رجل الدين المسلم والمسيحى إيد واحدة فى خنق الأصولية والقمع

روبير الفارس



 رجل الدين المسلم والمسيحى إيد واحدة فى خنق الأصولية والقمع



ما الذى يجمع رجال الدين فى مصر، مسلمين وأقباطًا، فكريًّا؟ سؤال قد يرى فيه البعض تجنّيًا على طرف دون الآخر، خصوصًا أن الإسلام يتباهى فيه الكثيرون بأنه بلا كهنوت ولا سلطة، فى حين أننى أجد أنه لا فرق بين طبقة الأزهر والكنيسة لا فى حضور المراسم فقط ومواسم تقبيل اللحى بل فى السلطان الكبير والتقديس المتاح لهما فى المجتمع، رغم أن للإنسان مكانة كبيرة جدًّا فى الفكر الروحى المسيحى، بعيدًا عن السلطة والتسلُّط -خصوصًا سلطة الكهنوت- لذلك نجد أن آباء الرهبنة المؤسسين رفضوا تمامًا أن يحصلوا على درجات كهنوتية وحافظوا على الفصل التام بين الرهبنة كحركة علمانية بحتة والكهنوت كطبقة كنسية خاصة، وفى ظل هذا الفصل الرائع تجد كنوزًا من التأملات المستنيرة التى تكرّم الإنسان وتحتفى به، لدرجة أن يقول أحد الآباء الرهبان «إن نفسًا واحدة مخلوقة على صورة الله هى أثمن أمام خالقها من عشرة آلاف من الكواكب بكل محتوياتها»، بل يذهب القديس باخوميوس مؤسس رهبنة الشركة -أى التى تقوم على العيش والعمل المشترك بين الرهبان فى الأديرة- أبعد وأجرأ من ذلك، فيقول ردًّا على شخص يبحث عن رؤيا عظيمة بأن يرى الله اللا مرئى فى هيكله الذى هو الإنسان المرئى، ويعبر الكتاب المقدس عن هذا الحب فى صورة متجسدة تثير الدهشة والعجب ولها رنين خاص عند الاستماع إليها، وهى اللذة، فيقول على لسان الله «لذاتى مع بنى آدم» فهل هناك حب أعظم من هذا، إنسان مخلوق على صورة الله ومحبوب منه، وهذه الصورة وهذا الحب يتجليان فى عدة عناصر أجدها ضد الأصولية التى تتعارض مع روح المسيحية الحقَّة شكلاً ومضمونًا.

 

فالعنصر الأول الناجم عن خلق الله للإنسان على صورته هو الحرية، والله يكرر على سمعه كل يوم فى سفر التثنية الإصحاح 30 العدد 19 «قد جعلت أمامك الحياة والموت البركة واللعنة فاختر»، وأهم ما وهب السيد المسيح للإنسان الحرية، تذكر الأناجيل أن هناك كثيرين من تلاميذه ومَن كانوا يسيرون خلفه تركوه وأعطاهم الحرية فى ذلك.

 

