«الصاد شين».. الرواية العربية إلى منطقة جديدة

سمير درويش



«الصاد شين».. الرواية العربية إلى منطقة جديدة



فى رواياته وقصصه، وحتى فى مقالاته، لا يهتم حمدى أبو جليل بالأبنية الجمالية التى تقوم على التماثل أو الموازاة والسيمترية التى تريح العين وتضبط حركة العقل فى المتابعة، بحيث يجد ما يريد حين يتوقعه. فتجد أن كتابته لا تتصاعد دراميًّا بالضرورة، ولا تنتهى عند لحظات حادة، أو مريحة، وبالطبع لا يهتم بعقد عقدة فنية ليحلها، أو ببناء شخصية درامية فيشرح مواصفاتها الجسمانية وظروفها الاجتماعية والثقافية والنفسية وطبقتها الاقتصادية، لا يفعل أى شىء من ذلك، يكتب فقط كيفما شاء، يحكى ويسترسل ويبوح كطوفان أهوج لا تعرف متى سيأتى لك أو من أين وإلى أين، لكنها عشوائية فنية ظاهرية، وفى الحقيقة هو الذى يصنعها وهو يمسك الخيوط فى يده، تلك التى لا يراها إلا الذين يعرفون جماليات الحكى، ويعرفون إبداع حمدى أبو جليل.

 

هناك حكاؤون فى الأدب العربى، القديم والحديث على السواء، منهم الذين يعتبرهم أبو جليل أساتذته المباشرين، مثل خيرى شلبى ومحمد مستجاب اللذين اعتمدا على الثيمات الشعبية فى صنع رواياتهما وقصصهما، وكذلك إبراهيم أصلان ويحيى الطاهر عبد الله اللذين لم يُفْرطا فى الحكى مع اعتمادهما على المخزون الشعبى الحكائى المستمد من الأساطير، لكن ما يميز حكى أبو جليل أنه منفلت، لا يخضع للموروث والمتعارف عليه، كما أنه يهدم الأسقف المعروفة للإبداع على المستويات جميعًا، سواء بالاعتماد على أشكال «مفروطة» غير منظمة، أو الالتجاء إلى قاموس لغوى خاص ومفارق، كما سأبين، أو أنه -وذلك هو الراجح عندى- يوهم القارئ بهذا، وهو فى الحقيقة يقيم أبنيته الخاصة على غير نموذج، ويضع شكلًا خاصًّا به وحده، يأخذ القصص العربى إلى مكان جديد، أبعد ممن سبقوه على طريق الخشونة المتعمدة، فنحن إزاء كتابة ليست مستوية منمقة، ولا تستخدم اللغة المتصالحة الأنيقة، وإنما نواجه أحراشًا ومستنقعات ومزالق ومرتفعات، وغيرها من ظواهر الطبيعة غير المشذبة التى تروق للمتأنقين.


وإذا اتفقنا على أن الرواية فن غربى فى الأساس، استعارته اللغة العربية وحاولت إخضاعه لشروطها وشروط بيئتها وبلاغتها الموروثة، التى تقوم كثيرًا على التقابلات اللفظية والهندسة اللغوية، والنظام الدقيق الذى يربط مفاصل البناء الفنى، فإن كتابة حمدى أبو جليل يمكن أن تكون انعكاسًا للطبيعة البدوية الصحراوية التى نشأ فيها ولا يزال يحمل سماتها حتى اليوم، رغم أنه نزح إلى القاهرة منذ زمن وعايش طبيعتها وناسها وأماكنها وخالط مثقفيها فى أماكن تجمُّعهم، ويمكن أن يكون اضطر أحيانًا إلى الكتابة بلغتهم وهو يكتب فى الصحافة، العربية بالذات. هذه التربية الصحراوية هى التى ظهرت فى كتاباته الروائية والقصصية، بخشونتها وعدم استوائها، والأهم بعدم اعترافها بالراسخ المتداول المألوف، فالبدو -فى ما أعلم- لا يلتفتون إلى شروط الكلام التى نعرفها، فيرددون ألفاظًا تبدو جارحة لذائقتنا المستوية، كما لا يهتمون بالمتقابلات والخواتيم الفارقة، وهذا يظهر فى بعض قصص أبو جليل التى لا تهتم بصنع مفارقة ما، تلك الفرقعة التى تحدث عنها يوسف إدريس، فيصمت حين ينتهى من الحكى، فقط.
 

