مطاردة دليل دامغ فى التحقيقات بشأن ترامب

جوليان زيلزير



مطاردة دليل دامغ فى التحقيقات بشأن ترامب



ترجمة: أميرة جبر عن «سى إن إن»

 

فى الوقت الذى ننتظر فيه إصدار روبرت مولر تقريره، وفى الوقت الذى يبدأ فيه الديمقراطيون تحقيقات فى شأن إدارته، يتساءل الكثيرون ما إذا كان هناك دليل دامغ يثبت أن الرئيس دونالد ترامب، يستحق سحب الثقة منه.

 

إن محاولة البحث عن دليل دامغ فى تحقيق فيدرالى ليست بجديدة. ففى جميع التحقيقات منذ فضيحة «ووترجيت» الخاصة بريتشارد نيكسون، افترض السياسيون أنه من الضرورى العثور على دليل ملموس يثبت بكل تأكيد أن الرئيس قد ارتكب «جرائم كبرى وجنحًا». فى حالة فضيحة «إيران- كونترا» الخاصة برونالد ريجان، لم يتم العثور على دليل دامغ. وفى حالة الرئيس بيل كلينتون، كان الدليل الدامغ فستان مونيكا لوينسكى الأزرق.
 

غير أن توقع العثور على دليل قاطع فى غير محله، وكثيرًا ما يحجب الصورة العامة.
 

لن يكون كل تحقيق مثل «ووترجيت»، حيث صوتت اللجنة القضائية التابعة لمجلس النواب على بنود سحب الثقة فى يوليو 1974، وصوتت المحكمة العليا بالإجماع على أن الرئيس نيكسون لا يستطيع استخدام صلاحيات السلطة التنفيذية، ليمنع نشر تسجيلات البيت الأبيض.
 

ومن ضمن التسجيلات كان هناك شريط ليوم 23 يونيو 1972 -أى بعد مرور 6 أيام على عملية السطو على مقر الحزب الديمقراطى، والتى شكلت الحدث المركزى فى قضية «ووترجيت»- وقال الرئيس نيكسون فى هذا التسجيل إنه يريد من وكالة الاستخبارات المركزية «سى آى إيه» أن توقف تحقيق مكتب التحقيقات الفيدرالية «إف بى آى».
 

الأمر واضح: إعاقة سير العدالة.
 

تذكر مستشار الأمن القومى ووزير الخارجية السابق هنرى كسينجر، فى مجلة «تايم»: «كان الشريط القشة التى قصمت ظهر البعير»، متابعًا: «لقد وفَّر الشريط المبرر للمترددين، ليدعموا سحب الثقة. ولغيرهم أن يتخلوا عن نيكسون. وفى هذا التوقيت كانت قد حدثت صدمات عديدة، وكان الجميع يرغب فى إنهاء المسألة». وفى يوم 5 أغسطس 1974، استمع الشعب إلى الشرائط.
 

وبعد مرور يومين، وعند مطالعته النص الكامل، قال النائب الجمهورى عن نيويورك باربر كونابل، إن الشرائط يبدو أنها دليل دامغ، والتقى عضوا مجلس الشيوخ الجمهوريان بارى جولدووتر وهيو سكوت، ليقولا للرئيس إن أمره قد انتهى. وفى يوم 8 أغسطس أعلن نيكسون استقالته.
 

ومنذ تلك اللحظة الأسطورية فى التاريخ الأمريكى، وصل «الدليل الدامغ» إلى مكانة خرافية فى الفضائح الرئاسية. والمشكلة هى أن القصة تبالغ فى أهمية دور هذا النوع من الأدلة.
 

أجل، فحتى فى حالة نيكسون، كانت اللجنة القضائية التابعة لمجلس النواب قد صوتت بالفعل لصالح 3 من بنود سحب الثقة بدعم جمهورى قبل أن أصبحت الشرائط فى متناول يد العامة. وكان قد جاء القرار بعد أشهر من تحقيقات الكونجرس والنيابة العامة -بناءً على شهادة الشهود والأدلة الوثائقية- والتى كانت قد شكلت صورة لكيفية انتهاك نيكسون سلطاته الرئاسية. وما كانت ستصبح لشريط الدليل الدامغ قوة «الخاتمة» إلا نتيجة العمل الذى كان قد قام به الكونجرس.
 

وبالطبع، ربما يكون هناك دليل دامغ مشابه نعثر عليه اليوم، ولعله مرتبط باتصالات بين فريق ترامب والرئيس الروسى فلاديمير بوتين.
 

