ما تكتبه يا فالح هاكتبه أنا؟!.. 1919 حكاية ثورة.. حكاية شعب

عماد أبو غازى



ما تكتبه يا فالح هاكتبه أنا؟!.. 1919 حكاية ثورة.. حكاية شعب



«ما تكتبه يا فالح هاكتبه أنا».. كانت هذه الكلمات رد سعد زغلول على الشاب محمد صبرى الذى كان يدرس التاريخ فى جامعة السوربون، وكان عضوًا بالجمعية المصرية بباريس، وتطوع للعمل سكرتيرًا للوفد المصرى فى باريس سنة 1919.

 

قال الشاب الصغير لقائد الثورة: إذا كنت تريد للثورة أن تستمر فلابد قبل السلاح والحماسة أن تكتب تاريخ مصر، فكانت هذه الكلمات رد سعد عليه، ولم يكذب الشاب خبرًا كما يقولون، فأصدر كتاب «الثورة المصرية من خلال وثائق حقيقية وصور التقطت أثناء الثورة»، والذى نُشر فى باريس بالفرنسية قبل نهاية عام 1919، وكان الكتاب أول كتبه فى التاريخ، كما كان أول كتاب يصدر عن ثورة 1919.
 

أصبح الشاب بعد سنوات قليلة واحدًا من أعمدة المدرسة القومية فى التاريخ المصرى، وكتب فى التاريخ والأدب والاجتماع، واشتهر باسم صبرى السوربونى، وصدر له بعد هذا الكتاب كتب عديدة عن تاريخ مصر الحديث، وبالمثل صدرت بعد هذا الكتاب أيضًا عشرات الكتب عن ثورة 1919، كبرى الثورات المصرية فى العصر الحديث. واليوم تمر مئة عام على بداية هذه الثورة وما زال المشتغلون بالتاريخ والمهمومون بقضايا الوطن يبحثون فى هذه الثورة ويكتبون عنها. لقد ترك لنا سعد زغلول مذكراته التى تعد وثيقة حيَّة لتاريخ مصر، وترك لعمدة المشتغلين بالتاريخ محمد صبرى السوربونى، وصيته بأن يكتب التاريخ، فكتب وما زلنا نكتب.
 

حكاية ثورة 1919 هى صفحة من كتاب الوطن، صفحة مضيئة من تاريخ مصر، قدَّم فيها المصريون 800 شهيد و1600 جريح خلال شهر واحد، حسب بيانات سلطات الاحتلال، وقدموا نماذج ملهمة للعمل الثورى على مدى خمس سنوات هى عمر الثورة بجميع مراحلها. فقد كانت البداية الأولى يوم 13 نوفمبر سنة 1918، والنهاية مع نهاية عام 1923 بإجراء الانتخابات العامة وَفقًا لدستور 1923، وتولِّى حكومة سعد زغلول، حكومة الشعب، السلطة فى يناير 1924.
 

ثورة 1919 تتويج لنضال طويل متواصل للمصريين، أخذت أهدافه تتبلور تدريجيًّا منذ ثورة المصريين فى يوليو سنة 1795 ضد طغيان أمراء المماليك، لقد سارت تلك الأهداف فى اتجاه أساسى: انتزاع حقهم فى إدارة أمور بلادهم بأنفسهم، أو ما عبَّرت عنه الحركة الوطنية المصرية منذ سبعينيات القرن التاسع عشر وصاغته فى شعار «مصر للمصرين»، ذلك الشعار الذى تحول منذ مطلع القرن العشرين إلى مطلبَين محددَين: الاستقلال والدستور، وكان المطلبان هدفَين كبيرَين لثورة 1919.
 

واتسم النضال من أجل تحقيق الاستقلال والدستور عبر عقود طويلة بالتدرج والمعارك الجزئية الصغيرة والمعارك الكبيرة التى تأخذ شكل الثورات، مثلما حدث فى الثورة العرابية سنة 1881 وثورة 1919، تلك المعارك التى يتحقق من خلالها نصر هنا وآخر هناك، وانتكاسة هنا أو هناك فى الطريق من أجل أن نصل إلى الهدف فى النهاية.. وكانت ثورة 1919 واحدة من هذه المعارك، بل أكبرها وأهمها، فماذا حقق الشعب فيها من خطوات فى اتجاه تحقيق الهدفين الكبيرين لنضاله: الاستقلال والدستور؟
 

نبدأ الحكاية من أولها، فى سنة 1914 قامت الحرب العالمية الأولى ودخلت تركيا الحرب إلى جانب ألمانيا والنمسا ضد إنجلترا وفرنسا، فأعلنت إنجلترا الحماية على مصر وأنهت علاقتها بالدولة العثمانية التى استمرت 400 سنة تقريبًا، استمرت الحرب لأربع سنوات عانت فيها مصر التى كانت خاضعة لسلطة الاحتلال البريطانى منذ عام 1882 شدائد جديدة فوق شدة الاحتلال.
 