العنوان
اختار حمدى أبو جليل لروايته عنوان "قيام وانهيار الصاد شين"، وهو ما يُحيل القارئ مباشرة إلى مجموعة أستاذه محمد مستجاب «قيام وانهيار آل مستجاب»، من جهة، ومن جهة أخرى يُحيل إلى الكتابات المرتبطة بقيام وانهيار الحضارات، ومنها وأهمها الحضارة المصرية القديمة والحضارة اليونانية وغيرهما، وهو الحقل الذى يشغل أبو جليل فى مقالاته الفكرية فى السنوات الأخيرة. لكن العنوان يثير سؤالًا كبيرًا: ماذا يعنى بـ«الصاد شين»؟

 

الصاد شين هم بدو الصحراء الشرقية بالنسبة إلى ليبيا، بدو الصحراء الغربية بالنسبة إلى مصر، وهم أقرب إلى بدو ليبيا، لأن أهل مصر -تاريخيًّا- مزارعون، استقروا حول النيل وأنتجوا حضارتهم العظمى على ضفتَيه، وهم غير البدو الرُّحل الذين يتحركون فى الصحراء طول الوقت بحثًا عن ظروف مناخية أفضل، من الجزيرة العربية حتى حدود تونس، وأهم تجلياتها هى السيرة الهلالية وبطلها الشعبى أسود البشرة، أبو زيد الهلالى، وهجرته المشهورة إلى تونس بحثًا عن ظروف حياتية أفضل. الصاد شين بهذا المعنى ليبيون حسب التقسيم الجغرافى الحديث، وإن كانوا يتنقلون عبر الحدود بين ليبيا ومصر، بل إن بعضهم استوطن فى قرى شمال الصعيد، فى بنى سويف والفيوم، وهم الذين ينتسب إليهم حمدى أبو جليل نفسه.
 

الطبيعة الصحراوية الجافة الشحيحة، والتحايل عليها وعلى الناس للحصول على شروط حياتية أسهل، هى التى خلقت طبيعة هؤلاء البدو، وهذا ما يبدو واضحًا فى الرواية، حيث ينتقلون جماعات جماعات من الفيوم وبنى سويف إلى ليبيا، التى شهدت طفرة مالية فى الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضى بسبب اكتشاف البترول فى أرضها، يدَّعون أنهم «صاد شين»، ليحصلوا على بطاقة يتعاملون بها باعتبارهم ليبيين، بل ليبيين مميزين، لأنهم أنساب الزعيم -معمر القذافى- الذى تقول الروايات إنه «صاد شين» فى الأصل، وتقول الحقيقة الواقعية إن أهله مميزون عمن سواهم من الليبيين، بحكم سيطرته على الأرض والناس، وأنهم أدواته لبلوغ هذه السيطرة بما يملكون من وفرة عددية، وتدريب على القتال، ورغبة فى التمسك بالزعيم وبالمكاسب التى يغدقها عليهم.
 

الفصل الأول من الرواية، إن شئت تسمية أجزائها فصولًا، بعنوان «اتضح أن الزعيم نفسه صاد شين»، ويحاول أسطرة هذا الزعيم الذى كان فارقًا فى سيرة بدو الصحراء الشرقية وصعودهم باعتباره أياهم من أهله، والذى حوَّل نفسه بالفعل إلى أسطورة، بدأت بالصعود الكبير وانتهت بمأساة عظيمة، يقول صـ7: «طبعًا الزعيم كأى زعيم مختَلَف على مكان ولادته، وهناك رواية تقول إن الزعيم أصلًا يهودى، وأمه يهودية من تل أبيب، وهناك رواية تذهب إلى أن الزعيم أصلًا فرنسى، أبوه طيار سقط من سماوات الحرب العالمية الثانية على خيمة شىْ عرب ليبيين هاملين فى الصحراء وتزوج ابنتهم، وأنجبت له الزعيم، لكن كلتا الروايتين تنطويان على أبعاد مذهبية تبرر الشك فى كونهما من دسِّ أعداء الزعيم التاريخيين».. حتى يصل إلى هدم الأسطورة التى بناها، بالقول صـ8 و9:
 

