الاستهزاء بالأديان الوثنية يشوه نظرتنا للماضي

عصام الزهيري



الاستهزاء بالأديان الوثنية يشوه نظرتنا للماضي



فى تفسير قوله تعالى: «أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى. ألكم الذكر وله الأنثى. تلك إذا قسمة ضيزى» (النجم: 19- 22)، يقول الطبرى: «كما قيل للذكر: عباس، ثم قيل للأنثى: عباسة، فكذلك سمى المشركون أوثانهم بأسماء الله تعالى ذكره وتقدست أسماؤه، فقالوا مَن الله: اللات، ومَن العزيز: العزى، وزعموا أنهما بنتا الله، تعالى الله عما يقولون وافتروا، فقال جل ثناؤه لهم: أفرأيتم أيها الزاعمون أن اللات والعزى ومناة الثالثة بنات الله (ألكم الذكر) يقول: أتختارون لأنفسكم الذكر من الأولاد وتكرهون لها الأنثى، وتجعلون له الأنثى التى لا ترضونها لأنفسكم، ولكنكم تقتلونها كراهة منكم لهن».

 

ويستطيع القارئ أن يستخرج من الفقرة السابقة فى تفسير الآية خلافًا واضحًا بين عقيدة -أو عقائد التوحيد- وبين عقيدة -أو عقائد- الوثنية. فالوثنيون اعتقدوا أن صفات الله بنات أو أبناء له، ومن ثَمَّ اتجهوا إلى تجسيدها كما لو كانت آلهة صغيرة مقدسة ثم عبدوها بوصفها جزءًا من الله أو تجليًّا مقربًا له، وهو موقف يزداد وضوحًا باستحضار الآية الثالثة من سورة الزمر التى تقول:  «ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فى ما هم فيه يختلفون»، فالهدف من استحضار (الأولياء) -أى أولياء الله- عند الوثنيين كان التقرب إلى الله، وبما أن تلك هى دعواهم المعلنة، فالآية تحيل الأمر كله إلى الله الذ ى يشترك الجميع فى عبادته، وإلى علمه بالنيات وصدق الدعاوى والتوجهات، ليحكم بين الجميع فى ما هم فيه يختلفون.
 

سورة  «النجم» التى تنتمى إليها الآيات كما يقول السيوطى، هى والحواميم السبع وق والذاريات والطور وغيرها، سور مدنية، إذن لا يمكن نسبتها ابتداءً إلى المرحلة المكية التى يحيل البعض ما احتوته من آيات الحرية الدينية والجدالات الحكيمة المتسامحة مع المشركين إلى استضعاف النبى والمسلمين فى مكة. ومن ثَمَّ لا يمكن القول إلا أننا أمام تصور قرآنى مكتمل لا تشوبه ذرائع جدلية لمعنى «الشرك» وماهية الاختلاف بين عقيدة التوحيد فى الإسلام وعقيدة الوثنية القرشية على الأقل، إن لم يكن يجوز تعميم ذلك ليصدق على مجمل الخلاف بين عقائد التوحيد الدينية وعقائد التعديد الوثنية، وهو جائز بالفعل. وفى واقع الأمر فإن الخلاف نفسه لا يعدو فى طبيعته ومحتواه خلافًا آخر كلامى نُشب بين الفرق الإسلامية بدءًا من القرن الثانى أو أواخر الأول الهجرى، واشتهر بمسمى العلاقة بين الذات والصفات.
 

جوهر الخلاف المتشعب حول قضية «الذات والصفات» فى الإسلام يدور حول نفس التساؤل تقريبًا الذى يمكن اعتباره محور الخلاف بين عقائد التوحيد والوثنية، ألا وهو السؤال الذى يدور حول إن كانت الصفة هى الموصوف أو غيره. وكما يمكن التخمين أتت إجابات السؤال على ثلاثة جوانب: الأول أن الصفة هى عين الموصوف، وبالتالى لا تفرقة بينهما تقتضى سلب تنزيه الله، والثانى أن الصفة ليست هى الموصوف بما يترتب على ذلك من أشكال مختلفة للتوحيد والوثنية معًا، والثالث أن الصفة ليست الموصوف لكنها ليست غيره فى الوقت نفسه.


