طه حسين والمسيرى

سامح عيد



 طه حسين والمسيرى



يقول عبد الوهاب المسيرى فى كتابه الثقافة والمنهج «حوارات»: «القرآن ملىء بالمجاز، فالمجاز فى القرآن له بنية خاصة، فهو يعبر عن الرؤية التوحيدية».. ويتابع معلقا على قوله تعالى «الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح». النور 24: «ويا لها من صورة مجازية متواضعة، ولكنها تعكس لعقل الإنسان القاصر فكرة اللا متناهى». «المجاز والحرفية من ص 357 وحتى 388».

 

هو يتحدث هنا عن مجازية القرآن

الفرق بين النص المقدس والنص العلمانى مثل الفرق بين الشعر «الذى يتعامل مع ظاهرة الإنسان» والمعادلة الجبرية التى تتعامل مع عالم الأرقام.

هو يمثل القرآن هنا باللغة الشعرية وليست المعادلات الجبرية

يقوم المجاز بتحرير النص القرآنى من فضائه الزمانى والمكانى «شأنه فى هذا شأن المقاصد»، فتصبح الآية ذات دلالة إنسانية عالمية تتجاوز المناسبة المباشرة، وتابع أن الحديث عن عبادة الأوثان مجازية، والمقصود منها ليس التماثيل «الأصنام»، وتابع أن الاستهلاك فى عصرنا الحالى هو الأوثان التى نعبدها، ويتابع أن المجاز يؤدى إلى التجاوز، أما الحرفية فهى تطابق بين النص القرآنى ووقائع محددة داخل الزمان والمكان وتربطه بهما.

 

يؤكد فكرة تحرير النص القرآنى من الفضاء الزمانى والمكانى

المفسرون الحرفيون ينسون أن القرآن لا يتطابق مع التاريخ أو مع القوانين العلمية، إذ لا يجوز المطابقة بين المطلق الإلهى والنسبى البشرى. التاريخ الذى جاء فى القرآن هو تاريخ مقدس، وليس تاريخا زمنيا.

 

هنا المسيرى أكثر وضوحا: القرآن لا يتطابق مع التاريخ

ولذا لا يمكن كما يفعل البعض أن نحاول تفسير التاريخ المقدس بالتاريخ الزمنى، فإذا وجد أحدهم مثلا نقشا باسم إبراهيم يقولون: ها قد ثبت كذا وكذا.

قصة سيدنا إبراهيم كما وردت فى القرآن فيها عظات وعبر وإطار مرجعى نستخدمه للحكم على واقعنا وواقع الآخرين فى أى مكان فى العالم. إن ربط القرآن بالعلم أو التاريخ هو نوع من أنواع المادية فى التفسير وخروج بالقرآن من مجال المطلق.

 

شغلت كثيرا هذه الأمور المهتمين بالشأن الإسلامى، مَن هو فرعون موسى هل هو أمحوتب أم رمسيس الثانى، وكأننا نحاول أن نثبت صحة القرآن بدلالات مادية معينة.

 

يتابع المسيرى:

«ثم يتدهور الأمر على المستوى الشعبى فيتم تشيىء النص القرآنى وتصبح كلماته أشياء داخلها قوى كامنة فيها، يمكن لشخص بعينه أن يوظف هذه القوة، وهذا إغراق فى المادية.

 

ويذهب البعض إلى القول بأن قراءة كل حرف فى القرآن بحسنة، لكن كل حرف بمفرده ليس له معنى، ويزداد الأمر تدهورا حين يؤكد البعض أنك لو قرأت سورة كذا 27 مرة فإنك ستشفى من مرض كذا، أو ستربح تجارتك، أو ستتزوج من امرأة جميلة وثرية.. إلخ.

وهنا نكون قد تركنا عالم الإيمان ودخلنا عالم السحر والسببية المادية الضيقة، فالإيمان هو طاعة الله والانصياع لمشيئته، أما السحر فهو تطويع الله ليخدم مشيئة الساحر».

 

هنا يسخر المسيرى بشكل واضح من عدد كبير من الأحاديث التى تتحدث عن فضل السور، وحسنات القرآن العشر لكل حرف، التى كثر سماعها على المنابر، حتى أصبحت جزءا من الوجدان الدينى لدى قطاعات كبيرة من الأمة الإسلامية، هنا المسيرى يقول إنها محض خزعبلات وسحر وربما يصطدم بهذا الوجدان الدينى.