«ولكن لا تظن أن الزعيم اخترع الصاد شين لأنه صاد شين، لأن الزعيم اخترع الصاد شين لأنه (يستقل) بشعبه، يراه أقل من طموحاته ونظريته العالمية الثالثة، وكان يرى فى مصر الأنسب لهذه الزعامة، تحديدًا مصر، الزعيم هو أكثر واحد آمن بأن مصر هى أم الدنيا فعلًا، وكان يستقل عدد الليبيين (شنو اتنين مليون فى مساحة اتنين مليون، وياريتهم مدربين أو متعلمين أو حتى مستعدين للشغل)!».
 

القوسان الكبيران حول كلمة «يستقل» من عندى، فأبو جليل لا يستخدم اللفظة هنا بمعناها المعروف من الاستقلال، أو التحرر من القيد، ولكن من القلة كما فى التعبير الشعبى الدارج، أنا أستقل بك يعنى أراك أقل مما تعتقد نفسك، أو مما يعتقده الناس عنك، كما أن نفس الاستشهاد فيه اللهجة البدوية الدارجة بين الصاد شين، أو بدو ليبيا، تأتى فى سياق السرد العادى وإن كان مقوَّسًا هنا، لكنه منثور فى كل الرواية كما سأوضح في ما يأتى.
 

المعمار الفنى
يقسم حمدى أبو جليل روايته إلى فصول قصيرة، يعطى اسمًا لافتًا لكل منها: «واغش أفريقيا»، «التعريف الأصلى للصيد فى بلاد الودن الطالعة من تحت الطقم»، «مزرعة الأرانب»، «الزوديك»، «مطعم الأومليت والبطاطس باللحمة»، «لمبادوزا»، «شيشيليا»، «المقطر»، «مجرودة التهريب»، «بلبل الصحراء».. إلخ، وهى ليست أجزاء من حكاية كبيرة فقط، بل ليست حكايات كلها، فقد تخللتها فصول هى مقالات بحثية خالصة، أتصور أنه سبق نشرها بهذا الوصف فى الصحف ووجد الروائى أنها تخدم السياق، مثل الفصل المعنون بـ«مصدر الصاد شين»، يقول فى بدايته صـ101: «بدو مصر مصدر الصاد شين، بل القبائل الليبية كلها، وهم على المستوى العرقى نوعان، بدو الشرق وبدو الغرب، وهم يختلفون فى اللهجة والزى والتقاليد والأغانى والموطن الأصلى، البدو الشرقيون هجرات وثقافة ولغة صحارى الشام وشمال الجزيرة العربية، والبدو الغربيون هجرات وثقافة ولغة الصحراء الغربية الكبرى من ليبيا حتى المغرب. وبدو الغرب على المستوى الجغرافى نوعان أيضًا، بدو الأطراف، الحدود الصحراوية، وبدو الوادى المزروع، والأدق شبه المزروع..».

 

وهناك فصل عبارة عن أغنية، أو أهزوجة تراثية بدوية، عنوانه «أهزوجة التهريب»، يقول فى بدايته صـ80: «هذه مجرودة التهريب من مصر إلى ليبيا قبل الزعيم أو فى عهده.. لا أذكر بالظبط، المهم: إذا كان لكل رواية أغنية فهذه أغنية الصاد شين..»، ثم يكمل الفصل بالأغنية فقط، وينتقل إلى فصل آخر بعدها، والأغنية يقول مطلعها: «يا مرحب يا بو دور خصيب = اسمع منى قول بترتيب/ نقوله عن شغل التهريب = اللى ثلثينهم غلبانين/ اللى ثلثينهم ناس غلابا = دايرين أرواحهم هرابا/ وهم ديمة بالا الخرابا = حتى إن باتو ممسوكين/ ونا بيدى منهم يا هيه = وكان عندى ستين جنيه»، وما يستوقفنى هنا، ويستوقف القارئ، أنه يقول بوعى الكاتب الخارج عن النص: «إذا كان لكل رواية أغنية فهذه أغنية الصاد شين».
 

