«داعش» يلتقى «الإخوان» فى العنف

ماهر فرغلي



«داعش» يلتقى «الإخوان» فى العنف



لم تختلف كثيرًا استراتيجية الجماعات الإسلامية المسلحة، منذ السبعينيات وحتى اليوم، إذ إنها جميعا اتفقت على مبدأ الخروج على الحاكم، وقتال الأنظمة، على اعتبار أنها أنظمة عميلة مرتدة، يجوز قتالها، لكنهم اختلفوا حول الوسيلة، فمنهم من رأى أنها حرب عصابات، أو انقلاب عسكرى مسلح.

 

غير أن الجيل الثالث من الجهاديين اعتمد على استراتيجية جديدة، هى استراتيجية الفوضى، والسيطرة على الأرض، وهذا ما اتفقت عليه القاعدة والدولة الإسلامية «داعش» معًا، إلا أنهما افترقا حول قتال العدو البعيد وقتال القريب، فقد رأت «لقاعدة قتال أمريكا وحلفائها، بينما رأى الأخير غير ذلك.

 

واعتبرت القاعدة، أن داعش مغناطيس جاذب للجهاديين، عبر ما يسمى بمشروع إغراء الخلافة، ولذا فإن مشروعها هو هادم للعملية المتطرفة بالجملة، لأنها تريد من الجميع الهجرة إليها وبيعة خليفتها، وهذا ما يهدد استراتيجية بن لادن القديمة.

 

وقد كانت استراتيجية القاعدة القديمة، هى إقامة الخلافة فى عام 2022 بعد نجاح خطتها التى تحدث عنها الضابط المنضم للتنظيم محمد مكاوى، وهى استفزاز الفيل الأمريكى، ومن ثم احتلاله لدولة إسلامية، وساعتها سيسهل تجنيد العناصر لمقاومته وتوريطه فى حرب طويلة الأمد، وبعدها إثارة الفوضى فى المنطقة، وإقامة دولة الخلافة!

 

وعبر أبو بكر ناجى فى كتابه «إدارة التوحش»، أى الفوضى، عن هذه الخطة وشرحها بالتفصيل، فقال إنها ستكون عبر 3 مراحل هى: «النكاية»، و«التوحش»، المقصود به الفوضى، ثم «إدارة التوحش»، بمعنى إدارة المناطق التى تمت السيطرة عليها، وهى المرحلة الأخيرة، التى سينتقل بعدها التنظيم إلى احتلال البلاد المجاورة، أو يوجه هجماته منها إلى أنظمة حاكمة قريبة عبر المرحلة الثانية وهى النكاية والإنهاك، حتى يأتيها التمكين والمجموعات المسلحة من الخارج، وهذا إلى حد قريب ما نجحت فيه تنظيمات السلفية، مشيرًا إلى أن التنظيم سيسيطر عبر الجماعات المتحالفة معه على منطقة، تكون فى وضع يشبه وضع أفغانستان قبل سيطرة «طالبان» منطقة تخضع لقانون الغاب بصورته البدائية، مما يجعل أهلها الأخيار يتعطشون للقاعدة لكى تحكمهم.

 

وقال «إنها ليست فوضى، بل توحش، لأنها ليست إدارة لشركة تجارية أو مؤسسة تعانى من الفوضى أو مجموعة من الجيران فى حى أو منطقة سكنية أو حتى مجتمع مسالم يعانون منها، لكنها طبقًا لعالمنا المعاصر ولسوابقها التاريخية المماثلة، وفى ظل الثروات والأطماع والقوى المختلفة والطبيعة البشرية وفى ظل الصورة التى نتوقعها، يكون الأمر أعم من الفوضى، مما يجعل العقلاء يقبلون أى تنظيم من الأخيار أن يدير هذا التوحش، بل ويقبلون أن يدير هذا التوحش، قبل أن تتحول هذه المنطقة إلى مزيد من التوحش»!

