عمر بن الخطاب أول سلفى فى الإسلام!!

سمير درويش



عمر بن الخطاب أول سلفى فى الإسلام!!



كاتبو التاريخ الإسلامى يحلو لهم التغنى بعدل عمر بن الخطاب، فهو الفاروق الذى فرَّق بين الحق والباطل، كما أن الله أيد مواقفه فى مواقف عدة فأنزل قرآنًا يستجيب لها، وكان عمر يفخر بذلك بين أصحاب النبى.

لكن النظر بعمق فى تلك المسلّمات قد توضح لنا الجانب الآخر من شخصية عمر، ذلك الجانب الذى أخذ الإسلام إلى التشدد الذى نعانى منه حتى الآن، كما كان سببًا فى تقسيم المسلمين إلى فريقين متناحرين، لا أتصور أنهما سيتوافقان ويتفقان على كلمة سواء حتى ينتهى العالم، والأهم أنه شقَّ على المؤمن العادى وحمَّله ما قد يثقل على كاهله، ضد ما كان رسول الله نفسه يريد.. وإليك الأمثلة.

 

كان رسول الله بشرا كالبشر، يحب ما يحبون ويقبل على الحياة بقدر إقباله على الله، وقد ورد عنه فى الحديث الذى أخرجه الترمزى عن أنس أنه قال: حبب إلىّ من الدنيا النساء والطيب، وجعل قرة عينى فى الصلاة- والحديث وارد بصيغ كثيرة أكتفى منها بهذا، ورغم أن المعنى واضح لا لبس فيه، فإن السلفيين القدامى أنكروا على النبى حبه النساء، وتباروا فى إخراج تخريجات تنفى عنه ذلك، وتبعهم السلفيون المحدثون بالطبع، فقالوا: لينقلن عنه ما لا يطلع عليه الرجال من أحواله ويستحى من ذكره، ومن جملة ذلك: أحكام الغسل والحيض والنفاس والعدة، وقالوا كذلك: زيادة فى الابتلاء فى حقه حتى لا يلهو بما حبب إليه عما كلف به من أداء الرسالة، وهو تفسير تافه يخاطب البلداء، فكأنما يحتاج النبى إلى ثلاث عشرة زوجة بالتحديد ليبلغوا عنه ما يستحى منه، ليس امرأتين ولا خمسًا ولا عشرة، وكأن الله زوجه النساء ليبتليه ولم يملأ بيته بالخمور ليختبر صلابته وامتناعه عن الشراب!

 

والحقيقة أن السلفيين القدامى والمحدثين الذين ينكرون على النبى حب النساء، إنما يمكن فهم مقاصدهم واتباعهم عمر بن الخطاب من الحديث الذى أورده البخارى «143» عن عائشة قالت: إن أزواج النبى كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع، وهو صعيد أَفْيَحُ، فكان عمر يقول للنبى: احجب نساءك، فلم يكن رسول الله يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبى ليلة من الليالى عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة، حرصًا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله آية الحجاب.

محبو عمر بن الخطاب يصدِّرون لنا القول إنه كان غيورًا على نساء المؤمنين، ونساء النبى خاصة، لهذا فعل ما فعل، وهم يغفلون -بنص الحديث نفسه- أن هذا اتهام للنبى -حاشاه- أنه لم يكن غيورًا عليهن، فقد كان عمر يقول له: احجب نساءك، ولم يكن النبى يفعل. هذه واحدة، الثانية -والتى لا يمكن تبريرها حتى لو كانت فى قصد الخير-: أن عمر بن الخطاب كان يكمن لنساء النبى فى الظلام، وهن ذاهبات للخلاء -حول بيوتهن- لقضاء الحاجة، ويحرجهن وهن فى وضع كهذا، وهو فعل غريب مهما كان مقصده.

 

تقول الروايات والأحاديث -عن عائشة- إن نساء النبى لم يكن يخرجن لقضاء حاجتهن إلا من الليل لليل، تحت جنح الظلام، فلم يكن يخرجن لمجرد الخروج والتباهى والظهور أمام عامة النساء، ومع ذلك تربص بهن عمر، وكان يفخر بذلك، فقد أخرج الشيخان عن عمر قال: وافقت ربى فى ثلاث: قلت يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وقلت: يا رسول الله، يدخل على نسائك البر والفاجر، فلو أمرتهن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبى فى الغيرة، فقلت: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن فنزلت كذلك.

وهو ما يوضح انشغال عمر -أكثر مما ينبغى له- بنساء النبى، أكثر مما كان النبى نفسه منشغلاً بهن.