فمع اشتعال الحرب سنة 1914 فرضت الأحكام العرفية على البلاد، وأعلنت الحماية البريطانية رسميًّا، كما جمع الإنجليز مئات من المصريين وحشدوهم حشدًا، ليشاركوا فى الحرب، هذا فضلًا عن أن بعض المعارك بين الحلفاء وخصومهم دارت على أرضنا، وفى أواخر عام 1918 لاحت فى الأفق بوادر انتهاء الحرب، وفى 11 نوفمبر عقدت الهدنة بين ألمانيا والحلفاء، لتنتهى أكبر حرب عرفتها البشرية حتى ذلك الوقت، ولتخرج إنجلترا وحلفاؤها منتصرين.
 

وبعد إعلان الهدنة بساعات تقدم سعد زغلول باشا الوكيل المنتخب للجمعية التشريعية، وزميلاه فى الجمعية عبد العزيز فهمى بك وعلِى شعراوى باشا بطلب لمقابلة السير ريجنلد ونجت المندوب السامى البريطانى، لطلب الترخيص لهم بالسفر إلى لندن، لعرض مطالب الأمة المصرية، وتحدد للمقابلة يوم 13 نوفمبر سنة 1918، الذى صار منذ ذلك الحين عيدًا للجهاد الوطنى، ورفع الزعماء الثلاثة مطالب الأمة فى الاستقلال وإنهاء الأحكام العرفية وإلغاء الرقابة على الصحف إلى المندوب السامى البريطانى فى مصر.
 

وعقب المقابلة تألَّفت هيئة تسمى «الوفد المصري»، إشارة إلى أنها وفد مصر للمطالبة باستقلالها، وقد تألَّف الوفد برئاسة سعد زغلول باشا ومعه فى البداية ستة أعضاء، وحتى يثبت الوفد المصرى نيابته عن الأمة تم الاتفاق على صياغة توكيل يوقع عليه أعضاء الهيئات النيابية القائمة فى ذلك الحين، وأكبر عدد ممكن من أصحاب الرأي، ثم اتسع نطاق الحملة ليشمل الأمة جمعاء.
 

وإذا كانت حكومة حسين رشدى باشا قد سمحت للوفد بجمع التوقيعات على التوكيلات، فإن موقف السلطات البريطانية كان مختلفًا، لقد رأت السلطة العسكرية البريطانية أن حركة التوكيلات توشك أن تكون أساسًا لنهضة وطنية عامة تطالب بالاستقلال التام للبلاد، فعملت على إحباطها فى مهدها، فضرب المستشار البريطانى لوزارة الداخلية المصرية عرض الحائط بأوامر رئيس الوزراء بعدم التعرض لحركة جمع التوقيعات، وأصدر أوامر مباشرة إلى المديرين بمنع تداول التوكيلات أو التوقيع عليها بكل ما لديهم من قوة، وبالفعل صادرت وزارة الداخلية بعض التوكيلات التى تم التوقيع عليها، وبدأت فى ملاحقة كل مَن يقوم بجمع التوقيعات.
 

وكان رد فعل الوفد المصرى رسالة إلى حسين رشدى باشا رئيس الوزراء ووزير الداخلية، وقد أكد حسين رشدى باشا فى رده على الرسالة موقف حكومته المؤيد لحركة جمع التوقيعات على التوكيل، فاتسعت الحركة وازدادت نشاطًا، ومن ناحية أخرى ضم الوفد إليه أعضاءً جددًا وسعى سعيًا متواصلًا للحصول على ترخيص للسفر، لحضور مؤتمر الصلح وعرض مطالب الأمة المصرية، الأمر الذى رفضته بإصرار سلطات الاحتلال البريطاني. وأمام تعنُّت السلطات البريطانية توجه سعد وصحبه بمذكرة إلى مندوبى الدول الأجنبية فى مصر يشرحون فيها مطالب الأمة، أما رئيس الحكومة حسين باشا رشدى فقد تقدم باستقالته احتجاجًا على رفض بريطانيا التفاوض مع الحكومة المصرية.
 