 

وأكد أن إدارة التوحش قامت فى تاريخنا الإسلامى مرات متعددة، وأول مثال لها كان بداية أمر الدولة الإسلامية فى المدينة، وباستثناء الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية وبعض الدول أو الدويلات التى كانت على أطراف الجزيرة كان النظام القبلى فى الجزيرة يقوم على نظام مشابه لنظام إدارة التوحش، ويمكن اعتبار المرحلة الأولى من العهد المدنى، قبل استقرارها وإقامة دولة تأتيها الزكاة والجزية، مشابهًا لذلك، حيث أديرت المدينة بنظام إدارة الفوضى.

 

وفى كتابه «حرب العصابات» وضع أبو عبيدة البنشيرى قبل غرقه فى بحيرة فيكتوريا، خطة مفادها أن الفكرة المتطرفة هى الأساس فى استراتيجية الجهاد، وبعدها تأتى بيعة الفرد للتنظيم، ليكون عضوًا فى خلية أو سرية، وبعدها يتم ربط كل أطياف الخلايا والسرايا والجماعات بـ3 روابط، هى الاسم المشترك والبيعة، والعقيدة المشتركة، والهدف المشترك، عن طريق نشر فكر الجهاد المسلح، وتعبئة الشباب، وتوجيههم إلى ضرب الأهداف المعادية، وذلك لتحقيق المردود السياسى والهدف، ثم إرشاد الشباب إلى أن تعد كل مجموعة نفسها بنفسها، على ما يلزم من العمل العسكرى، بدءًا من أساليب المقاومة الشعبية وانتهاءً بالعمليات الاستراتيجية المعقدة، ومرورًا بكل أشكال ومستويات عمليات العصابات، سواء كانت فى المدن أو الأرياف. على هذا تتكون كل سرية من فرد أو أكثر، وتكون وحدة مستقلة يرأسها أميرها ويدبر شؤونها، وتتجه للعمل العسكرى مباشرة ولا تتجه لأى شكل من أشكال التنظيم والدعوة والتحريض وغير ذلك من أعمال الجماعات السرية، بل تختار هدفها وتهاجمه، وتبلغ أى وسيلة إعلام باسمها الخاص الذى اختارته، وتعلن مسؤوليتها عن العمل الذى قامت به.

 

وقال البنشيرى فى كتابه الذى نشره موقع التوحيد والجهاد: إن الجماعة المسلحة تتشكل عبر 3 دوائر تنظيمية، الأولى: هى «السرية المركزية»، والتى مهمتها الأساسية الإرشاد والتوجيه والدعوة، والثانية دائرة التنسيق أو «السرايا اللا مركزية»، وتتكون من العناصر التى أمكن التواصل معها وإخضاعها لدورات التأهيل الفكرى والمنهجى والتربوى المتكامل فكريا وسلوكيا وعسكريا وحركيا من خلال التماس معها، حيث يكون برنامج تلك العناصر الارتحال عن الجبهة، والانتشار فى الأرض، كلٌّ حسب ظرفه وحياته، والعمل بشكل حر ومنفصل تمامًا عن السرية المركزية من الناحية الحركية بحيث لا يربطها إلا الاسم والهدف والمنهج العقدى والتربوى، وأما الدائرة الثانية فهى «سرايا الدعوة والتجنيد»، وتتكون من فرد إلى 3 أفراد، وهى المسؤولة عن ضم عناصر جديدة للتنظيم، ولا علاقة لها بأى عمليات عسكرية، وأما الدائرة الثالثة فهى السرايا المسلحة العاملة، التى تقوم بعملية الإرهاب والتخويف، وتتكون من عنصر إلى 15 عضوًا.

 

تبدأ خطة التحرك للتنظيمات المتطرفة بضربات متسلسلة للأنظمة لإسقاط هيبتها، مما سيحدث مدًّا للتيار الجهادى يفوق أضعاف ما خسره من قبل، وهنا سيحتدم الصراع، وستُشَن حرب محدودة، وفى هذه الحالة لن يشفى غليلها ولن تنجح فى تطويق هذا المد المتصاعد، الذى سيبلغ العشرات من المجموعات الجديدة.

