‫كل الأديان تؤدِّى إلى الله

عصام الزهيري



‫كل الأديان تؤدِّى إلى الله



يُحكى أن رجلًا كان يعبد الإله «شيفا»، لكنه كان يبغض كل الآلهة الأخرى، وفى أحد الأيام ظهر له «شيفا» وقال له: «لن أكون مسرورًا منك ما دمت تبغض الآلهة الأخرى»، لكنه كان رجلًا عنيدًا لا يلين. وظهر له شيفا مرة ثانية بعد بضعة أيام، وقال له: «لن أكون مسرورًا منك أبدًا ما دمت تبغض»، وبقى الرجل صامتًا. وبعد عدة أيام ظهر له شيفا مرة أخرى ولكن فى صورة هارى- هار، أى كان جانب منه فى صورة شيفا، والجانب الثانى فى صورة فيشنو. كان الرجل نصف مسرور ونصف حزين، فقام بوضع ما كان يريد أن يهبه على الجانب الآخر الذى يمثل شيفا، ولم يضع شيئًا على الجانب الذى يمثل فيشنو. فقال شيفا: «إن تكبرك لا يلين، وما أردته أنا من الظهور بجانبَين اثنين، كان محاولة لإقناعك بأن جميع الآلهة والإلهات إنما هم جوانب متعددة لبراهما مطلق واحد».

 

هذه الحكاية المنقولة من تراث القديس الهندوسى «راما كريشنا» تدل دلالة حية على المنحى التوحيدى الحاضر فى أكثر العقائد التى يعدها المؤمنون التوحيديون شركًا وتعددًا للآلهة، وأقصد هنا بالذات أكثر العقائد التى لا تزال حيَّة ويعدها الذهن التوحيدى مغرقة فى الشرك بالله وتعدد الآلهة، إذ اعتاد الهندوس القول إن آلهتهم تبلغ 330 مليونًا، دون أن يعنى ذلك أنهم يؤمنون أن بالكون مئات الملايين من الآلهة التى تستحق عبادتها من دون الله الخالق الواحد الأحد، والقرآن يضم هذا المبدأ المنطقى العقلى البديهى الذى يستحيل أن يغيب عن عقل بشر أيًّا كان فى آية صريحة تقول: «ولو كان فيها آلهة غير الله لفسدتا» «الأنبياء: 22».
ولابد أن الحكاية الرمزية السابقة من تراث القديس الهندوسى تذكرنا كذلك بقوله تعالى: «وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‫» «الأنعام- 108». وهى واحدة من الآيات التى حيَّرت المفسرين القدماء وتلوَّنت أساليبهم فى تفسيرها بألوان مختلفة، لا بأس من أن نستعرضها قبل أن نصل إلى ما انتبه إليه بعض المفسرين، وما أغفله المنحازون منهم لتكفير أهل العقائد الأخرى ونفى كل فضيلة عنهم تمهيدًا بالطبع للحكم بقتلهم ولو بعد استتابة. ‬

 