 

يتابع المسيرى:

«وكأن النص يحمل رسالة واضحة مباشرة صريحة مثل القاعدة العلمية أو اللغة الجبرية، ولذا فأنا أطالب بتعديل القاعدة الفقهية المعروفة (لا اجتهاد مع النص) لتصبح (لا اجتهاد مع النص فى كليته)، وأعتقد أن هذا التعديل سيضع حدا للتفسيرات الحرفية ولتطويع النص».

 

هنا يصطدم المسيرى مع قاعدة فى أصول الفقه، ربما راسخة فى الوجدان الدينى أيضا وكأنها جزء من الدين ذاته وهى «لا اجتهاد مع النص».

 

يتابع المسيرى، منتقدا الحلولية:

«ونتيجة لحلول الخالق فى مخلوقاته وكمونه فى العالم، ونتيجة لإلغاء المسافة بينه وبين مخلوقاته نجد أن التفسيرات الحرفية تذهب إلى أن النص القرآنى يتطابق مع الواقع المادى ومع التاريخ الزمنى، وأن كل ما ورد فى القرآن يمكن التدليل عليه علميا، وأن القصص القرآنى تحقق حرفيا فى التاريخ، نتيجة لذلك يذهب الحرفيون إلى أن المؤمن الحق عليه أن يفهم معنى الآيات بلفظها مباشرة دون محاولة للتفسير والاجتهاد».

 

هنا المسيرى مباشر وصريح فى سخريته من فكرة أن القرآن يتطابق مع التاريخ الزمنى، وهذا لا يخرج عما قاله طه حسين فى كتابه الشعر الجاهلى، والتى قامت الدنيا ولم تقعد وقتها، واضطر طه حسين للتراجع لاحقا، كما يروى محمد عمارة.

 

الأزهر وقتها قاوم بشدة طه حسين، وحدث نفس الشىء مع نصر حامد أبو زيد عندما تم التفريق بينه وبين زوجته وسافر وقتها لهولندا، وحدث مع عبد الصبور شاهين عندما قال إن آدم ليس أبا البشر، وإن الجنة التى هبط منها ليست فى السماء ولكنها ربما تكون جنة عدن، أو بمعنى آخر هى جنة أرضية، وتم اتهامه فى دينه وقتها، الآن انتشرت الكتب وكثر الكتاب الذين يراجعون كثيرا من المفاهيم الدينية الراسخة وربما يزلزلونها، وأصبح الأزهر عاجزا عن المتابعة والدفاع أو الهجوم، أو ربما لأنهم يعرفون أن للمسيرى تلامذة وأنصار، ربما يواجهون بقوة، خصوصا أن تلامذته يملكون ناصية العلم والفلسفة، ولا يعرف الأزهريون آليات هذا الخطاب والوقوف أمامه، ولكنهم انتفضوا فجأة أمام إسلام بحيرى، هل لأنهم يعرفون أن الكتب ربما لا تُقرأ ولكن نسب مشاهدة التليفزيون عالية ولابد من المواجهة والتصدى؟ واتهموا بحيرى بأنه يصطدم بثوابت الدين ويسخر من العقيدة، وكلام من هذه الزاوية التى جعلت القاضى يثبِّت الحكم على بحيرى.

 

ولكن المساحة اتسعت، فهناك حسن حنفى، وعبد الجواد ياسين، وكتابات الجابرى، وأركون، ورضوان السيد، ومحمد شحرور.. وكنت أتمنى أن يتقدموا للحوار مع هؤلاء وأن يهتم الإعلام المرئى بتلك القضايا، بدلا من الذهاب فى قضايا فرعية ومشكلات شخصية؛ لأن تلك المعركة هى معركة أمة فهى معركة طريق ومنهج يجب أن نسير عليه، فهى ليست قضايا ترفية تناقشها النخبة، ولكنها الطريق.. ما علاقة الدين بالدولة بشكل حقيقى وتفصيلى؟ ما دور النص المقدس فى تسيير حياتنا العملية؟ ما المسافة والمساحة المتروكة للعقل البشرى للعمل والإبداع؟

 

إن لم نحسم تلك الأمور فنحن نسير فى حلقات مفرغة من الصراع على الهوية وبروز التيارات المتأسلمة بوجوهها المختلفة بين الحين والآخر.