 

ولخص البنشيرى خطته فى نقاط محددة وهى: استراتيجية عسكرية تعمل على تشتيت جهود وقوات العدو، واستنزاف قدراته المالية والعسكرية، واستراتيجية إعلامية تستهدف وتركز على فئتين، فئة الشعوب، بحيث تدفع أكبر عدد منهم للانضمام للجهاد والقيام بالدعم الإيجابى والتعاطف السلبى ممن لا يلتحق بالصف، والفئة الثانية جنود العدو أصحاب الرواتب الدنيا لدفعهم إلى الانضمام لصفنا أو على الأقل الفرار من خدمة العدو.

 

وقال: بعد فترة مناسبة نعمل على: تطوير الاستراتيجية العسكرية بما يدفع قوات العدو إلى التقوقع حول الأهداف الاقتصادية لتأمينها، وتطوير الاستراتيجية الإعلامية بحيث تصل وتستهدف بعمق القيادة الوسطى من جيوش الردة لدفعهم للانضمام للجهاد، وفى كل هذه المراحل نبرر عقليا وشرعيا لماذا تكون عملياتنا، على أن يكون فى هذه الخطة من الشفافية، بل والاعتراف بالخطأ أحيانا ما يكشف أكاذيب وحيل العدو ويرسخ انطباع الصدق عنا عند الشعوب، وهو الرقم الصعب لنا، وهذا ليس معناه أننا نعوّل عليها حركتنا، فنحن نعلم أنه لا يُعوَّل عليها فى الجملة بسبب ما أحدث الطواغيت فى بنيتها، وأنه لا صلاح للعامة إلا بعد الفتح، وكل ذلك عبر عدة مراحل هى:

 

1- سياسة دفع الثمن، والتى تعنى جعل الأنظمة تدفع الثمن إن فكرت فى أى عمل إجهاضى لهم.

 

2- تحقيق الشوكة، أى الانتصار.

 

3 - فهم السياسة الإعلامية للخصوم والتعامل معها، وكسب المعركة الإعلامية مع الأنظمة.

 

4- استقطاب المجندين إلى التنظيمات.

 

وقال: «إن انتشار العمليات الصغيرة وتصاعدها سيكون له تأثير على المدى الطويل، مثل جذب شباب جدد للعمل الجهادى عن طريق القيام كل فترة زمنية مناسبة من حيث التوقيت والقدرة بعمليات نوعية تلفت أنظار الناس، مع ملاحظة أنه يجب أن تُحسب قيمة العملية العادية الصغيرة جيدًا ونتائجها، فأحيانًا تؤدى العملية الصغيرة لمفاسد أو مشكلات أو كشف مجموعات أخرى تُحضّر لعملية نوعية متوسطة، وإذا كان من يقومون بعمليات صغيرة قادرين على الترقى وتطوير أنفسهم للقيام بعملية نوعية متوسطة فعليهم ذلك حتى لو تم إلغاء العملية الصغيرة من أجلها، إلا أنه فى الجملة أفضل طريق للترقى للمجموعات الناشئة للقيام بعمليات نوعية هو القيام بعمليات صغيرة فى البداية، ما التزموا بتحركات واحتياطات سليمة».

 

وعقب الثورة المصرية فى 25 يناير، اتفقت كل الجماعات المسلحة على استراتيجية واحدة للعمل تبدأ بمرحلة الإنهاك، وهى مرحلة العصابات الصغيرة، وحروب الإرهاب المحدود، عبر أسلوب الاغتيالات والإغارات والكمائن الصغيرة وأعمال المتفجرات المنتقاة، لتنهك الأمن وتربك السياسة وتجهد الاقتصاد، والمرحلة الثانية، وتدعى مرحلة التوازن، ثم مرحلة الحسم، وفى خلال هذه المراحل تم الاعتماد على عدة مصادر للتمويل، تبدأ بمساهمة الأعضاء والمناصرين المقربين عند انطلاق العمل، وتبرعات المحسنين المحليين والخارجيين فى المراحل الأولى، والاعتماد على دعم بعض الأنظمة المجاورة المستفيدة من تلك التنظيمات فى السياسات الإقليمية، والغريب أن الجماعات المسلحة اعتمدت على ما يسمى «الغنائم» لتكون موردًا أساسيا للتمويل، وهو سرقة الأموال والأملاك العامة للحكومات التى اعتبرتها مرتدة، كما أجازت أموال أهل الذمة والسياح الأجانب، وغير المسلمين.

