسى حقد الفاشل الدينى على الناجح العقلى، هذا فضلًا عن سمات مثل التناقض والفصامية، والنقص والاستعلاء، والانتهازية. ويكمن هذا المركب خلف ظواهر مثل ما يوصف بعقدة الخواجة، وإشكالية الأصالة والمعاصرة، وصراع العمامة والقبعة، وله تجليات بكل مستوى حتى الثقافة الشعبية؛ يقول العقل الرجعى من أفواه جداتنا: «لهم المال والجمال ولنا الجنة»، ويميل إلى تضخيم إخفاقات الغرب وربما اختلاقها، والانتقاص من حضارته، وشيطنته، وتحميله ما أمكن من المسؤولية عن مشكلاتنا، بأغراض عديدة منها الانتصار السلبى للرجعية الدينية، وتحصينها وتبرئتها من إحداث مفاسد الواقع، ربما لأن الغرب القريب منا جغرافيًّا، المختلف المتفوق، تمثيل حى للقيم التى تعاديها الرجعية الدينية. وهذا نقد لبعض مكونات الموقف الرجعى من الغرب:

 

1- مصر جزء من كيان رجعى يعاديه الغرب
الإدراك الرجعى لمصر أنها جزء من كيان خاص مقابل باقى الجماعات البشرية. هذا الكيان يمثل سيطرة إمبراطورية غابرة باسم الدين، كانت آخر تجلياتها الخلافة العثمانية التى انتهت فى 1924، وتحلم الرجعية الدينية باستعادتها. هذا قد يفسر العلاقة الحارة بين الإخوان وتركيا «العثمانية» حاليًّا، وقول أحد مرشديهم: «طظ فى مصر».
 
ورغم تنوع الأطياف الرجعية، فإنها تتفق على استلاب مصر لصالح الكيان الرجعى الذى زال وجوده رسميًّا، لكنّ له وجودًا مقنَّعًا وفاعلاً بمسميات، مثل: الأمة الإسلامية أو العربية، وبلاد «وديار» المسلمين، ودولة الإسلام، حسب المقام والقائل. يتضح سخف ذلك بتصور وجود كيان أو شىء اسمه ديار أو بلاد المسيحيين مثلًا. تقوم مواقف العقل الرجعى على الانتماء إلى الكيان الرجعى، سواء احتلت مصر فيه موقع التبعية أو تورطت فى موقع قيادى تزيد تبعاته وتكاليفه على فوائده، لهذا مثلًا هناك شعور دائم بالمسؤولية عما يحدث بكل أجزاء الكيان الرجعى، مهما كنا لا ناقة لنا فيه ولا نعجة، من البوسنة والشيشان حتى بورما وزنجبار، حيث تثور تشنجات الاشتعال العاطفى ليس لأجل الإنسان والإنسانية، ولكن انتماء إلى الكيان الرجعى.
 
وتفاعلات الجماعات البشرية متراوحة بين التأثير والتأثر والصراع والتعاون. المصلحة تحكم. ويفرض العقل الرجعى أوهامه الماضوية على واقع معاصر مختلف. الغرب نطاق حضارى واحد، لكنه سياسيًّا مكون من دول قد ينشأ بينها الصراع لدرجة الحرب. العقل الأوروبى نسبى، مثلًا العداوة الدموية فى الماضى القريب لم تمنع التعاون الفرنسى- الألمانى حاليًّا. أما لدينا فالمنطق -وبالأحرى اللا منطق- الرجعى يؤبد العداوة فوق شروط الواقع، يعتبر الغرب كيانًا موحدًا مثل الكيان الرجعى وعدوًّا أبديًّا له، كما يتعامى عن الصراعات بين دول الكيان الرجعى؛ لهذا مثلًا نسمع دائمًا الندب والعويل أن «العرب» اتفقوا على أن لا يتفقوا. وكلمة «العرب» هنا إشارة إلى الكيان الرجعى.
 