أقرأ أيضا

دماغ

رسالة إلى سعيد مهران: العالم الآن.. للأشرار الكبار فقط

الله يرحمك يا سعيد، فأنت غلبان وضحية ومجنى عليه، لهذا كان لابد أن تموت. ودعنى أختم رسالتى لك بكلماتك التى قُلتها للقاضى فى أثناء حلمك بمشهد محاكمتك: «لو دورتوا.. حتلاقوا كل اللى عندهم قلب مجانين».
يرحمكم الله

كلب الخليفة المقتول

فى أواخر شهر أكتوبر 2019، أُزيح الستار عن أحد أبرز المشاهد دلالةً فى تاريخ الإسلام السياسى، فقد استقبل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، فى البيت الأبيض، الكلب الذى شارك فى عملية قتل الخليفة الداعشى أبى بكر البغدادى...
البلد

الأكثر تأثيرًا عام 2019.. اخترنا لكم من قائمة «تايم 100»

فى عام 2016، كان الوضع فى إثيوبيا غايةً فى السوء، كانت الناس تُقتل وكان كثيرون فى السجن، وأردت أن يعرف العالم ما تقوم به الحكومة. لذلك، رفعت يدَىّ أعلى رأسى فى علامة «X» فى أثناء عبورى خط نهاية ماراثون 2016 فى أوليمبياد ريو، وهذا للتدليل على أن الشعب الإثيوبى يريد أن يوقف القتل والسجن، فنحن لا نريد ديكتاتورية.
البلد

عرب 2019.. ما الذي يجمع هذه الشخصيات الـ12؟

وجوه جديدة فى السلطة بتونس والسودان، ووجوه أخرى تغادر المسرح فى لبنان والعراق، فى حين ينتظر الجزائريون حسم السباق الرئاسى لخلافة عبد العزيز بوتفليقة. وجوه ثالثة تترك المشهد بالقوة، تمامًا كما دخلته بالقوة، مثل أبى بكر البغدادى.
البلد

عرب 2019.. بين النفوذ الإيرانى والأطماع التركية.. حراك شعبى يفاجئ الجميع

بين سندان النفوذ الإيرانى ومطرقة الأطماع التركية، شهدت شوارع عواصم عربية حراكـًا شعبيًّا فرض كلمته فى نهاية المطاف، وانتخابات رئاسية أفرزت وجوهـًا جديدة، وصراعات سياسية ثقيلة مرشحة لأن تطل برأسها فى عام 2020. كانت رياح التغيير قوية، فى حين وجدت الاضطرابات طريقها إلى مدن وعواصم عربية مختلفة. فى المقابل، أثبتت الاحتجاجات القوية فى العراق ولبنان أن النفوذ الإيرانى فى العواصم التى كان يتباهى بالسيطرة على مفاصل القرار فيها، صار مهددًا إلى حد كبير.  
فن

ضحكات الجوكر فى مواجهة عنف «سكورسيزى»!

خطف جوكر فيلم المخرج «تود فيليبس» الأضواء من أغلب أفلام العام، وهو فيلم تجارى ميزته الأكبر هى أداء «واكين فينكس»، وقد نجح تجاريًّا فى دخول نادى المليارات، وعلى مستوى الدراما يصور الفيلم بدايات شخصية الجوكر، أكبر أعداء «باتمان»، وعلى عكس التوقعات لم تكن أحداث الفيلم مغامرات قاتل ميت القلب، يضع ماكياج مهرج...
يرحمكم الله

الإسلام السياسى فى 2019 وحصاد المر

اتسم عام 2019 بالازدواجية، فهو عام الهزيمة والانتصار للإسلام السياسى، عام الموت لقيادات تاريخية وعام ميلاد قيادات أخرى. حصاد مربك ومرتبك، لا تملك اعتباره عام هزيمة الإسلام السياسى، لأن تنظيم الدولة انهزم ورحل من سوريا والعراق، ففى أسابيع كانت قوات «داعش» تتدفق على مالى وأفغانستان.
فن

مسلسل العام.. «ثلاثة عشر سببًا» للانتحار.. ما السر وراء أكثر مسلسلات «نتفليكس» مشاهدةً فى مصر والعالم العربى؟

يبدأ هذا المسلسل المثير للجدل ببداية «واقعية» غير مسبوقة ربما فى تاريخ الأعمال الدرامية. إذ يظهر الأبطال من المراهقين بشخصياتهم الحقيقية فى مشهد «تحذيرى» صريح يمتد إلى خمسين ثانية، قائلين إن المسلسل هو «من وحى الخيال»، لكنه يعالج مسائل واقعية صعبة، مثل قضايا الاعتداء الجنسى وتعاطى المخدرات و«الانتحار»، وما هو أكثر من ذلك، متمنين أن يساعد المسلسل المشاهدين بالبدء فى الحديث عن مشكلاتهم.