يثمّن الله حرية الإنسان وينتظر ردّه بل ويقدّره، ويتضح ذلك عندما أبلغ الملاك المبشر جبرائيل العذراء مريم باختيار الله لها ليحل عليها الروح القدس وتحبل وتلد، وهنا لا يكتفى الملاك بإبلاغها الرسالة الإلهية بل ينتظر إجابتها الإرادية التى تكفل حريتها حتى ترد قائلة «ها أنا أمة للرب ليكن لى كقولك»، هذا كان يعنى أن فى إمكانها أن ترفض؟ فهى ليست مجرد أداة سلبية وإجابتها تقدير لقيمة الحرية لدى الإنسان، هذه القيمة العظمى التى يحاول البعض بالتفسير الحرفى لآيات الكتاب وبالسلطان الكهنوتى أن ينتزع منه هذه الحرية بخلق أصولية تتحكم فى أدق تصرفاته وتحذف من تعليمه هذه الأفكار المستنيرة وتعاليم الآباء الأولى، بل والقواعد التى وضعتها الكنيسة لضبط هذه السلطات، فالسيد المسيح جاء ليقلّب السلطات السائدة فى العالم، حيث قال «من أراد أن يكون سيدًا يكون خادمًا للكل، ومَن أراد أن يكون أولاً فليكن الأخير»، والكاهن الأرثوذكسى قبل أن يبدأ صلاته يطلب من الشعب أن يسامحه، قائلاً فى وسط الكنيسة وبصوت مرتفع «أخطأت يا أولاد المسيح سامحونى» -هذه من التعاليم غير المتداولة- حيث يمكن لأى من الموجودين فى الكنيسة من الشعب العادى أن يعلن صراحة أنه لا يسامح رجل الدين، سواء أكان كاهنًا أو أسقفًا أو حتى البطريرك، فيمنعه تمامًا عن الصلاة؟! أى أن السلطان هنا متبادل وليس أمرًا فى يد الكاهن بمفرده كما هو شائع! كذلك يحتل الشعب مكانًا أساسيًّا فى صلوات الكنيسة، ولكن المشكلة التى تعطى السلطات الكهنوتية سلطات أكبر هى تفشّى الجهل، خصوصًا انتشار الوعظ التلقينى وانحسار دور الأقباط فى الاستماع فقط على عكس الشكل القديم لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية التى أسسها مارمرقس الرسول، حيث كانت المدرسة قائمة على طريقة السؤال والجواب وحرية أن تتساءل، أى أن تعمل عقلك وتناقش بلا أى حدود، ولعل التميُّز الظاهر فى إصدارات وكتابات دير القديس أبو مقار بوادى النطرون ومدرسته الآبائية واللاهوتية ناتج عن كونه وريث عقل وأسلوب مدرسة الإسكندرية التى نقلت إليه، وهذه الحرية الفكرية الكبيرة التى أنتجت ثمارًا عميقة لا تجد للأسف إقبالاً شعبيًّا، حيث انتشر الجهل والسلفية والغيبيات والدروشة والخرافة، وهى الأركان الأساسية الداعمة للأصولية فى مجتمع متخلّف.

 

لا ينمو ولا يكتفى بإنتاج الخرافة بل البحث عنها والارتماء فى أحضانها أينما وجدت، الأمر الذى جعل الإصدارات التنويرية لدير «أبو مقار» فى شبه عزلة وتحت قصف المنع والمصادرة -منع معرض الكتاب القبطى الماضى عرض كتب الأب متى المسكين من إصدارات الدير- وعندما عجز البابا شنودة عن الرد على فكر الأب متى فى كتابه «بدع حديثة» استعان بالفكر الإسلامى لكى يتهمه بالشرك بالله؟! وفى السياق نفسه لا نجد منعًا لكتب تروّج لغياب العقل، مثل كتاب «قديسون ادّعوا الجنون» أو سلسلة كتب المعجزات (صدق ولابد أن تصدق)، وغيرها الكثير، وهى كتب رخيصة الثمن والقيمة التى تجعل من اللجوء إلى القديس الحل لكل العُقد والمشكلات والأمراض، الأمر الذى يجعل الأقباط يهربون نفسيًّا من مواجهة مشكلات الحياة والدخول فى صراع معها، للحصول على حقوقهم بالتواكل والكسل فى الوقت الذى قال فيه السيد المسيح «كونوا حكماء» والوصية واضحة «اختبروا الأرواح وميّزوا»، وأيضًا «فتّشوا الكتب لأنكم لا تظنون أن لكم فيها حياة أبدية»، أما أقسى مظاهر الأصولية فتظهر فى امتهان المرأة التى كرمتها المسيحية لأقصى درجة ووضعتها فى مكانة عالية للدرجة التى قال عنها قديمًا القديس غريغوريوس النزينزى: «كل مَن لا يحب النساء يكره الكنيسة، ومَن يحتقر المرأة يحتقر الكنيسة»، لتصبح الأصولية بكل صورها ومظاهرها مسيطرة على مصر بعد سيادة الفكر الذكورى البدوى الذى تضافر بالتقاء الرهبان الذين اندمجوا فى سلطة الكهنوت وقاحلة الصحراء مع القادمين من صحراء الجزيرة، فقد أنتجت البيئة الصحراوية لتلك العقليتين الأصولية المسيحية ومظاهرها، لتصبح المرأة رمزًا للنجاسة، ومنعتها من التقدم للتناول من الأسرار المقدسة فى أثناء الدورة الشهرية رغم أن المسيح لم يمنع نازفة الدم من لمسه، بل شفاها، وحذفت الكنيسة من كتاب تعاليم الرسل الفصل الذى يعطى المرأة هذا الحق ويرفع عنها صفة النجاسة، وبهذا التوافق الفكرى بين رهبان الصحارى وبدو الصحارى احتقرت المرأة وتحول التعليم إلى تلقين وسادت الخرافة وانتشر التفسير الحرفى -رغم أن الكتاب يقول إن الحرف يقتل- وتم تقديس رجل الدين ووقع المنع والحرمان على المختلف، فأصبح الواقع الفكرى والثقافى والعلمى المعاش متردّيًا ما بين أغلبية تسيطر عليها الخرافة والجهل وطبقة نصف متعلمة سماعية تتجاذبها أرجوحة التطرف والإلحاد وأقلية تحمل مشاعل التنوير ولا تجد منفذًا للدخول من حوائط الأسمنت المقامة حول المصريين المتحدين فى أصولية خانقة.