هذا الوعى يقودنا إلى سمة من أهم سمات رواية «الصاد شين»، وهى أنها لا تنفصل عن كاتبها، فالكاتب هو الراوى هو البطل الذى يحمل اسمه نفسه، وهو نفسه صاحب الرؤية التى تقف بوعى خلف النص، تحرك الأمور حسب فكرته عن الكتابة نفسها، ورسالتها، وعن الرواية وبنائها وعلاقتها بتراث الرواية العربى خصوصًا، والعالمى بشكل عام، وحسب قناعات اجتماعية وسياسية ودينية لا تتردد فى التعبير عن نفسها بشكل علنى، وتكسر -بشكل علنى أيضًا- المقولات التاريخية عن أن الفكر والفلسفة والسياسة والمعارف الأخرى تفسد الأدب، فنحن أمام روائى يكتب بوعيه الكامل الطاغى، ويريد أن تصل كتابته كما أرادها على الأقل.
والمكان فى الرواية ينتقل بين جغرافيا المنطقة كلها، من قرية فى الفيوم إلى القاهرة فالصحراء الغربية، ثم بنغازى وطرابلس وسرت وسبها فى ليبيا، ومنها إلى إيطاليا ومدنها المشهورة، تبعًا لحركة البطل الذى سافر من قريته بالفيوم إلى ليبيا ليجد عملًا يدر عليه مالًا مثله مثل معظم المحيطين به فى الثمانينيات من القرن العشرين، ومنها قرر أن يسلك نفس الطريق الذى سلكه بعض ممن سبقوه بالإبحار إلى إيطاليا بشكل غير شرعى، خَطِر، عن طريق مهربين يحصلون على مقابلات مادية مرتفعة، ويعرضون حياة الشباب للخطر بسبب نقص الضمانات، وهو فى كل مدينة يحكى عن حاله وحال مَن معه، فيعطى صورة غير مباشرة عن أحوال المدن وناسها، فعن مدينة سبها -مثلًا- يقول صـ13 و14: «قعدت السنة فى سبها، أقصى الجنوب الغربى، وهى العاصمة الثورية المقدسة للزعيم الثائر ونظامه الأثور، وفيها عاش ودرس وبدأ الشرارة الأولى لثورة الفاتح التى سلمته ليبيا اثنين وأربعين سنة، وأسس فيها أول مؤتمر شعبى عام وأطلق منها نظريته العالمية الثالثة فى تحرير الإنسان. والحقيقة أنه حاول أن يجعل منها مدينة أوروبية بحدائق متسعة ومتنوعة، لكن السبهاويين، السكان الأصليين، والتبو والطوارق، فهموا أو لم يجدوا أنفع من فهم أن الحدائق ما هى إلا مراعى حكومية مسوَّرة، وتقاسموها بالأغنام والإبل، وعندما ضجت السلطات من مواشيهم تقاسموا الحدائق فى الحشّ، كل واحد يحش من منطقة معينة، وأنا كان من نزهاتى النادرة فى سبها مصاحبة صديقى محمد الطارقى وهو بيحش فى العصارى لأغنامه من حديقة المديرية العامة للثقافة والفنون فى سبها". وستجد شبيهًا لهذا عن المدن الأخرى فى الدول الثلاث.