على رأس هذه الطائفة الأخيرة يأتى ابن كثير فى تفسيره السلفى العظيم للقرآن الكريم، وقد كان ابن كثير كما هو معروف تلميذًا لفقيه آخر مشهور بتشدده، هو ابن تيمية. ينحاز ابن كثير فى تفسيره وبغرابة إلى تفسير الآية بما يشبه معركة بين إلهَين: إله المؤمنين وإله الكافرين، ويقول: «يقول تعالى ناهيًا رسوله والمؤمنين عن سب آلهة المشركين وإن كان فيه مصلحة (!!) إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها وهى مقابلة المشركين بسب إله المؤمنين وهو الله لا إله إلا هو»! الأغرب من ذلك أن ابن كثير يورد فى تفسير الآية حديثًا مشكوكًا فى صحته على الأقل، إن لم يسقطه تمامًا ما به من تناقض صريح ومخالفة قاطعة لمضمون الآية، ليس هذا فقط، بل إن الحديث يعزو السماحة والقبول والرغبة فى التعايش والسلام الدينى إلى سادات قريش، ويبدى النبى الكريم فى هيئة عكس ذلك، يقول الحديث: «عن السدى أنه قال فى تفسير هذه الآية: لما حضر أبا طالب الموت قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل، فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه، فإنا نستحيى أن نقتله بعد موته فتقول العرب: كان يمنعهم فلما مات قتلوه. فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحارث وأمية وأبى ابنا خلف وعقبة بن أبى معيط وعمرو بن العاص والأسود بن البخترى، وبعثوا رجلًا منهم يُقال له: المطلب، قالوا: استأذن لنا على أبى طالب، فأتى أبا طالب فقال: هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخول عليك، فأذن لهم عليه، فدخلوا عليه، فقالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا وإن محمدًا قد آذانا وآذى آلهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعه وإلهه. فدعاه، فجاء النبى فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك. قال رسول الله: ما تريدون؟ قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا ولندعك وإلهك. قال له أبو طالب: قد أنصفك قومك فاقبل منهم، فقال النبى: أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطى كلمة إن تكلمتم بها ملكتم بها العرب ودانت لكم بها العجم وأدت لكم الخراج؟ قال أبو جهل: وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها. قال: فما هى؟ قال: قولوا لا إله إلا الله. فأبوا واشمأزوا. قال أبو طالب: يا ابن أخى قُل غيرها فإن قومك قد فزعوا منها. قال: يا عم ما أنا بالذى أقول غيرها حتى يأتوا بالشمس فيضعوها فى يدى ولو أتوا بالشمس فوضعوها فى يدى ما قُلت غيرها. إرادة أن يؤيسهم فغضبوا وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو لنشتمنك ونشتم مَن يأمرك، فذلك قوله: فيسبوا الله عدوًا بغير علم».
 

فى تفسيره يورد الطبرى نفس الرواية السابقة بين أخرى على طريقته فى التفسير بحشد المأثورات التى لم تكن قد دوِّنت حتى وقته. رغم ذلك يكتنف تفسير الطبرى لقوله تعالى: «فيسبوا الله عدوًا بغير علم» قلق وغموض واضحان. فهو يذكر فى تفسيره للآية: «يقول تعالى ذكره لنبيه وللمؤمنين به: ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُو الْمُشْرِكُونَ مِنْ دُون الله مِنْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد، فَيَسُبّ الْمُشْرِكُونَ اللهَ جَهْلًا مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ وَاعْتِدَاء بِغَيْرِ عِلْم‫»، لكنه لا يذكر لنا السبب الذى يجعل سب المشركين لله بغير علم من جانبهم وليس بوعى وإرادة وتصميم. ثم لا يضيف الطبرى جديدًا باستثناء ما يأتى فى ثنايا ما ينقله عن البصريين حول خلاف لغوى بينهم بالآية، ويأتى فيه: «ولا تسبوا أيها المؤمنون الذين يدعو المشركون من دون الله فيسب المشركون الله، أعداء الله، بغير علم». ويبقى السؤال معلقًا كذلك: هل يصلح أن يسمى مَن يسبون الله «عدوًا بغير علم» أعداءً واعين له بإرادتهم؟!‬
 

هذا الإشكال هو ما ينتبه إليه الرازى فى تفسيره الكبير، فيقدم تأويلًا موسعًا للآية بدايةً يقوله: «اعلم أن هذا الكلام أيضًا متعلق بقولهم للرسول عليه السلام: إنما جمعت هذا القرآن من مدارسة الناس ومذاكرتهم، فإنه لا يبعد أن بعض المسلمين إذا سمعوا ذلك الكلام من الكفار غضبوا وشتموا آلهتهم على سبيل المعارضة، فنهى الله تعالى عن هذا العمل، لأنك متى شتمت آلهتهم غضبوا، فربما ذكروا الله بما لا ينبغى من القول، فلأجل الاحتراز عن هذا المحذور وجب الاحتراز عن ذلك المقال، وبالجملة فهو تنبيه على أن خصمك إذا شافهك بجهل وسفاهة لم يجز لك أن تقدم على مشافهته بما يجرى مجرى كلامه، فإن ذلك يوجب فتح باب المشاتمة والسفاهة وذلك لا يليق بالعقلاء».
 

