أحلام الثراء السريع فى التاريخ الإسلامى

د. محمد فياض



أحلام الثراء السريع فى التاريخ الإسلامى



كان ولا يزال حلم الثراء السريع يشكِّل موردًا من موارد الخيال الخصب عبر كل عصور التاريخ، فالكنز أو اللقية أو ورقة اليانصيب هى المهدى المنتظر لهذه العناصر التى تحلم بمعجزة تغيِّر أحوالها الاجتماعية والاقتصادية الرثة فى غمضة عين، أو سراب للطامعين، وهى أحلام لا يمكن تفسيرها بمعزل عن الأوضاع النفسية لهذه العناصر.

 

وفى الحقيقة، فإن أول هذه الأحلام وأقدمها هو حلم تحوُّل التراب إلى ذهب، حتى إن المسلمين فى المراحل المبكرة من تاريخهم اعتقدوا أن علم الكيمياء هو المسؤول عن تحويل كل المعادن البخسة والتراب إلى ذهب، ومن الغريب أن علم الكيمياء ظل مرتبطًا ببعض الأوهام، كالبحث عن إكسير الحياة الذى يشفى من جميع الأمراض، كذلك اعتقدوا أن جميع المعادن تتكون من عناصر واحدة، وأن الفارق بين معدن وآخر إنما هو نتيجة اختلاف نسبة هذه العناصر بعضها إلى بعض، وأسهم هذا الاعتقاد فى محاولة تحليل المعادن الرخيصة كالحديد والرصاص إلى عناصرها الأولى، وإعادة تركيبها بنسب جديدة لتحويلها إلى معادن نفيسة كالذهب والفضة، وهو ما عُرف بالسيمياء، وقد عبَّر أحد المستشرقين عن ذلك، قائلًا: «ويرى علماء الكيمياء من العرب أن جميع المعادن مؤلفة من عناصر واحدة، وأن بعض المعادن لا يختلف عن بعض إلا بسبب اختلاف نسب هذه العناصر، وأنه فى حالة حل هذه العناصر وإعادة تركيبها مرة أخرى على نسب ملائمة يظفر، كما هو ظاهر، بأى معدن آخر كما يُراد، كالذهب مثلًا، ورانت مسألة تحويل المعادن على قلوب سيماويى العرب قرونًا كثيرة كما معلوم، فنشأ عن نظرياتهم، البعيدة من الذهنية الحاضرة بعض البعد، خذم للعلم حقيقة عند قيامهم بمباحثهم التى ما كانت لتقع بغيرها، أجل إنه لا يكتشف ما يبحث عنه، ولكنه يكتشف ما لا يعثر عليه بغير طلب تحويل المعادن زمنًا طويلًا».
 

وفى ما يتعلق بإشكالية الولع بالكيمياء والحديث حول قضية الإكسير وحلم تحويل التراب إلى ذهب يمكننا استعراض قول خالد بن يزيد مولى المهالبة، وهو يتحدث لابنه عن كيفية جمع ماله، ويوصيه بالكدية ويرغبه فيها ويعدِّد له صفات أصحابها، وكيف كان هو ذاته من أهلها، فقال: «إنى بت بالقفر مع الغول، وتزوجت من السعلاة، وجاوبت النسناس، وصحبنى الرئى، وعرفت خدع الكاهن وتدليس العراف وإلى ما يذهب الخطاطون والعياق، وما يقول أصحاب الأكتاف، وعرفت التنجيم والزجر والطرق والفكر، إن هذا المال لم أجمعه من القصص والتكدية ومن احتيال النهار ومكابدة الليل، ولا يجمع مثله أبدًا إلا من معاناة ركوب البحر، أو منة عمل سلطان، أو من كيمياء الذهب والفضة، قد عرفت الرأس حق معرفته، وفهمت كسر الإكسير على حقيقته».
 