 

الرواية هنا -إذن- لا تعتمد على الجماليات المستقرة للكتابة السردية: الحكاية والتصاعد الدرامى وبناء الشخصيات والصراع بينها والعقدة والحل.. إلخ، كما أنها لا تأخذ الطريق الذى يسلكه الروائيون الذين يريدون كسر البناء التقليدى، فيهشمون الزمن مثلًا، بالتقديم والتأخير، ويهملون المتن لمصلحة الهامش، أو يدَّعون هذه الأشياء، لكنها -الرواية- لا تعترف بهذا الموروث أساسًا، وتخلق لنفسها نسقها الخاص الذى يعتمد العشوائية، فالكاتب يقول أى شىء فى أى مكان وأية لحظة، كيفما ترد الأشياء على ذهنه، ولا يتماس مع الواقع فقط بل يدخل فيه ويعايشه، لا ليصبح جزءًا من الحكى، بل ليصير هو نفسه الحكى. كل هذا فى إطار وعيه بما يقدم، وبالحدود التى تفصل الأدب عن الكلام العادى، فهو ينفصل عن الأشكال المعروفة وهوامشها ليس ليخرج عن عباءة الفن، ولكن ليقدم لنا فنه هو، الذى لم يسبقه إليه أحد.
 

اللغة بوصفها أداة
فى هذا السياق، وحسب هذا الفهم للفن والرواية والوعى العام بها، تأتى اللغة.

 

حمدى أبو جليل فى روايته تلك يحكى بالكتابة بالضبط كما يحكى شفاهة، هى رواية شفاهية بالأساس، يستخدم فيها لغة البدو الخشنة بصعوبتها على غير العارفين بها، وبوعورتها وخدشها لحياء أبناء الطبقة المتوسطة التى تشكِّل التربية الدينية التقليدية المحافظة جزءًا مهمًّا من تكوينهم النفسى والعقائدى والثقافى والاجتماعى، فيسمى الأشياء والأفعال بأسمائها الجارحة دون أن يشعر بخروج عن المألوف، ودون أن يشعر قارئه المحايد بذلك، الذى ينغمس فى الفعل الروائى ويتقمص شخصيات أبطاله.
 

هذا الأداء اللغوى يناسب السياق القيمى والاجتماعى والمعرفى الذى تدور فيه الرواية ويشكل وعى أبطالها، طبقة العمال من بدو الصحراء الذين يمارسون أعمالًا دُنيا، حسب التصنيفات المجتمعية، فالبطل فى سبها الليبية كان يصنع الطوب الأسمنتى، وهى وظيفة عضلية بالكامل لا تحتاج إلى عقل، بل ربما العقل يفسدها، ثم بدأ فى تجارة المخدرات، فتحول إلى المخدرات تحت غطاء مصنع الطوب، وحين انتقل إلى إيطاليا لم يكن أمامه -منطقيًّا- إلا تجارة المخدرات، فى بلد هو الأعلى فى استهلاك المخدرات على مستوى أوروبا، وهو أقرب إلى طبيعة بلدان شمال إفريقيا.
وفى الحكى الخاص بإيطاليا ستجد مفردات أجنبية تتخلل الكلام، ليعكس -بالضبط- وعى ولغة البطل. يقول صـ116 و117: «قفّلت على شغل الحشيش، خفت ليقبضوا عليَّا ويرحلونى، وتراكم الإيجار شهر ورا شهر وصاحب الأوضة طردنى، وخدنى الزعيم بدروم العمارة اللى بينام فيها فى (سيماغوسطا)، وبيِّت يوم والتانى وصاحب العمارة طردنى، فقلت مابدهاش، قُدام العمارة فيه جنينة صغيرة فوقيها كوبرى، خدت حاجتى وجبت مرتبة وبطانية م الكنيسة ع البطانية اللى معايا ونصبت سرير محترم تحت الكوبرى وقعدت. الساعة ستة الصبح أتشطف وأفطر ف كنيسة (باركو لافتيتسى)، اللى كنا مسمينها جاردينة هويدى نسبة لواحد من عرب الفيوم كان قاعد فيها على طول، واتمشَّى فى الشوارع واتغدَّى فى كنيسة (السيسيو سنترالى) محطة القطر الرئيسية فى ميلانو، والعشا فى كنيسة ترام 14، ودى فيها غدا وعشا، بس الغدا بتاع (السيسيو سنترالى) أحسن من غداها. وقعدت ف المكان ده تلات شهور، ولفيت ميلانو حتة حتة، كنت أحب أتمشى فيها فى كل أحوالى، معايا فلوس ولَّا ما معاييش، عندى مكان ولَّا صايع، كانت بتريَّحنى، واااسعة، واسعة واسعة، تحس إنها دولة، وقال لك زمان كانت دولة، وفيها كل حاجة والبنى آدم مهما ابيضّ ولَّا اسوَد ولَّا حتى كفر يعمل اللى هو عايزه بمنتهى الحرية بشرط يكون فى حاله وم بيضرش حد. وكان بيعدى عليا بلدياتى وقرايبى عرب الفيوم وكأنهم ما يعرفونيش، ما أنا بربونى، يعنى شحات، ومش شحات بس، شحات وزبالة، ولما اتصلَّحت معايا وبقالى بيت وباصرف بالآلاف رجعوا زى الكلاب».