أقرأ أيضا

البلد

السعودية وحماية الملاحة البحرية

يطلق علماء النفس على بعض اللحظات المهمة والتاريخية " الوقت القيم "، بمعنى أنه الوقت الذي تعظم فيه الاستفادة من الأحداث الجارية، وبما يخدم التوجهات الاستراتيجية للدول والمؤسسات وحتى للأفراد.
البلد

المستقبل الروسي.. ملامح وتحديات

مرّت روسيا الاتحادية بمراحل صعبة، سياسياً واقتصادياً، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وفقدت خلال عقد من الزمن سمتها وهيبتها ومكانتها الدولية، وغرقت داخلياً في مجموعة من المشكلات الاجتماعية والثقافية...
البلد

الشخصيات المثيرة للجدل.. أراجوزات و"بتوع تلات ورقات" أم مهذبون ساخرون مثيرون للضحك؟

كثر في الآونة الأخيرة إطلاق لفظ "شخصية مثيرة للجدل" على شخصيات تتصدر المشهد السياسي والاجتماعي وتحدث صخبًا وضجيجًا وربما نفورًا واشمئزازًا..
البلد

هل ثمة توافق أميركي- إيراني يلوح في الأفق؟

على سيرة الحديث عن إمكان عقد لقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني، وضع كثيرون أيديهم على قلوبهم خشية تفاهمات قادمة، يخرج الخليج -والسعودية تحديدا- منها خالي الوفاض، "إيد ورا، وإيد قدام" على رأي المصريين.
البلد

موعد نهاية الرئيس أردوغان

خاصم الرئيس التركي أكثر مما صاحب، لا في صعوده السياسي، ولا في استحواذه على مؤسسات الدولة، ولا في علاقاته مع الدول الاستراتيجية في المنطقة، وجاء يوم يشهد فيه بدء تفرق الناس من حوله، وتراجع اقتصاد بلاده، ولا يد عربية أو أوروبية ممدودة للمساعدة.
البلد

المخدرات الحديثة «فيروسات العصر».. كيف تعرف الأسرة أن ابنها مدمن؟ وماذا تفعل بعد ذلك؟

خطر جديد يجتاح العالم بأسره ويتسلل متخفيًا إلى عقول الشباب وأجسادهم ويشكل وباءً جديدًا دون أن ينتبه إليه الناس.. تلك هي المخدرات الحديثة والتي تم استنساخها من المخدرات التقليدية وتصنيعها في مصانع ومعامل غير مرخصة لتتكاثر وتتوالد بعضها مع بعض بشكل سرطاني.
تأملات

نهاية الأسرة.. هل يوجد حل سحري يردع تسلط الآباء ويمنع تمرد الأبناء؟

في ظل التحولات الجنسية (الجندرية) التي تتسارع في هذا العالم سعياً لصناعة أنماط جديدة من (الأسرة)، تتكاثر الانتقادات التي تبلغ مبلغ الشتيمة أحياناً، للمجتمع الأبوي، باعتباره نمطاً أسرياً ماضوياً ينبغي دفنه وتجاوزه بلا رجعه.
البلد

د.بكري عساس يكتب: مصر تتحدث عن نفسها

من لندن إلى القاهرة في زيارة مع الأهل خلال إجازة عيد الأضحى المبارك، لمدة أربعة أيام؛ حيث تم ترتيب برنامج الزيارة بأن يكون اليوم الأول مخصصًا لزيارة متحف مقياس مستوى مياه النيل خلال موسم الفيضان السنوي في حي المنيل بالقاهرة