 

وقد كان ما سبق هو استراتيجية معروفة ومجمع عليها من كل التنظيمات المسلحة، مما يتطلب استراتيجيات بديلة، تعنى أولاً بمواجهة التحديات الشرعية والفكرية لهذه التنظيمات، ووضع رؤية واضحة طويلة الأمد لمواجهتها.



أقرأ أيضا

البلد

السعودية وحماية الملاحة البحرية

يطلق علماء النفس على بعض اللحظات المهمة والتاريخية " الوقت القيم "، بمعنى أنه الوقت الذي تعظم فيه الاستفادة من الأحداث الجارية، وبما يخدم التوجهات الاستراتيجية للدول والمؤسسات وحتى للأفراد.
البلد

المستقبل الروسي.. ملامح وتحديات

مرّت روسيا الاتحادية بمراحل صعبة، سياسياً واقتصادياً، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وفقدت خلال عقد من الزمن سمتها وهيبتها ومكانتها الدولية، وغرقت داخلياً في مجموعة من المشكلات الاجتماعية والثقافية...
البلد

الشخصيات المثيرة للجدل.. أراجوزات و"بتوع تلات ورقات" أم مهذبون ساخرون مثيرون للضحك؟

كثر في الآونة الأخيرة إطلاق لفظ "شخصية مثيرة للجدل" على شخصيات تتصدر المشهد السياسي والاجتماعي وتحدث صخبًا وضجيجًا وربما نفورًا واشمئزازًا..
البلد

هل ثمة توافق أميركي- إيراني يلوح في الأفق؟

على سيرة الحديث عن إمكان عقد لقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني، وضع كثيرون أيديهم على قلوبهم خشية تفاهمات قادمة، يخرج الخليج -والسعودية تحديدا- منها خالي الوفاض، "إيد ورا، وإيد قدام" على رأي المصريين.
البلد

موعد نهاية الرئيس أردوغان

خاصم الرئيس التركي أكثر مما صاحب، لا في صعوده السياسي، ولا في استحواذه على مؤسسات الدولة، ولا في علاقاته مع الدول الاستراتيجية في المنطقة، وجاء يوم يشهد فيه بدء تفرق الناس من حوله، وتراجع اقتصاد بلاده، ولا يد عربية أو أوروبية ممدودة للمساعدة.
البلد

المخدرات الحديثة «فيروسات العصر».. كيف تعرف الأسرة أن ابنها مدمن؟ وماذا تفعل بعد ذلك؟

خطر جديد يجتاح العالم بأسره ويتسلل متخفيًا إلى عقول الشباب وأجسادهم ويشكل وباءً جديدًا دون أن ينتبه إليه الناس.. تلك هي المخدرات الحديثة والتي تم استنساخها من المخدرات التقليدية وتصنيعها في مصانع ومعامل غير مرخصة لتتكاثر وتتوالد بعضها مع بعض بشكل سرطاني.
تأملات

نهاية الأسرة.. هل يوجد حل سحري يردع تسلط الآباء ويمنع تمرد الأبناء؟

في ظل التحولات الجنسية (الجندرية) التي تتسارع في هذا العالم سعياً لصناعة أنماط جديدة من (الأسرة)، تتكاثر الانتقادات التي تبلغ مبلغ الشتيمة أحياناً، للمجتمع الأبوي، باعتباره نمطاً أسرياً ماضوياً ينبغي دفنه وتجاوزه بلا رجعه.
البلد

د.بكري عساس يكتب: مصر تتحدث عن نفسها

من لندن إلى القاهرة في زيارة مع الأهل خلال إجازة عيد الأضحى المبارك، لمدة أربعة أيام؛ حيث تم ترتيب برنامج الزيارة بأن يكون اليوم الأول مخصصًا لزيارة متحف مقياس مستوى مياه النيل خلال موسم الفيضان السنوي في حي المنيل بالقاهرة