 

الاستشهاد الأخير طويل نسبيًّا -نحو مئتى كلمة- لكنه كافٍ لإعطاء فكرة عن لغة الحكى فى طول الرواية وعرضها، فالسمة الغالبة عليه هى المحكية، تلك التى تتلون حسب المكان والفعل، ففى المكان تدخل عليها مفردات بدوية لو اقتصر الحديث على البدو، وليبية جنوبية مثل لهجة السبهاويين، ومحكية مطعمة بمفردات لاتينية لو كان فى إيطاليا، وفى الأفعال تدخل المفردات الخاصة بكل منها: مفردات تخص تجارة الحشيش، ومفردات الهروب فى الصحراء، والسجون والجنس، والروائى لا يشذب اللهجات أو يجعلها مناسبة لرواية ستكون بين أيادى القارئين من الطبقة المتوسطة المحافظة، غالبًا، ولكنه يضعها كما يقولها فى مجالسه الذكورية العادية، وكما سمعها فى مصادرها الأصلية، دون حذف أو إضافة.
نحن إذن لسنا أمام رواية مكتوبة بالفصحى، أو الفصحى الخفيفة المطعمة بالعامية، كما يذهب رواد الرواية العربية المعاصرون، كما أننا لسنا أمام رواية مكتوبة بالعامية مثل «قنطرة الذى كفر» لمصطفى مشرفة، وكما فى بعض المحاولات الأخرى فى كتابات لويس عوض وغيره، لكننا أمام بناء سائل، يستخدم لغة سائلة، تذهب مع الراوى حسبما يريد وكيفما يفكر هنا والآن، فى لحظة الكتابة نفسها، دون نظام، فهى جزء أصيل من جماليات العشوائية المنظمة التى يُقيم بناءه الروائى على أساسها، وهو ما يعطيها تفردها وتميُّزها على المستويات كافة.

 

ختامًا
القيمة الكبرى والحقيقية لرواية «قيام وانهيار الصاد الشين» هى أن حمدى أبو جليل كان جريئًا لدرجة أنه خاصم كل الأساليب المتعارف عليها لكتابة رواية وسطية معتدلة، تضمن لها رواجًا كلاسيكيًّا فى أوساط القارئين والأدباء والنقاد، وقدم وصفته هو التى تتطابق مع شخصيته وقناعاته وأسلوبه فى الحياة والكلام والنقاش، دون أن يعبأ بردود الأفعال التى قد تكون محافظة وتنأى بنفسها عن مناقشة رواية تخوض فى الممنوع والمسكوت عنه، ولم ينشغل سوى بكتابة ما يحبه ويرضى عنه، وما يحفظ له مكانته على هامش الكتابة المستقرة، كما كان أساتذته يحبون الوقوف، وقد صنعوا أمجادهم من هذه الأماكن المميزة التى جعلتهم مختلفين، لا يشبهون إلا أنفسهم.

