يا أيها الديمقراطيون.. هناك استراتيجية أفضل من سحب الثقة

فريد زكريا



يا أيها الديمقراطيون.. هناك استراتيجية أفضل من سحب الثقة



 

 
ترجمة: أميرة جبر عن «واشنطن بوست»
 
فكروا للحظة ما يبدو عليه الحديث المتزايد بين الديمقراطيين عن سحب الثقة لعشرات الملايين التى صوَّتت للرئيس ترامب. لقد دعمه كثير منهم، لأنهم شعروا بالتجاهل والاستهزاء والاستعلاء من قِبَل النخب الحضرية المتعلمة الكوزموبوليتانية، خصوصًا المحامين والصحفيين. وترى ما يحدث عندما ينتخب رجلهم؟ تقوم تلك النخب ذاتها بسلسلة من المناورات فى محاولة لقلب نتائج انتخابات عام ٢٠١٦. وهذا سيزيد كثيرًا من الحقد الطبقى الذى يغذِّى دعم الرئيس. وسيبعد الموضوع عن آثامه وينقلنا إلى تجاوز الديمقراطيين وهواجسهم. وفى النهاية، طبعًا، سيفشل سحب الثقة، وهذا لأن ثُلثَى أعضاء مجلس الشيوخ الذى يسيطر عليه الجمهوريون لن يصوتوا بإدانته، الأمر الذى يسمح لترامب بالتلويح بـ«براءته» وكأنها ميدالية ذهبية.

 

 
أعلم جيدًا أن كثيرين يعتقدون بقوة فى أن هذه ليست بمسألة سياسية بل مسألة أخلاقية وقانونية. وبعد قراءة تقرير مولر يقولون إن الكونجرس ليس أمامه خيار إلا الوفاء بالتزاماته وسحب الثقة من ترامب. ولكن، وجهة النظر هذه تسىء تمامًا فهم سحب الثقة، فهى بطبيعتها عملية سياسية وليست قانونية. لذلك، المعيار المستخدم  -«الجرائم الكبرى والجنح»- لا يستخدم فى الإجراءات الجنائية. ولهذا، فالقرار منوط به جهاز سياسى، الكونجرس، وليس المحاكم.
 
فى عام ١٩٧٠، عندما كان زعيمًا للأقلية فى مجلس النواب، قدَّم جيرالد فورد التعريف الأصدق للجريمة التى تستحق سحب الثقة: «إنها أيًّا ما تعتقده أغلبية مجلس النواب فى لحظة تاريخية محددة». ففى ٣ حالات فى ماضى الولايات المتحدة، يحكم التاريخ بأن واحدة فقط -إجراءات سحب الثقة ضد الرئيس ريتشارد إم. نيكسون- مبررة تمامًا. أما قرار الرئيس أندرو جونسون بإقالة وزير حربه -والذى كان مشروعًا- ما كان ينبغى أن تؤدى إلى سحب الثقة. والأمر نفسه بالنسبة إلى صفقة أرض وايت ووتر الخاصة بالرئيس بيل كلينتون، والتى تسببت فى فتح تحقيق مستقل دخل فى مناطق غير ذات صلة واستخدم أساليب تحقيق مشكوك فيها.
 
ويشير نوا فيلدمان، من كلية هارفارد للحقوق، إلى أنه لا التاريخ ولا نوايا المؤسسين تقدم دروسًا واضحة: «من الوارد جدًّا أن الكثير من المؤسسين كانوا سيدعمون سحب الثقة نتيجة أمور موضوعية جادة، مثل الاستيلاء على السلطة من قِبَل الرئيس. فهل يعد وَفقًا لهذا المعيار تعطيل أبراهام لينكون للمثول أمام القضاء أو اعتقال فرانكلين دى. روزفلت لليابانيين الأمريكيين أو توسيع ليندون جونسون الكبير لحرب فيتنام جرائم تستحق سحب الثقة؟ ربما». غير أن هؤلاء الرؤساء لم تسحب الثقة منهم، لأن الكونجرس مارس الحكم السياسى، ولهذا السبب من المناسب تمامًا أن يفكر الديمقراطيون فى هذا الأمر سياسيًّا.
 
بالنسبة إلى بعض الديمقراطيين، قد لا يزال الحديث عن سحب الثقة حسابًا ذكيًّا قصير الأمد وإن كان متشائمًا. فإذا كنت تخوض السباق للحصول على الترشيح الديمقراطى ومتأخرًا فى استطلاعات الرأى تصبح وسيلة لجذب الانتباه. إذا كنت تعزز الدعم بين قاعدة الحزب، كلما عارضت ترامب بعنف كان أفضل. غير أن كل هذه التحركات لا تفلح إلا إذا أخَّرت رئيسة مجلس النواب نانسى بيلوسى، العملية ومنعتها من الخروج عن السيطرة. قد يتصرف آخرون بعدم مسؤولية بافتراض أن بيلوسى ستكون مسؤولة. ولكن ماذا لو بدأت كرة الثلج فى الدوران، كما يحدث كثيرًا فى السياسة؟
 
أمام الديمقراطيين مسار أفضل كثيرًا، إذ ينبغى أن يسعوا نحو تحقيقات شرعية لترامب تجلب الشهود وتصدر دلائل وثائقية للتجاوزات وتقدم توعية وطنية حول كيفية تعامل ترامب كرئيس. ولكن فى الوقت نفسه ينبغى أن يظهروا للعامة أنهم سيكونون نقيضًا منعشًا لترامب، بالموضوعية والتوجه حسب السياسات والتحضر والتركيز على البلاد وليس على قاعدتهم الضيقة. لقد سئمت أمريكا من سيرك ترامب، لكن هذا لا يعنى أنها تريد سيرك الديمقراطيين فى مجلس النواب.
 
إن الرئيس معرض للخطر، فمع وجود أرقام اقتصادية قوية نسب شعبيته منخفضة بشكل مدهش. ومن المرجح أن يخوض حملته لعام ٢٠٢٠ بناءً على القومية الثقافية كما فعل فى ٢٠١٦. الديمقراطيون بحاجة إلى تحديد رؤيتهم. ينبغى أن يكون هذا تركيزهم، وليس أمل لا أساس له بأنهم إذا سعوا وراء سحب الثقة ستقع بطريقة ما سلسلة من المعجزات، حيث يتكتل بلد منقسم انقسامًا عميقًا حولهم، ويتخلى الجهوريون أخيرًا عن رئيسهم.
 
إن التحدى الحقيقى الذى يواجهه الديمقراطيون أكبر من ترامب، إنه الترامباوية، تلك الشعبوية اليمينية التى تضخمت فى الولايات المتحدة على مدى السنوات العشر الماضية. وبالتأكيد، أفضل طريقة لمواجهاتها هى مكافحتها أيديولوجيًّا وهزيمتها انتخابيًّا. تلك هى الطريقة الوحيدة التى تعطى الديمقراطيين الجائزة الحقيقية، وهى ليست رأس ترامب بل القوة والشرعية لتشكيل أغلبية حاكمة.
 
 
فريد زكريا
يكتب عمودًا متخصصًا فى الشؤون الخارجية بجريدة «واشنطن بوست»، كما يستضيف برنامج «جى بى إس» على قناة «سى إن إن»، ويشارك فى تحرير مجلة «أتلانتيك». ومن مؤلفاته: «دفاعًا عن التعليم الليبرالى» و«العالم ما بعد الأمريكى» عام 2009 و«مستقبل الحرية» عام 2007.
 


أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.