أساطير الخلافة الإسلامية

نضال ممدوح 



 أساطير الخلافة الإسلامية



فى كتابه «الوجه الآخر للخلافة الإسلامية» يؤكد الكاتب مجاور الأزهر «سليمان فياض» الفشل الذريع الذى مُنيت به تجربة الخلافة الإسلامية منذ بداياتها فى العصر الأموى من القرن الأول الهجرى مرورًا بعصور العباسيين والفاطميين وانتهاءً بسقوط الإمبراطورية العثمانية فى عشرينيات القرن المنصرم، خلافة لأسر ملكية حاكمة، أموية كانت أو هاشمية، أو تركية عثمانية، ارتدت قناع الدين والحكم بالتفويض الإلهى بدعاوى تطبيق الشريعة بينما كانوا فى حقيقتهم ملوكًا دنيويين، ويرتدون مسوح الدين لإخضاع وتوريث الأرض بمن عليها لأبنائهم جيلاً بعد جيل البلاد، ويهدمون  مقاصد الدين من العدل، وحرية الاعتقاد، والأمن، والتكافل الاجتماعى، والإخاء والمساواة، واستقلال بيوت أموال المسلمين، عن بيوت أموال الأسر الحاكمة.

 

ومع سقوط آخر معاقل الخلافة الوهمية  بسقوط الإمبراطورية العثمانية ظن دعاة تيار الدولة  المدنية أن الطريق صار معبدًا أمام  دولة العقد الاجتماعى وقوانينه المدنية المنظمة للعلاقات بين الشعوب وحكامها٬ لكنهم اصطدموا بفقهاء وسدنة هذه الخلافة المتباكين على  ضياعها  متجاهلين تاريخها المتخم بالقهر والاستعباد وغزو شعوب الأرض  باسم الدين، وفرض الجزية على كل من أسلم من أبناء هذه الشعوب، مخالفة بهذا الفرض، أوامر الدين بأنه لا جزية على من أسلم، وراح هؤلاء المتباكون يكتبون ويخطبون بعودة هذه الخلافة المزعومة لدى ملوك الأسر الحاكمة كما حدث مع الملك فاروق فى مصر وأسرة آل سعود فى الجزيرة العربية، لكن مساعيهم خابت أمام التيار المدنى الحداثى حتى أواسط القرن العشرين.

 

ولكن مع صعود نجم حركات الإسلام السياسى وجماعاته اليمينية المتطرفة خلال سبعينيات  القرن العشرين، علت الدعوات مرة أخرى لعودة الخلافة، واصطنعت هذه الدعوات  لنفسها تنظيمات إرهابية، ترفع شعار الجهاد، وتكفر الأنظمة المدنية الحاكمة، وكل المسلمين فى هذه الأنظمة، متجاهلين ومنكرين منطق العصر وحتمية القطيعة المعرفية مع نظام حكم فرضته ظروف وأدوات عصر انقضى، وضرورة  تداول السلطة وآليات الديمقراطية كل عدة سنوات لدفع مفسدة السلطة المطلقة طويلة المدى، وضمانًا لمراقبة تصرفات الحكام ومحاسبتهم مع الأخذ بحقوق الإنسان التى هى من مقاصد الدين.

 

وأورد كتاب فياض تسلسلاً لسنوات الحكام فى السلطة بداية من معاوية بن أبى سفيان الذى حكم 20 عامًا، وحكم عبد الملك بن مروان 20 عامًا وهشام بن عبد الملك 19 عامًا، وفى الخلافة العباسية مكث كل من أبى جعفر المنصور والمأمون 20 عامًا والمعتمد 22 عامًا.

 

وأعاد كتاب «الوجه الآخر للخلافة» قراءة 40 كتابًا فى تاريخ الخلفاء، وقدم فى لغة سهلة بسيطة مباشرة تميز بها سليمان فياض، وخلص إلى نتائج مقلقة، لقد كانوا فى أغلبهم يريدون أن يكون الناس «بلا تفكير، ولا معرفة، ولا ذاكرة» الكل كان يحكم بهواه باسم الدين، النزاعات والمذابح والخلافات الفقهية الحقيقية والمكذوبة كانت ستارًا لجمع الخراج، ولحياة الترف والبذخ الأسطورى الذى عاش فيه أغلبهم.

وللقتل والتعذيب والاضطهاد فى تاريخ الدولتين الأموية والعباسية أساطير لا تصدق وكلها كانت تتم تحت ستار الدين والخلافة، وفى وجود الفقهاء وأصحاب الفتوى والرأى الذين أوصلونا إلى ما نحن فيه الآن.

 

نجح «سليمان فياض» فى هذا الكتاب، أن يستخلص  من كتب المؤرخين المسلمين، القدماء والمعاصرين، ومن تحليلاتهم  صور الوجه الآخر لخلافات القهر، الوجه القبيح للحكم الاستبدادى الشمولى بنزعاته الإمبراطورية، وسعيه للتوسع دائمًا باسم الدعوة للدين، ووضعها للمتلقى العادى ودعاة العودة إلى نظام الخلافة خصوصًا فى العالم العربى والعالم الإسلامى، حتى يكتشفوا أنه نظام  لا ينبغى للمسلمين أن يعودوا إليه مرة أخرى، فهو نظام فرضته العصور الوسطى، وكان طبيعيًّا أن يوجد فى تلك العصور.



أقرأ أيضا

البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...
البلد

ترامب.. استراتيجية الانتصار!

في الوقت الذي يواصل فيه الديمقراطيون التصعيد ضد ترامب، في قضية أوكرانيا، على أمل أن ينجحوا بعزله، وهي المهمة المستحيلة، التي يعملون عليها، منذ أن فاجأ ترامب أميركا والعالم، بفوزه غير المتوقع بالرئاسة، يجوب ترامب القارّة الأميركية متحدّيا.
البلد

الأكراد.. تاريخ من الدم وحاضر من الفشل

عندما بدأت تركيا في التاسع من أكتوبر الماضي غزوًا وعدوانًا واحتلالًا عسكريًّا على مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطي (قسد) في شمال شرقي سوريا، ادَّعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن الهدف من هجومه هو تدمير "ممر الإرهاب" على الحدود الجنوبية لتركيا، غير أن كل الدلائل السياسية، التي سبقت العدوان العسكري التركي ضد قوات سوريا الديمقراطية، كانت تشير إلى هذه النهاية المأساوية لهذه القوات...
البلد

الجوكر وباتمان.. فن صناعة الشر

آرثر فليك، نموذج للمواطن الأمريكي الفقير المهمش الذي يحاول أن يجد له موضع قدم ولقمة عيش وسط مجتمع رأسمالي ساحق للفقراء بالعمل كمهرج أجير في النهار؛ أملًا منه في أن يكون فنان "ستاند أب كوميدي" في المساء.