 

هل هذه رواية توثيقية؟ من الممكن أن تكون، ففيها ما يمكن أن يعد فصولًا من السيرة الذاتية للكاتب، خصوصًا أن الأماكن الروائية تتطابق مع الأماكن التى تنقَّل بينها، وأن اسم الشخصية الروائية هو اسمه الطبيعى، وأن بعض الأعمال التى اشتغلها البطل هى نفسها الأعمال التى مارسها فى فصول من حياته الأولى. لكن -مع هذا- فنحن أمام قدرة لا يمكن إغفالها على صبغ الخيال بصبغة واقعية خشنة، تجعل القارئ يظن أنها الحقيقة ذاتها، وقد لا تكون كذلك، وبالتأكيد هى ليست كذلك على طول الخط.
هذا ليس مهمًّا على أية حال، فبمرور الزمن لن تبقى إلا الرواية نفسها كعمل أدبى خالص، منفصلة عن ذات كاتبها، وحينها ستكون شهادة مهمة لكاتب من هذا الجيل على ما عايشه، وعلى الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والحضارية التى رآها وتحرك خلالها، فالأدب -فى النهاية- شهادة على العصر، وحمدى أبو جليل هنا يقدم وثيقة مهمة عن «الصاد شين»، بدو الصحراء الشرقية، وثقافتهم ولغتهم وحركتهم فى الزمان والمكان.



أقرأ أيضا

البلد

الشخصيات المثيرة للجدل.. أراجوزات و"بتوع تلات ورقات" أم مهذبون ساخرون مثيرون للضحك؟

كثر في الآونة الأخيرة إطلاق لفظ "شخصية مثيرة للجدل" على شخصيات تتصدر المشهد السياسي والاجتماعي وتحدث صخبًا وضجيجًا وربما نفورًا واشمئزازًا..
البلد

هل ثمة توافق أميركي- إيراني يلوح في الأفق؟

على سيرة الحديث عن إمكان عقد لقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني، وضع كثيرون أيديهم على قلوبهم خشية تفاهمات قادمة، يخرج الخليج -والسعودية تحديدا- منها خالي الوفاض، "إيد ورا، وإيد قدام" على رأي المصريين.
البلد

موعد نهاية الرئيس أردوغان

خاصم الرئيس التركي أكثر مما صاحب، لا في صعوده السياسي، ولا في استحواذه على مؤسسات الدولة، ولا في علاقاته مع الدول الاستراتيجية في المنطقة، وجاء يوم يشهد فيه بدء تفرق الناس من حوله، وتراجع اقتصاد بلاده، ولا يد عربية أو أوروبية ممدودة للمساعدة.
البلد

المخدرات الحديثة «فيروسات العصر».. كيف تعرف الأسرة أن ابنها مدمن؟ وماذا تفعل بعد ذلك؟

خطر جديد يجتاح العالم بأسره ويتسلل متخفيًا إلى عقول الشباب وأجسادهم ويشكل وباءً جديدًا دون أن ينتبه إليه الناس.. تلك هي المخدرات الحديثة والتي تم استنساخها من المخدرات التقليدية وتصنيعها في مصانع ومعامل غير مرخصة لتتكاثر وتتوالد بعضها مع بعض بشكل سرطاني.
تأملات

نهاية الأسرة.. هل يوجد حل سحري يردع تسلط الآباء ويمنع تمرد الأبناء؟

في ظل التحولات الجنسية (الجندرية) التي تتسارع في هذا العالم سعياً لصناعة أنماط جديدة من (الأسرة)، تتكاثر الانتقادات التي تبلغ مبلغ الشتيمة أحياناً، للمجتمع الأبوي، باعتباره نمطاً أسرياً ماضوياً ينبغي دفنه وتجاوزه بلا رجعه.
البلد

د.بكري عساس يكتب: مصر تتحدث عن نفسها

من لندن إلى القاهرة في زيارة مع الأهل خلال إجازة عيد الأضحى المبارك، لمدة أربعة أيام؛ حيث تم ترتيب برنامج الزيارة بأن يكون اليوم الأول مخصصًا لزيارة متحف مقياس مستوى مياه النيل خلال موسم الفيضان السنوي في حي المنيل بالقاهرة
البلد

«الإخوان».. من سرقة الدين إلى سرقة أموال الهبات والصدقات

ما كشفه عضو مجلس شورى جماعة "الإخوان المسلمين" أمير بسام، مِن وجود اختلاسات وسرقات من أعلى قيادة في التنظيم الدولي للجماعة ومقره لندن، يدل على أزمة تنفي فكرة النقاء والطهارة التي تدعيها.