ويبدو أن الولع بتحويل المعادن البخسة إلى ذهب قد أصاب بعض الخلفاء أيضًا، فمن المثير ما روى أنه فى أيام خلافة أبى جعفر المنصور، كان أحد رجال الدين المسيحى بمصر يكره البابا القائم على الكنيسة، آنذاك، وهو البابا مينا البطريرك السابع والأربعون لكنيسة الإسكندرية، فسار رجل الدين الموتور إلى بغداد وأرسل إلى الخليفة العباسى، قائلاً له: «إن بيت مال الملك خالٍ من المال، مع حاجته إلى النفقات للأجناد وتدبير المملكة، وبمصر إنسان بطرك كبير فى النصارى يعرف بعمل كيميا الذهب، ولأجل هذا قد ملأ كنيسته آلات ذهبية وفضة التى يقدمون فيها القرابين، وأنت أيها الملك السيد مستحق أن تكون فى خزانتك هذه الآلات العظيمة التى هى فى كنائس مصر من الذهب التى يعملون فيها ما لا يرضى الله، فلما كتب هذا النجس -حسب النص- هذه القصة وقف ينتظر يومًا يجد فيه الوسيلة لدفعها، ودفع لكل حاشية الملك مصانعات برطيل (أى رشاوى) حتى يقدموه…»، وبذلك فإن النص السابق يوضح لنا بجلاء أن هذه الفكرة الوهمية قد انتقلت فى بعض الأحيان لتداعب خيالات كبار رجال الدولة، وصولًا إلى الخلفاء، فصارت بابًا من أبواب الاحتيال عليهم.
 

كما عُرف البحث والتنقيب عن الآثار فى التاريخ الإسلامى باسم المطالب، هى جمع مطلب، وهى الكلمة التى أطلقتها النصوص التاريخية على الكنوز والدفائن، والقوم المطالبية هم الباحثون عن الكنوز، ويذكر المقريزى: أنها كانت مستعملة لهذا المعنى إلى عهده، وحسب دراسة الأستاذ الدكتور أحمد ناصف عن تاريخ المطالب فى مصر فقد شكَّلت المطالب آفة اجتماعية خطيرة نخرت فى عظام المجتمع المصرى إلى يومنا هذا، فانزلق المهووسون بها إلى السحر والشعوذة والتنطع وترك العمل والتنقيب عما تركته الأمم السابقة فى الأرض، مما كان أرضًا خصبة حرث فيها الدجالون والنصابون والمشعوذون وزرعوا فى عقول عامة الناس وخاصتهم أن الكنوز حبيسة الجن والحراس، ولابد من البذل والعطاء من بخور وذبائح، حتى يرضى الجن ويسمح لهم بأخذ المكان كله أو بعضه أو ما يسمح لهم منه.
 

ومن الواضح أن البحث عن الثراء والولع به قد تحول إلى ظاهرة فى مجتمعات التاريخ الإسلامى، مما دفع ابن خلدون إلى أن يعقد لها فصلًا مستقلًّا فى مقدمته، حيث أرجع كل هذا إلى التنطُّع من ضعفاء العقول، فقال: «إن كثيرًا من ضعفاء العقول يحرصون على استخراج الأموال من تحت الأرض ويبتغون الكسب من ذلك، ويعتقدون أن الأمم السالفة كلها مختزنة تحت الأرض أموالها مختومًا عليها بطلاسم سحرية لا يفض ختامها ذلك إلا مَن عثر على علمه واستحضر ما يجله من البخور والدعاء والقربان…».
 

لقد عبَّر ابن خلدون عن هذه القضية بشكل واضح، فقال: «وفى كل قطر وبلد من المهووسين والباحثين عن الغنى السريع دون كد ولا عمل، فأهل إفريقيا يبحثون عن كنوز الإفرنجة الذين كانوا قبل الإسلام والذين أودعوها باطن الأرض، ويبحثون عن السبيل إلى استخراجها، وأهل الأمصار بالمشرق يرون مثل ذلك أن أمم القبط والروم والفرس، قد أودعوا كنوزهم الأرض، ويحكون فى ما بينهم بعض الحكايات التى تشبه فى سردها الخرافات، فإذا قام بعض الطالبين بالحفر ووصل إلى موضع المال، فإذا كان ليس خبيرًا بفك الطلاسم وجد المال أو الكنز تحول ديدانًا أو هرب الكنز من أمامه أو يرى الأموال والجواهر ولكن الحراس من الجن سيوفهم منتصبة أو أن الأرض غارت بالكنز، حتى تظن أنه خسف».
 

