قصة الضياع المؤكد على الفيسبوك

محمد صالح البحر



قصة الضياع المؤكد على الفيسبوك



إذا كانت الرواية هى قصة سردية طويلة، لا يحدها المكان ولا الزمن ولا الأحداث ولا الشخصيات، وتقوم على تقديم رؤية متكاملة للذات أو المجتمع أو العالم، فإن هذه القصة الممتدة تظل قابلة لأن تُحكى عبر أشكال لا نهائية من طرائق الحكى، وأن تستخدم فى حكيها هذا عددًا لا نهائيا من الأبنية الفنية، التى تخضع لذائقة الكاتب وأسلوبه وأيديولوجيته وموقعه من العالم، وتظل بذات القدر قابلة لأن تستدعى لحكيها كل الأساليب والطرائق التى تساعدها على توصيل رؤيتها إلى المتلقى.

 

وقد شكلت السينما منبعًا لا ينضب للرواية، فثمة تكنيكات متعددة من طرائق الحكى ساعدت على تعميق الفن الروائى، وتطوره الشكلانى، وكان بناء المشهد من أهم التقنيات التى استفادت بها الرواية، حيث يشكل المشهد الوحدة الأولية للبناء فى كل منهما، رغم شكله المحدد الصارم فى السينما، واتساعه اللا محدود فى الحكى، فاللغة أسرع من الصورة حيث حرية الحركة والانتقال فى الزمن والمكان، لكن الصورة أكثر قدرة على التجسيد والرؤية وبعث الروح حتى داخل الصمت.

يبدأ محمد عبد الحكم روايته «طلب صداقة» بمشهد سينمائى مفعم بالحركة، الداخلية والخارجية، فعينه الراصدة تفتح الكاميرا على رجل يجلس أمام صفحته الشخصية على موقع الفيسبوك، وبينما نستمع إلى حديثه الهامس مع نفسه، كحركة داخلية وهو يقدم لنا المعلومات التى ستتأسس عليها بقية الرواية، نستطيع أن نتخيل الحركة الخارجية للكاميرا، وهى تدور حول البطل/ المؤلف بكل لقطاتها المتنوعة، سواء اللقطات العامة التى تركز عليه أمام جهاز الكمبيوتر، أو اللقطات المكبرة التى تركز على تعليقات الأصدقاء على صفحة الفيس، أو على وجهه الساخر مرة والممتعض مرة أخرى.

 

إن أهم ما يتصف به المشهد الأول فى السينما هو قدرته على أن يكون مشهدًا تأسيسيًّا لقصة الفيلم كلها، إنه يؤهلنا نفسيًّا للدخول فيها، ويعطينا الإشارات اللازمة لمعرفة الشخصية والأماكن والزمن وطبيعة الأحداث والجو الاجتماعى والنفسى، تأسيسًا يشبه أساس البناء ويُشكل هيئته القادمة، هكذا نعرف وفى سطور قليلة جدا لا تتعدى الصفحة الواحدة، أننا أمام مؤلف روائى وكاتب سيناريو واقع فى أزمة نفسية عميقة بين بدايته الأدبية الخافتة ككاتب جاد، ومكانته الآنية البارزة ككاتب للأفلام الهابطة، وهو ينقل هذا الصراع من داخله إلى الخارج من خلال بحثه عن الأصدقاء الجادين على صفحته الشخصية بالفيس بوك لطلب صداقتهم.

 

هكذا يمكننا رؤية الجزء الأول من المشهد سينمائيا، والمكون من لقطة واحدة ممتدة بتقاطعاتها المختلفة والسريعة لمؤلف يجلس أمام جهاز الكمبيوتر، بينما صوته الداخلى يلعب دور الراوى، الذى يهبنا المعلومات اللازمة عنه، والقادرة على تأسيس الحكاية من بعد، هنا ينتهى الجزء الأول من المشهد لندخل فى مشاهد متعاقبة أخرى، تمثل فلاش باك للحظة التى تستغرق المؤلف الآن، ونحن نعده الجزء الأول من المشهد لأن صوت الراوى يظل ممتدا مع المشاهد التالية التى تمثل تقاطعات للحظة المؤلف أمام الكمبيوتر، يخبرنا فيها عن تجربته القاهرية، وكيف وصل إلى هذه الحال من السوء بسبب معرفته بسمير عارف/ بابه للوصول، وأنها ما يجعل كل الأدباء الجادين الذين تحملوا الفقر والسجن والخوف والنار فى سبيل أن يكتبوا ما يريدون، يرفضون كل طلبات الصداقة التى يرسلها لهم، بعدها يرجع المؤلف إلى لحظته الأولى، فتعود الكاميرا لرصده أمام الكمبيوتر لتضع نهاية المشهد، وكأنما كل مشاهد الفلاش باك الفائتة قد شكلت المبرر لوصول المشهد الكلى إلى لحظة ذروته، حيث يرتمى منهارًا، ولا يجد سبيلًا سوى إخراج قصته الأولى/ بدايته الجادة ليعيد قراءتها، وكأنه يعيد قراءة الأمل الذى تاه منه فى دروب الوصول المزيف.



أقرأ أيضا

البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...
البلد

ترامب.. استراتيجية الانتصار!

في الوقت الذي يواصل فيه الديمقراطيون التصعيد ضد ترامب، في قضية أوكرانيا، على أمل أن ينجحوا بعزله، وهي المهمة المستحيلة، التي يعملون عليها، منذ أن فاجأ ترامب أميركا والعالم، بفوزه غير المتوقع بالرئاسة، يجوب ترامب القارّة الأميركية متحدّيا.
البلد

الأكراد.. تاريخ من الدم وحاضر من الفشل

عندما بدأت تركيا في التاسع من أكتوبر الماضي غزوًا وعدوانًا واحتلالًا عسكريًّا على مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطي (قسد) في شمال شرقي سوريا، ادَّعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن الهدف من هجومه هو تدمير "ممر الإرهاب" على الحدود الجنوبية لتركيا، غير أن كل الدلائل السياسية، التي سبقت العدوان العسكري التركي ضد قوات سوريا الديمقراطية، كانت تشير إلى هذه النهاية المأساوية لهذه القوات...
البلد

الجوكر وباتمان.. فن صناعة الشر

آرثر فليك، نموذج للمواطن الأمريكي الفقير المهمش الذي يحاول أن يجد له موضع قدم ولقمة عيش وسط مجتمع رأسمالي ساحق للفقراء بالعمل كمهرج أجير في النهار؛ أملًا منه في أن يكون فنان "ستاند أب كوميدي" في المساء.