ولكن على الأرجح، ما من دليل دامغ آتٍ. لم يظهر شىء من هذا النوع حتى الآن. وفى شهادته أمام الكونجرس، أوضح مايكل كوهين أنه حتى لو كان هناك تواطؤ، فإن الرئيس ترامب أكثر حذرًا من ذلك، ففى داخل منظمة ترامب، يزعم أنه يرسل إشاراته لما يتم القيام عبر شفرة وتفاهمات مشتركة. قال كوهين للجنة الرقابة: «لا يطرح عليك أسئلة، ولا يعطيك أوامر، يتحدث بشفرة. وأفهم الشفرة لأننى حوله منذ 10 سنوات».
 

لا ينبغى أن يركز الكونجرس على الدليل الدامغ، ولا ينبغى أن تجعله اللجان محور التحقيق. فحتى فى حالة عدم وجود قطعة أدلة واحدة «تثبت» كل شىء، ربما يكون هناك ما يكفى، فى المعلومات المتاحة للكونجرس، إضافةً إلى الشهادات والأدلة الداعمة، لدعم حجة قوية ببدء عملية سحب الثقة رسميًّا.
وعوضًا عن ذلك، يحتاج المحققون فى الكونجرس إلى الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الأكبر، لتحديد ما إذا كانت إجراءات سحب الثقة ضرورية قبل بدء انتخابات 2020. وجانب من عملهم سيكون تحديد مدى جدية التعامل مع الطرق التى أعاق بها الرئيس سير العدالة علنًا. فعلى عكس الرئيس نيسكون، قام ترامب بأغلب أعماله القذرة فى العلن. وكما قال رئيس اللجنة القضائية التابعة لمجلس النواب جيرى نادلر، فى عطلة نهاية الأسبوع الماضى، فإنه «من الواضح جدًّا» أن الرئيس قد أعاق سير العدالة.

 

وهناك حجة قوية، بناءً على السجل العام وحده، بأن ترامب قد «منع وأعاق وعرقل إقامة العدل»، استشهادًا بالبند الأول فى سحب الثقة من نيكسون. لقد وبَّخ الرئيس مسؤولى وزارة العدل ونشر الشكوك حول شرعية سلطات إنفاذ القانون والمؤسسات الاستخباراتية، حتى إنه اتهم نائب مدير الـ«إف بى آى» السابق أندرو ماكيب، بمحاولة تنفيذ انقلاب.
 

كما فصل ترامب مدير الـ«إف بى آى» جيمس كومى، ثم تباهى أمام مسؤولين روسيين بأنه قد أزال «ضغطًا كبيرًا» عن تحقيق روسيا، وقال لقناة «إن بى سى نيوز» بينما تسجل الكاميرات أن فصل كومى كان نتيجة «موضوع روسيا». كما استخدم «تويتر» للإشادة بالشهود الذين لا يتعاونون مع مولر، مثل روجر ستون.
 

كما فصل النائب العام جيف سيشنز، الذى أفادت تقارير عدة أنه كان محور غضب ترامب، لأنه استشعر الحرج فى تحقيق روسيا، ثم استبدل به ترامب القائم بأعمال النائب العام ماثيو ويتيكير، ثم النائب العام ويليام بار، وكلاهما انتقد تحقيق مولر.
 

وتأتى هذه الأفعال بالإضافة إلى تقرير لجريدة «نيويورك تايمز» يفيد أن الرئيس ضغط على ويتيكير، ليجعل المدعى العام جوفرى بيرمان، وهو أحد حلفاء ترامب، يعود عن استشعاره الحرج، حتى يتمكن من الإشراف على تحقيق مولر.
 

كما أن هناك تقارير موسعة وشهادات علنية تشير إلى أن المشكلة أكبر كثيرًا مما كنا نتصور، مثل مساهمة ترامب فى صياغة رواية كاذبة لاجتماع يوم 9 يونيو 2016 فى برج ترامب. وقدَّم تقريرًا من معهد بروكينجز، شارك فى كتابته نورم أيزن الذى يعمل الآن مع اللجنة القضائية، قدم توثيقًا موسعًا للأدلة الموجودة لدى الكونجرس الآن.
 

كما يجب أن تحاول لجان الكونجرس فهم ما إذا كانت المصالح السياسية والاقتصادية الشخصية للرئيس قد وجهت قراراته فى السياسة العامة. ويدخلنا هذا فى مشكلة تضارب المصالح التى لطالما واجهت هذه الإدارة.
 