وفى ذات المنحى، يقول: إن الكثير من طلبة البربر بالمغرب والذين يعجزون عن العمل وكسب الرزق، يتقربون إلى عامة الناس بحيل لكسب معاشهم بالنصب والاحتيال على الناس، فيرسمون لهم خطوط أهل الدفائن والكنوز، التى تخبر عن أماكن الدفائن والمطالب ويعطونهم الأمارات عليها فى أماكنها، يبتغون من العامة الرزق فيجعلونهم يحفرون الأرض خلسةً خوفًا من الحكام والعقوبات، وربما تكون عند هؤلاء الطلبة حيلة أو نادرة من الأعمال السحرية، فيتعلق به كثير من ضعفاء العقول، فيجمعون الناس على الحفر فى ظلمات الليل مخافة من الرقباء وعيون أهل الدولة.
 

وإذا لم يعثروا على شىء بعد حفرهم وتعبهم وبذل المال والرجال، يرجعون ذلك إلى الجهل بالطلسم الذى ختم به المطلب، يخادعون الناس، وهذا يدل على ضعف عقولهم وعقول ضحاياهم، وعجزهم عن السعى وكسب الرزق من غير تعب ولا مشقة، فإذا عجز عن كسب الرزق بالسعى والكد والفلاحة والصناعة، تمنى فى نفسه المال العظيم دفعة واحدة من غير تعب ولا مشقة، فينفق من المال الكثير، ويبذل قصارى جهده وتحصيل ما أنفقه فيبحث فى كل مكان ابتغاء تعويض خسارته على التنقيب والحفر على المطالب.
 

وممن يجدهم يحرصون على طلب المطالب والدفائن والكنوز المترفون فى كل عصر وحين من أهل الدولة والمسؤولين فيها، ومن أغنياء الأمصار المترفين والمتيسر حالهم مثل مصر، فنجد أكثر مَن تراهم من أهلها مغرمين بطلب المطالب والدفائن والطامعين فى إيجاده والبحث عنه، والدائمى السؤال عن شواذ الكنوز، والصعب منها، ويزيدون فى البحث عن طريقة تغوير الماء، لأنهم يعتقدون أن الكنوز موجودة فى مجارى الأنهار.
 

ويطالب الباحثون عن الدفائن والكنوز بالكيمياء كوسيلة للوصول إلى الدفائن والمطالب، ومن الطريف أن ابن خلدون يذكر كيف كان الطلاب المغاربة يوهمون المصريين أنهم قادرون على تغوير الماء فى باطن الأرض، لكى يستطيعوا الوصول إلى الكنوز، كما أنهم إذا فشلوا فى الوصول إلى المطالب تعللوا بجريان النيل، وأن الحفر لابد أن يتم عند انخفاض مياه النيل تشددًا بذلك عن الكذب، حتى يستطيعوا النصب والعيش على ما ينفقه عليهم المتيسرون من أهل مصر.
 

كما كان يتم إيهام ضعاف العقول بأنه يمكن تغوير المياه بالأعمال السحرية، ويوهم العامة والأثرياء بأن السحر متجذر فى مصر من الأولين، وآثاره باقية فى البرارى وغيرها، وما قصة فرعون وموسى عنهم ببعيد، ذكرت فى كتاب الله أكثر من مدة وفى أكثر من موضع. ويستمر ابن خلدون فى الحديث عن هذه القضية، قائلًا: «إن لهؤلاء الباحثين عن المطالب لهم أحوال عجيبة، فيسكنون المنازل المشهورة والدور المعروفة ويحفرون الحفر، ويضعون الشواهد التى يكتبونها فى صحائف، لينصبوا بها على ضعاف العقول، ويطالبونهم بالمال، ليشتروا به العقاقير والبخور لحل الطلاسم، ويقومون بتبخير المكان والحفر الذى حفروه، ويذبحون عليه بعض الحيوانات، وأن هذا الكلام لا أساس له»، ويقول ابن خلدون: إن الكنوز إن وجدت فهى فى حكم النادر على وجه الاتفاق، ليس هناك علم يقول إن الناس ادخروا أموالهم تحت الأرض، ويقومون بختمها بالطلاسم لا فى قديم الزمان ولا فى حديثه، والركاز الذى فرضه الفقهاء وورد فى الحديث إنما هو دفين الجاهلية. ويقول ابن خلدون أيضًا إن من دفن ماله وختم عليه بالأعمال السحرية وبالغ فى إخفائه، كيف يترك دليلًا أو أمارة لمَن يبتغيه ويكتبه فى صحائف حتى يجده أهل الأمصار والآفاق، وهذا مناقض تمامًا لمبدأ الإخفاء.
 