ثم يذهب الرازى بعد ذلك إلى طرح الإشكال صراحةً: «أن الكفار كانوا مقرين بالإله تعالى وكانوا يقولون: إنما حسنت عبادة الأصنام لتصير شفعاء لهم عند الله، وإذا كان كذلك فكيف يعقل إقدامهم على شتم الله تعالى وسبه؟» ثم يقول: «واعلم أنا قد دللنا على أن القوم كانوا مقرين بوجود الإله تعالى، فاستحال إقدامهم على شتم الإله، بل هاهنا احتمالات، أحدها: أنه ربما كان بعضهم قائلًا بالدهر ونفى الصانع فما كان يبالى بهذا النوع من السفاهة، وثانيها: أن الصحابة متى شتموا الأصنام فهم كانوا يشتمون الرسول، فالله تعالى أجرى شتم الرسول مجرى شتم الله تعالى (!!)، وثالثها: أنه ربما كان فى جهالهم مَن كان يعتقد أن شيطانًا يحمله على ادعاء النبوة والرسالة، ثم إنه لجهله كان يسمى ذلك الشيطان بأنه إله محمد، فكان يشتم إله محمد بناء على هذا التأويل (!!)».
 

وما كان أغنى المفسرين عن كل هذا اللف والدوران لو أنهم نظروا بعين الاعتبار إلى وصف سب المشركين لله بأنه «عدوًا بغير علم»، ذلك أن المشركين -كما التفت الرازى فى أحد احتمالاته- كانوا يؤمنون بالله، ومن ثَمَّ لا ينصرف وصف المشركين بالمشركين إلى إشراكهم لله الصانع الخالق المطلق الواحد بآلهة أخرى، ولكنهم أشركوا عندما ظنوا ضرورة وجود آلهة أخرى هى صور لله أو أبناء وبنات أو صفات وأسماء له، آلهة تجرى مشيئة وإرادة الله فى الكون والوجود وتجسدها نيابة عنه. وهو ما يفسر طبيعة العقل الشركى تفسيرًا مختلفًا عن هذا التفسير المتعصب الذى يؤدى -بالمغالطة- إلى نزع الإيمان بالله نزعًا تامًّا عن أصحاب أديان مختلفة وعقائد أخرى، وهم لا يعرفون لأنفسهم إلهًا غير الله، لكنهم -خطأً أو جهلًا أو اختلافًا- يشركون فى صفاته وأسمائه فقط.
 

الحكاية الرمزية التى بدأنا بها من مأثورات «راما كريشنا» تؤكد ذلك، والحكاية التى سنختم بها هنا من تراثه نفسه تثبته، يقول: «فى مرة أخرى رأيت امرأة ترتدى عباءة زرقاء تحت شجرة، وما إن نظرت إليها حتى تراءى أمامى خيال سيتا المثالية.. ومكثت فترة طويلة بلا حراك، فقد كنت أعبد جميع النساء باعتبارهن يمثلن الأم الإلهية». على هذا النحو إذن يجرى العقل غير التوحيدى فى إدراكه للمطلق الإلهى الواحد، وعلى هذا النحو يستلزم إعادة النظر فى مفهوم الشرك كما يدرسه الأصوليون ويرسخونه فى عقلية المسلم العادى.
 



أقرأ أيضا

دماغ

رسالة إلى سعيد مهران: العالم الآن.. للأشرار الكبار فقط

الله يرحمك يا سعيد، فأنت غلبان وضحية ومجنى عليه، لهذا كان لابد أن تموت. ودعنى أختم رسالتى لك بكلماتك التى قُلتها للقاضى فى أثناء حلمك بمشهد محاكمتك: «لو دورتوا.. حتلاقوا كل اللى عندهم قلب مجانين».
يرحمكم الله

كلب الخليفة المقتول

فى أواخر شهر أكتوبر 2019، أُزيح الستار عن أحد أبرز المشاهد دلالةً فى تاريخ الإسلام السياسى، فقد استقبل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، فى البيت الأبيض، الكلب الذى شارك فى عملية قتل الخليفة الداعشى أبى بكر البغدادى...
البلد