فمع وجود رجل أعمال فى المكتب البيضاوى يرفض فصل نفسه وعائلته تمامًا عن أعماله، أصبحت الحكومة عرضة لمشكلة تضارب المصالح تقريبًا فى كل منعطف. وهذا التضارب متصل بتحقيق روسيا، لأنه تبين أن الرئيس كان يتفاوض خلال الحملة على صفقة لبناء برج ترامب فى موسكو. هذا الأمر متصل بفهم ما حدث فى حفل التنصيب، حيث كان هناك إنفاق مثير للشكوك من قِبَل لجنة تنصيب ترامب فى فندق ترامب الدولى فى واشنطن.
 

وأخيرًا، يجب أن ينظر الكونجرس إلى ما إذا كان ترامب ينتهك سلطته الرئاسية. فى مقالتها الرائجة فى مجلة «نيويوركر» وضعت جاين ماير المشكلة فى الواجهة بتغطيتها كيف حاول الرئيس منع اندماج شركتَى «تايم وارنر» و«إيه تى آند تى» على ما يبدو نتيجة استيائه من تغطية قناة «سى إن إن».
 

حتى إن استخدامه الشرس للسلطة الرئاسية لتأمين تمويل جدار حدودى، بناءً على أزمة مصطنعة على الحدود، قد جعل بعض الجمهوريين يفترقون أخيرًا عن الإدارة. ونشرت «نيويورك تايمز» و«سى إن إن» تقارير تفيد أنه قد ضغط على موظفيه، ليعطوا ابنته إيفانكا وزوجها جارد كوشنر، تصريحات أمنية على الرغم من وجود توصيات بعدم القيام بذلك. ومنذ نيكسون وانتهاك السلطة الرئاسية فى قلب ما يحرك الكونجرس نحو اتخاذ إجراء ضد البيت الأبيض.
 

وبالتالى، بدلًا من التركيز على العثور على دليل دامغ، يحتاج الكونجرس إلى أن يساعد الشعب، ليستوضح هذه الأمور الثلاثة الكبرى، وليفهم عبر سؤال الشهود والعثور على الوثائق حقيقة رئاسة ترامب.
 

وفى النهاية، ربما تجد اللجان أنه فى الوقت الذى ارتكب فيه الرئيس الكثير من الأفعال غير الأخلاقية وغير القانونية حتى، لا يوجد دعم سياسى كافٍ للمُضى قدمًا فى إجراءات سحب الثقة. أو ربما يصلون إلى محصلة أخرى ويكتشفون أن هذه الأدلة لا تترك أمامهم أى خيارات سوى النظر رسميًّا فى سحب الثقة ما إذا رغبوا فى الالتزام بواجبهم الدستورى فى الحفاظ على نظام الضوابط والتوازنات.
 


 

جوليان زليزر
أستاذ التاريخ والشؤون العامة بجامعة برينستون الأمريكية، يكتب عمودًا أسبوعيًّا على موقع قناة «سى إن إن» الأمريكية، ألف مع كيفن كروس كتاب «انقسامات.. تاريخ الولايات المتحدة منذ 1974».



أقرأ أيضا

البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...
البلد

ترامب.. استراتيجية الانتصار!

في الوقت الذي يواصل فيه الديمقراطيون التصعيد ضد ترامب، في قضية أوكرانيا، على أمل أن ينجحوا بعزله، وهي المهمة المستحيلة، التي يعملون عليها، منذ أن فاجأ ترامب أميركا والعالم، بفوزه غير المتوقع بالرئاسة، يجوب ترامب القارّة الأميركية متحدّيا.
البلد

الأكراد.. تاريخ من الدم وحاضر من الفشل

عندما بدأت تركيا في التاسع من أكتوبر الماضي غزوًا وعدوانًا واحتلالًا عسكريًّا على مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطي (قسد) في شمال شرقي سوريا، ادَّعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن الهدف من هجومه هو تدمير "ممر الإرهاب" على الحدود الجنوبية لتركيا، غير أن كل الدلائل السياسية، التي سبقت العدوان العسكري التركي ضد قوات سوريا الديمقراطية، كانت تشير إلى هذه النهاية المأساوية لهذه القوات...
البلد

الجوكر وباتمان.. فن صناعة الشر

آرثر فليك، نموذج للمواطن الأمريكي الفقير المهمش الذي يحاول أن يجد له موضع قدم ولقمة عيش وسط مجتمع رأسمالي ساحق للفقراء بالعمل كمهرج أجير في النهار؛ أملًا منه في أن يكون فنان "ستاند أب كوميدي" في المساء.