كما أن آية الحجاب تلك تسببت -بعد ذلك- فى حادثة الإفك، فقد ذهبت السيدة عائشة للخلاء لقضاء حاجتها، فتحرك القوم ظنًّا أنها فى هودجها، فكان أن تخلفت عنهم، وحملها صفوان بن المعطل حتى لحقا بالقوم، فكان أن تم اتهامهما بالرذيلة.

 

والأمر المشهور أن عمرًا كان سريع الغضب، ويده قريبة من مقبض سيفه، مستعدًا للقتل، ففى الحديث المرفوع عن عمر: أن رسول الله كان فى محفل من أصحابه، إذ جاء أعرابى من بنى سليم قد صاد ضبًّا وجعله فى كمه يذهب به إلى رحله، فرأى جماعة فقال: ما هذه الجماعة؟ قالوا: على هذا الذى يزعم أنه نبى، فشق الناس، ثم أقبل على رسول الله فقال: يا محمد، ما اشتملت النساء على ذى لهجة أكذب منك ولا أبغض، ولولا أن تسمينى قومى عجولًا لعجلت إليك فقتلتك فسررت بقتلك الناس جميعًا، فقال عمر: يا رسول الله دعنى حتى أقتله، فقال رسول الله: أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبيًّا؟ وقصة هجومه فى المسجد على خالد بن الوليد معروفة، وهى تدل على تعجله حتى لو كان على حق، وإقدامه على تطبيق ما يراه عدلاً بيديه، ولم يكن مسؤولاً وقتها، وهى الآفة التى يطبقها الغلاة على الناس الآن، دون انتظار للقضاء والمحاكمة والدفاع والتعقل ووزن الأمور حسب معطياتها وظروفها ونية أصحابها.

 

وينطبق تسلف عمر وتشدده أيضًا على موضوع صلاة التراويح، فى البخارى 872: قام النبى بأصحابه ثلاث ليال، وفى الثالثة أو الرابعة لم يصلِّ، وقال: إنى خشيت أن تفرض عليكم، وفى لفظ مسلم 1271: ولكنى خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها.

وفى موطأ مالك، عن عروة بن الزبير عن عائشة: أن رسول الله صلى فى المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناس، ثم صلى الليلة القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله، فلما أصبح الصبح قال: قد رأيت الذى صنعتم، ولم يمنعنى من الخروج إليكم إلا أنى خشيت أن تفرض عليكم.

ورغم رفق النبى بالمسلمين فإن عمرًا فرض صلاة التراويح عليهم وصارت سنة حتى يومنا هذا، ففى الحديث الذى أخرجه الضياء المقدسى فى المختارة 3/ 367 رقم 1161، وقال محققه: إسناده حسن، وفى كنز العمال فى سنن الأقوال للعلامة علاء الدين الهندى، 8/ 409 رقم 34719، عن أبى العالية عن أبى بن كعب أن عمرًا أمر أُبى أن يصلى بالناس فى رمضان، فقال: إن الناس يصومون بالنهار ولا يحسنون أن يقرؤوا، فلو قرأت عليهم القرآن بالليل، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا شىء لم يكن. فقال: قد علمت ولكنه أحسن، فصلى بهم عشرين ركعة.

 

ورغم كل ما يقال عن ذلك أنه قصد به التخفيف عن المسلمين يوم القيامة من آثامهم، وزيادة حسناتهم يوم العرض على الله، وأن المسلمين اليوم ليسوا مثل نظرائهم فى صدر الإسلام، فإن فى ذلك مشقة وقسوة على الناس، واشتغال بالشعائر والعبادات كأنها مقصودة لذاتها، كما فيه خروج عن سنن النبى -التى كان يتجرأ عمر عليها فى حياته أصلا كمثال مراقبة نسائه- وهو ليس الشىء الغريب، فقد ورد فى رياض الصالحين حديث رواه البخارى، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: إن أناسًا كانوا يؤخذون بالوحى فى عهد رسول الله، وإن الوحى قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه وليس لنا من سريرته شىء، الله يحاسبه فى سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة.

 

ورغم ما قد يبدو فى ظاهر الحديث أنه حسن، لأنه سيعامل الناس بمعاملتهم وليس بسريرتهم، فإن قوله إن الوحى انقطع فيه دلالة على أنه سيحكم على الناس بحكمه، لا بحكم الوحى، وقد فعل فى أمور عدة منها توزيع الزكاة مثلاً مما يضعه السلفيون فى ميزان عدله حتى يومنا هذا.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...