الأكثر تأثيرًا عام 2019.. اخترنا لكم من قائمة «تايم 100»

فى عام 2016، كان الوضع فى إثيوبيا غايةً فى السوء، كانت الناس تُقتل وكان كثيرون فى السجن، وأردت أن يعرف العالم ما تقوم به الحكومة. لذلك، رفعت يدَىّ أعلى رأسى فى علامة «X» فى أثناء عبورى خط نهاية ماراثون 2016 فى أوليمبياد ريو، وهذا للتدليل على أن الشعب الإثيوبى يريد أن يوقف القتل والسجن، فنحن لا نريد ديكتاتورية.
البلد

عرب 2019.. ما الذي يجمع هذه الشخصيات الـ12؟

وجوه جديدة فى السلطة بتونس والسودان، ووجوه أخرى تغادر المسرح فى لبنان والعراق، فى حين ينتظر الجزائريون حسم السباق الرئاسى لخلافة عبد العزيز بوتفليقة. وجوه ثالثة تترك المشهد بالقوة، تمامًا كما دخلته بالقوة، مثل أبى بكر البغدادى.
البلد

عرب 2019.. بين النفوذ الإيرانى والأطماع التركية.. حراك شعبى يفاجئ الجميع

بين سندان النفوذ الإيرانى ومطرقة الأطماع التركية، شهدت شوارع عواصم عربية حراكـًا شعبيًّا فرض كلمته فى نهاية المطاف، وانتخابات رئاسية أفرزت وجوهـًا جديدة، وصراعات سياسية ثقيلة مرشحة لأن تطل برأسها فى عام 2020. كانت رياح التغيير قوية، فى حين وجدت الاضطرابات طريقها إلى مدن وعواصم عربية مختلفة. فى المقابل، أثبتت الاحتجاجات القوية فى العراق ولبنان أن النفوذ الإيرانى فى العواصم التى كان يتباهى بالسيطرة على مفاصل القرار فيها، صار مهددًا إلى حد كبير.  
فن

ضحكات الجوكر فى مواجهة عنف «سكورسيزى»!

خطف جوكر فيلم المخرج «تود فيليبس» الأضواء من أغلب أفلام العام، وهو فيلم تجارى ميزته الأكبر هى أداء «واكين فينكس»، وقد نجح تجاريًّا فى دخول نادى المليارات، وعلى مستوى الدراما يصور الفيلم بدايات شخصية الجوكر، أكبر أعداء «باتمان»، وعلى عكس التوقعات لم تكن أحداث الفيلم مغامرات قاتل ميت القلب، يضع ماكياج مهرج...
يرحمكم الله

الإسلام السياسى فى 2019 وحصاد المر

اتسم عام 2019 بالازدواجية، فهو عام الهزيمة والانتصار للإسلام السياسى، عام الموت لقيادات تاريخية وعام ميلاد قيادات أخرى. حصاد مربك ومرتبك، لا تملك اعتباره عام هزيمة الإسلام السياسى، لأن تنظيم الدولة انهزم ورحل من سوريا والعراق، ففى أسابيع كانت قوات «داعش» تتدفق على مالى وأفغانستان.
فن

مسلسل العام.. «ثلاثة عشر سببًا» للانتحار.. ما السر وراء أكثر مسلسلات «نتفليكس» مشاهدةً فى مصر والعالم العربى؟

يبدأ هذا المسلسل المثير للجدل ببداية «واقعية» غير مسبوقة ربما فى تاريخ الأعمال الدرامية. إذ يظهر الأبطال من المراهقين بشخصياتهم الحقيقية فى مشهد «تحذيرى» صريح يمتد إلى خمسين ثانية، قائلين إن المسلسل هو «من وحى الخيال»، لكنه يعالج مسائل واقعية صعبة، مثل قضايا الاعتداء الجنسى وتعاطى المخدرات و«الانتحار»، وما هو أكثر من ذلك، متمنين أن يساعد المسلسل المشاهدين بالبدء فى الحديث عن مشكلاتهم.