2- الغرب الاستعمارى- الصليبى
شمل الاستعمار الأوروبى الحديث كثيرًا من البلاد، لم يتوجه نحو بلاد الكيان الرجعى فقط، ولم يكن بشعارات دينية كالحروب الصليبية التى سبقها ببضعة قرون غزو جيوش شبه الجزيرة العربية لبلاد -منها مصر- كانت تحت سيطرة غربية متمثلة أساسًا فى الإمبراطورية البيزنطية. تجاوز العقل الأوروبى لحد كبير هذه المرحلة التى تجمَّد فيها العقل الرجعى فاعتبر الغرب تمثيلًا للمختلف الدينى المستحق للكراهية، لأنه مختلف أساسًا ليس لأنه محتل، لهذا قاوم الحملة الفرنسية بشراسة وطردها فى ثلاث سنوات، وطرد المحتل الإنجليزى بعد نحو 70 عامًا، وتقبل الاحتلال «ويُقال الفتح» العثمانى الذى دام قرونًا حتى تحلل ذاتيًّا، وما زال الغرب يوصف «ويوصم» رجعيًّا بالعلمانى والصليبى فى آن واحد.
 
وللمقارنة، تعرَّض اليهود للاضطهاد فى الغرب، فما هو موقفهم الآن من الحضارة الغربية؟! استغلت الرجعية الدينية كراهية الاحتلال الاستعمارى، وجعلته سببًا فى تخلفنا الذى جلبته هى، والهدف صرفنا عن الاحتلال الأكبر للعقل بمفاهيمها منتهية الصلاحية، بل هناك مَن رأى فيها الملاذ بمسمى الأصالة. والواقع أن التخلف هو الذى جلب الاحتلال الأجنبى والاستعمار.
 
3- الغرب موطن الفسق والفجور والانحلال
تعبر قيم الحضارة الغربية عن تطور عقلى يقدر حقوق الإنسان، ويعلى من الفردية والحريات بما فيها الحرية الجنسية، وتعجز الرجعية الدينية عن إدراك منظومة القيم الغربية التى تقف خلف إطلاق قدرات الإنسان. قصارى التصورات الرجعية اعتبار الحرية الجنسية من قبيل الانحلال، والزعم أن الخلاعة والمجون و«الفاحشة» منتشرة فى الغرب كماخور مفتوح، وأنه بهذا يعيش فى فساد أخلاقى، ووراء ذلك فضلًا عن اختزال مفهوم الأخلاق فى السلوك الجنسى، انحطاط تصورات الرجعية الدينية حول الجنس وما تنتهى إليه من الكبت والهوس تكاملًا مع سمات رجعية أخرى، مثل الكذب والتدليس، وآلية الإسقاط فى الدفاع النفسى.
 
والانحلال حقًّا، الفساد الأخلاقى حقًّا، هو فى إهدار الوقت وقيمة العمل والإنسان والحياة الدنيا، الغرور، البوار. الانحلال هو إهدار العقل، وإعلاء الخرافة وغير ذلك من ظواهر الرجعية الدينية التى تقيم سواتر وقائية حول تصوراتها بشأن الجنس، منها وصم الغرب بالانحلال.
 
4- تعاسة الإنسان فى الحضارة الغربية
معروف من الرجعية بالضرورة انتشار الأمراض النفسية كالاكتئاب والانتحار والجريمة والخواء الروحى والتعاسة فى الغرب المادى الذى تفسَّخت فيه العلاقات الاجتماعية. والمراد بمفهوم المخالفة أننا ليست عندنا تلك الأشياء بفضل من الرجعية الدينية ونعمة، وأن حَمَلة العقل الرجعى يعيشون فى سعادة وانبساط ونعنشة، ونحن غارقون فى الروحانيات الرجعية التى انعكست إيجابيًّا على واقعنا الملىء بالمسرات.
 