الجدال الأشهر فى مضمار تفصيل هذه الجوانب العريضة هو الذى جرى بين الأشاعرة والمعتزلة، حيث قال الأشاعرة بطريقتهم التوفيقية المعروفة: أن الصفة ليست هى الموصوف وليست غيره، ومنه قول أبى الحسن الأشعرى: «الموصوف قديم، والصفة قديمة، ولا يقول عند الجمع: قديمان، كما لا يُقال عند الجمع: لا هو الموصوف ولا غيره »، أما المعتزلة الذين اشتهروا بمسمى «أهل التوحيد»، فقد وقفوا عند التنزيه المطلق لله كأصل أول من الأصول الخمسة، فرأوا أن الفصم بين الذات والصفات يقتضى التعدد، وقالوا إن الله واحد ليس كمثلة شىء، وأن ذاته ليست مؤلفة من جوهر ذى أعراض وأنه بسيط يستحيل عليه التجزؤ، لا شريك له من أى جهة ولا كثرة فى ذاته، وهو مفهوم استعاروه كما هو واضح من الفلسفة اليونانية رغم وثنيتها.
 

المثير فى هذا السياق أن خلاف «الذات والصفات» الذى نُشب بين عقائد التوحيد وعقائد الوثنية هو نفسه الخلاف الذى نُشب بين عقائد التوحيد وبعضها مع بعض، تمامًا كما رأينا كان هو الخلاف نفسه الذى نُشب بين أتباع كل دين توحيدى على حدة. فلا يخفى أن قضية «الذات والصفات» تكاد تكون هى نفسها قضية الخلاف التفسيرى على معنى التوحيد بين الديانات السماوية، أو بالأحرى بين المسيحية من جهة واليهودية والإسلام من جهة أخرى، ففى المعتقد التوحيدى المسيحى الذى عرف فكرة «الأقنوم»، وهى كلمة من أصل يونانى تعنى لاهوتيًّا «ما يقوم عليه الجوهر»، وهو عين التعريف الذى يمكن أن نقدمه بلغة اللاهوت المسيحى لمعنى «الصفات». وفى المعتقد المسيحى أن الأقانيم ثلاثة: الآب والابن والروح القدس. «الآب» هو الله من حيث الجوهر وهو  «الأصل» من حيث الأقنوم، و«الابن» هو الله من حيث الجوهر، وهو «المولود» من حيث الأقنوم، و«الروح القدس» هو الله من حيث الجوهر وهو  «المنبثق» من حيث الأقنوم.
 

بالعرض السابق نكون قد وقفنا على جذر خلاف عقائدى صميم ومفرق، ليس بين العقائد الوثنية والتوحيدية فقط بقدر ما أنه خلاف يرتبط بكل تصور بشرى لله والمطلق، والمطلق كما هو معروف تصور لا يستطيع العقل البشرى الوصول إليه من حيث المبدأ، لا يدخل فى خبرته، ولا يمكن للعقل الاقتراب منه بالتصور المجرد، ويشتبه على الذهن مهما حاول التمعن فيه وتأمله. وهى مسألة لا تتصل بالفروق بين العقائد الوثنية والعقائد التوحيدية وحدها، لكنها تتصل أيضًا بالفروق بين العقائد التوحيدية فى الأديان المختلفة وبعضها مع بعض، كما تتصل بالفروق بين تصورات الفرق والمذاهب العقائدية واللاهوتية داخل كل دين وبعضها مع بعض. وهو ما يضعنا فى مواجهة التباس وضع المقال على عاتقه تبديده من خلال عنوان يلح على إعادة الاعتبار للعقائد الوثنية.
 

المقصود بإعادة الاعتبار تلك ليس طرح العقائد الوثنية كما لو كانت عقائد حية أو قابلة لإعادة الإحياء والاعتناق، فبعد مضى ما يقرب من 3000 عام على ظهور أولى كبرى ديانات التوحيد الباقية لليوم وهى اليهودية، و2000 عام على ظهور ثانيتها وكبراها فى زماننا وهى المسيحية، و1500 عام على ظهور آخرها ومن كبراها فى زماننا أيضًا وهى الإسلام، صار من الظاهر أن عودة المعتقد الوثنى بحالته التى بدأت منذ مئات أو آلاف السنين صارت أمرًا عسيرًا جدًّا إن لم يكن مستحيلًا، وهو فى كل حال ليس أمرًا فارقًا ولا متطلبًا من أية جهة من الجهات، فلم يحدث تقريبًا أن عادت عقيدة دخلت متحف العقائد البشرية إلى الحياة مرة أخرى، لأن تاريخ التطور العقائدى البشرى عمومًا يصعّب للغاية حدوث ذلك، كما أن عودة معتقد بائد إلى الحياة تقتضى عودة الشروط الاجتماعية والفكرية الخالقة له فى سياقه الزمنى المنقضى، وهو أمر بالتالى شبه مستحيل.
 