وفى النهاية، فإن الحديث عن الهوس بالكنوز والثراء السريع فى التاريخ الإسلامى هو أحد المداخل المهمة لفهم العديد من الحقائق المتعلقة بالتاريخ الاجتماعى والاقتصادى، والأهم من ذلك كونه أحد المدخلات المهمة لفهم تاريخ الذهن والفكر والهوس الشعبى بالدفائن وبحلم الثراء السريع قديمًا وحتى الآن.



أقرأ أيضا

البلد

الشخصيات المثيرة للجدل.. أراجوزات و"بتوع تلات ورقات" أم مهذبون ساخرون مثيرون للضحك؟

كثر في الآونة الأخيرة إطلاق لفظ "شخصية مثيرة للجدل" على شخصيات تتصدر المشهد السياسي والاجتماعي وتحدث صخبًا وضجيجًا وربما نفورًا واشمئزازًا..
البلد

هل ثمة توافق أميركي- إيراني يلوح في الأفق؟

على سيرة الحديث عن إمكان عقد لقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني، وضع كثيرون أيديهم على قلوبهم خشية تفاهمات قادمة، يخرج الخليج -والسعودية تحديدا- منها خالي الوفاض، "إيد ورا، وإيد قدام" على رأي المصريين.
البلد

موعد نهاية الرئيس أردوغان

خاصم الرئيس التركي أكثر مما صاحب، لا في صعوده السياسي، ولا في استحواذه على مؤسسات الدولة، ولا في علاقاته مع الدول الاستراتيجية في المنطقة، وجاء يوم يشهد فيه بدء تفرق الناس من حوله، وتراجع اقتصاد بلاده، ولا يد عربية أو أوروبية ممدودة للمساعدة.
البلد

المخدرات الحديثة «فيروسات العصر».. كيف تعرف الأسرة أن ابنها مدمن؟ وماذا تفعل بعد ذلك؟

خطر جديد يجتاح العالم بأسره ويتسلل متخفيًا إلى عقول الشباب وأجسادهم ويشكل وباءً جديدًا دون أن ينتبه إليه الناس.. تلك هي المخدرات الحديثة والتي تم استنساخها من المخدرات التقليدية وتصنيعها في مصانع ومعامل غير مرخصة لتتكاثر وتتوالد بعضها مع بعض بشكل سرطاني.
تأملات

نهاية الأسرة.. هل يوجد حل سحري يردع تسلط الآباء ويمنع تمرد الأبناء؟

في ظل التحولات الجنسية (الجندرية) التي تتسارع في هذا العالم سعياً لصناعة أنماط جديدة من (الأسرة)، تتكاثر الانتقادات التي تبلغ مبلغ الشتيمة أحياناً، للمجتمع الأبوي، باعتباره نمطاً أسرياً ماضوياً ينبغي دفنه وتجاوزه بلا رجعه.
البلد

د.بكري عساس يكتب: مصر تتحدث عن نفسها

من لندن إلى القاهرة في زيارة مع الأهل خلال إجازة عيد الأضحى المبارك، لمدة أربعة أيام؛ حيث تم ترتيب برنامج الزيارة بأن يكون اليوم الأول مخصصًا لزيارة متحف مقياس مستوى مياه النيل خلال موسم الفيضان السنوي في حي المنيل بالقاهرة
البلد

«الإخوان».. من سرقة الدين إلى سرقة أموال الهبات والصدقات

ما كشفه عضو مجلس شورى جماعة "الإخوان المسلمين" أمير بسام، مِن وجود اختلاسات وسرقات من أعلى قيادة في التنظيم الدولي للجماعة ومقره لندن، يدل على أزمة تنفي فكرة النقاء والطهارة التي تدعيها.