ولم تُقِم الحضارة الغربية المجتمع المثالى الخالى من العيوب، ولا يبدو ذلك فى المتناول القريب، المشكلة الإنسانية معقدة، والمسيرة البشرية مستمرة. لكن لا شك فى ارتفاع جودة الحياة فى الغرب بدليل حركة الهجرة إليه من المجتمعات التى تهيمن عليها الرجعية الدينية، وتقارير الأمم المتحدة وإحصاءاتها تؤكد أن دول الغرب -كثير منها بين الدول الأكثر لا دينية كالبلاد الإسكندنافية واليابان- هى الأفضل فى العالم، والعكس هو ما نعيشه تحت وطأة الهيمنة الدينية الرجعية بنعمها التى لا تحصى، ومنها ضعف القدرة على مكاشفة الذات وافتقاد الذهن الرياضى ومن ثَمَّ افتقاد إحصاءات معلنة وموثوق بها. وبصرف النظر عن غياب الإحصائيات، فالانتحار مثلًا فى واقعنا كثير للغاية وأقرب للدلالة على «الخواء الروحى»، وضعف الرعاية الصحية خصوصًا لمرضى الاكتئاب الذى هو مرض إنسانى عابر للثقافات ويقف وراء معظم حالات الانتحار، وأقرب إلى المعقول أن الانتحار فى الغرب دال أكثر على قلق وجودى يوازى تطور العقل والضمير، بينما قد يدفع العقل الرجعى إلى انتحار مراهقة نتيجة ضغوط مثل تزويجها من شخص لا تريده، وقلما تجد بين حملة العقل الرجعى منتحرًا لأنه مهندس فشل فى تصميم معمارى، أو وزير قصَّر فى أداء واجباته، أو سائق قطار أدى إهماله إلى مقتل عشرات الأشخاص.
 
5- الغرب جميل جميل الغرب
بعد كل ما سبق، وفصاميًّا، أنتج الرجعى بطبعه من فم الشيخ محمد عبده كليشيه: «رأيت فى أوروبا إسلامًا بلا مسلمين، وفى بلادنا مسلمون بلا إسلام». هذه المقولة من الأغذية المفضلة للعقل الرجعى، وتُظهر نظرة اختزالية تصادر التجربة الحضارية الغربية، تتجاهل بشريتها وفعل العقل وتعتبر قيمها مثل تقدير الوقت، واحترام العمل وحقوق الإنسان والمرأة بما فيها المساواة والحريات، تعتبر هذه القيم دينية رجعية! كأنما لا حضارة -حتى لدى آخر مختلف- إلا من خلال منظومة القيم الدينية الرجعية المعبرة عن نسخة من الدين أساسها ماضى شبه جزيرة العرب، ويكأن تقدم الغرب ليس إلا نموذجًا لتطبيق مبادئ ذلك الماضى المقدس. هذا ومن المعروف علميًّا أن كل شر وفساد فى الواقع الرجعى «ليس من ماضى شبه الجزيرة العربية فى شىء». والعقل «الرجعى بطبعه» الذى يتغنى بهذا الكليشيه يرفض نقاش المساواة بين الذكر والأنثى فى الميراث، أحد أبسط القيم التى توصلت إليها الحضارة الغربية.
 
6- إشادة كتاب ومفكرى الغرب بالإسلام ونبيه
يردد العقل الرجعى متفاخرًا مقولات منسوبة إلى أعلام غربيين تمتدح الإسلام ونبيه، حيث كثير منها محرَّف، ومنتزع من سياقه، وربما مختلق، كالزعم بقول برنارد شو: «لو أن محمدًا عاد إلى الحياة لحل مشكلات العالم وهو يشرب فنجانًا من القهوة». وعادة يوصف مقدمو تلك الثناءات بالمنصفين. ويطلق حملة الرجعى بطبعه آهات الطرب وزفراته عندما يسمعون هذه المدائح، هكذا مثلًا كان الاحتفاء كبيرًا بكتاب مثل «الخالدون مئة أعظمهم محمد»، لدرجة دعوة مؤلفه إلى احتفالية فى المولد النبوى، وتقديم «جائزة» له، مع الخلط «والتدليس» بين قوميته اليهودية وعقيدته اللا دينية.
 
وفى سياق الحداثة الأوروبية، قاوم مفكروها المنظومة القيمية المسيحية بطرق عديدة، منها تمجيد الإرث الحضارى اليونانى «الوثنى»، والاحتفاء بالجسد المحاصر بالخطيئة كنسيًّا، ونقد رجال الدين فى كتابات مثل «الديكاميرون» و«حكايات كانتربرى»، والكتابة باللغات المحلية دون اللاتينية لغة الكنيسة كما فعل دانتى فى «الكوميديا الإلهية». فى السياق نفسه أثنى البعض على الأديان الأخرى أو انتقدوها بمنطق: «الكلام لك يا جارة»؛ فولتير مثلًا الذى مدح الإسلام ورسوله، فعل العكس أيضًا، وله فى ذلك مسرحية شهيرة، فى الحالتَين كان يستهدف الرجعية الدينية فى بلاده وزمانه.
 


أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.