إذن يقصد بإعادة الاعتبار للأديان الوثنية أمرًا أظنه يخدم ديانات التوحيد وحدها لا غيرها باستبعاد تجميد السياق الزمنى عند لحظة الصراع السياسى المحتدم والعنيف بين عقائد التوحيد والوثنية، وهى لحظة «تحطيم الأصنام» التى آذنت فى تاريخ مضى لإعلان وجود وقيام وحلول المرحلة التوحيدية فى عقائد القسم الأكبر من البشرية حول العالم. لحظة العنف تلك شابها فى أوانها جدال شديد ونكير شديد وتوتر شديد بين الوثنيين والتوحيدين من كل الأديان. وهو ما خلّف حسًّا عامًّا من الإنكار تختلف حدته وتتوزع على مساحة طيفية بين مختلف أتباع أديان التوحيد وداخل كل دين على حدة، ورغم انتهاء أسس وجود هذا الحس بانتهاء الصراع ذاته واندثار معظم ديانات الوثنية من المناطق التى سادتها تاريخيًّا أديان التوحيد. هذا العنف الذى يمكن تلمس العديد من مظاهره فى مشاعر كثير من الموحدين -فضلًا عن فتاوى التحريم المتشددة- تجاه التماثيل والصور (الأصنام سابقًا) على سبيل المثال، وكأنه لايزال فى متناول عقول البشر القفز للوراء فوق الأزمنة وإلغاء ما حققه الجدل بين التصورات المختلفة من ارتقاء بالمضمون العام لتصور العقل للوجود الإلهى ووعيه بإشكاليات هذا التصور.
 

الالتباس الأقوى الذى ينجم عن هذا العنف الضمنى الموروث المختلط بمشاعر كراهية واحتقار واستهزاء تجاه أديان الوثنية هو حرمان العقل التوحيدى من تمثل وفهم جذور ارتقاء العقائد التوحيدية ذاتها، كما يعيقه عن تمثل وتجسيم خلفيات ومدلولات العقائد الوثنية والأبعاد الرمزية المكثفة المتضمنة فيها وعلاقتها بأزمانها ومجتمعاتها، وهو ما يؤدى إلى تشويه الفهم لماضى وتاريخ البشرية وتمثل معانى تقدمها فى الزمان، ويعيق من باب أولى نظرة التقدير المستحقة للكفاح الحضارى البشرى، وللحضارة -أو للحضارات- البشرية الأولى، ومن بينها حضارتنا المصرية العظيمة الخالدة، حيث لا يزال يترسخ لدى البعض وهم جدارة معتقدات ومنجزات هذه الحضارة بالاستهزاء والتسفيه، لا جدارتها بالدرس والفهم والتمحيص. الثابت بالفعل من علم تاريخ الأديان أن الديانات الوثنية القديمة كان الكثير منها ينطوى على رؤى كونية وفلسفية وطقوس شعائرية لا يمكن وصفها حتى اليوم إلا بالرقى والجمال والجلال، وأنها لم تكن كما ترسب فى العقل التوحيدى العام محض تعبُّد ساذج وغبى للأحجار والأشجار والنجوم والحيوانات والكواكب، لكنها كانت فى مجملها بنت بيئتها وثقافتها وزمانها وسياقها المعرفى والحضارى، تمثل هذا السياق وتعبر عنه أفضل تمثيل وتعبير.
 

وبخصوص الإسلام بالذات، وكما يبدو من آيات القرآن كانت المعضلة مع تجار قريش هى اتخاذهم من الدين تجارة، ومن الأوثان وعقائدها مشروعًا للإثراء والتكسُّب وحيازة القوة، وفرض الهيمنة والاستنزاف من خلال ذلك على القبائل الأخرى فى الجزيرة. تجار قريش الوثنيون لم يكونوا صادقين فعلًا وقولًا واعتقادًا كما يبدو من سخرية الآيات من إجلالهم الظاهرى للأنثى لدرجة نسبتها إلى الألوهية ثم امتهانهم وكراهتهم واقعيًّا لها لحد وأدها، وهى الظواهر التى لم تعانِ منها الأديان الوثنية وحدها بل عانت ولا تزال تعانى منها أديان التوحيد. 



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.