وخلال شهرَى يناير وفبراير سنة 1919 تصاعدت حركة الوفد المصرى واتسع نطاقها، وتنوعت أشكال الحركة ما بين جمع التوقيعات، وعقد الاجتماعات العامة، وإلقاء الخطب فى المحافل المختلفة، وإصدار النشرات التى تعرف الناس بنشاط الوفد وسعيه لتحقيق الاستقلال.
 

وفى عصر يوم 8 مارس 1919 وصلت الأمور إلى منتهاها عندما ألقت السلطات البريطانية القبض على سعد زغلول وثلاثة من صحبه، هم: محمد محمود باشا وإسماعيل صدقى باشا وحمد الباسل باشا، ورحَّلتهم فى اليوم التالى إلى بورسعيد، ومن هناك أقلتهم إحدى السفن إلى المنفى فى مالطة.
ولم يكن خبر القبض على سعد وصحبه يشيع بين الناس حتى انفجر غضبهم يوم 9 مارس 1919، لتبدأ بذلك الثورة، ثورة سنة 1919.

 

لقد بدأت الثورة ردًّا على نفى سعد ورفاقه إلى مالطة، فتحولت حركة الوفد من حركة سلمية هادئة إلى ثورة عارمة عنيفة، أنتجت أشكالًا نضالية متنوعة ومتعددة ومتغيرة بتغيُّر الظروف، وكانت التوكيلات الشعبية للوفد أول هذه الأشكال النضالية وأهمها، لقد كانت التوكيلات وسيلة لحشد الجماهير والدعاية إلى أهداف الثورة ولتشكيل مجموعات منظمة نشطت لعدة أشهر ونجحت فى تفجير الثورة والاستمرار بها إلى أن أرغمت السلطات البريطانية على التراجع، كما كانت فى الوقت نفسه بمثابة عقد وكالة واتفاق بين الشعب وقيادته، تلزم هذه القيادة بعدم الخروج عن حدود الوكالة، وتحدد أهداف النضال وتقييد إمكانيات التنازل، وقد ظهر ذلك جليًّا عندما قبل سعد زغلول تشكيل الوزارة بعد الانتخابات البرلمانية التى اكتسحها الوفد عقب صدور دستور 1923. لقد رد سعد على الملك فؤاد فى خطاب قبوله تشكيل الوزارة، معلنًا أنه يقبل تشكيل الوزارة فى حدود الشروط التى تقبلها الأمة.
 

وطوال مرحلة الثورة وما أعقبها استخدمت كل الأشكال النضالية وَفقًا للظروف، لجأت إلى أشكال الاحتجاج السلمى كجمع التوقيعات على العرائض والخطابات المفتوحة للسلطات وللمجتمع الدولى والإضرابات والاعتصامات والتظاهر السلمى والمقاطعة بما فيها حملات مقاطعة البضائع الأجنبية، كما لجأ الثوار إلى الأشكال العنيفة كقطع السكك الحديدية وخطوط التلغراف والطرق البرية، والأعمال المسلحة المختلفة ضد قوات الاحتلال، وأبدعت الثورة سنة 1919 وفى ذروة الأحداث شكلًا نضاليًّا جديدًا تمثل فى إعلان استقلال بعض المدن وإدارتها إدارة ذاتية، وأشهرها جمهورية زفتى.
 

استمرت المرحلة الأولى من الثورة قرابة شهر، حتى رضخت سلطات الاحتلال وأفرجت عن الزعماء، وسمحت لهم بالسفر إلى باريس، وألغت القيود على سفر المصريين إلى خارج البلاد.
وهكذا تحقق أول انتصار للثورة، أما الهدفان الأهم والأعمق والأبعد للثورة، الاستقلال والدستور، اللذان هما هدفا الحراك الشعبى فى مصر على مدى ما يزيد على قرن، فقد استمرت المعارك من أجل تحقيقهما ولم تتوقف بتحقيق الهدف المباشر للثورة.

 

لقد نجحت الثورة فى إلغاء الحماية رغم إقرار مؤتمر الصلح لها، فكان لاستمرار الثورة لأسابيع وشهور بعد الإفراج عن الزعماء أثره فى إنهاء الحماية البريطانية على مصر وسعى بريطانيا للدخول فى مفاوضات، لتحديد شكل علاقتها بمصر، وفى هذا السياق تشكلت لجنة ملنر البريطانية، لتضع تصورًا من خلال استطلاع رأى المصريين، ومرة أخرى كانت مقاطعة المصريين للجنة تعبيرًا عن استمرار الثورة ورفض المماطلة البريطانية. لقد أنتجت الثورة بعد ثلاث سنوات الاعتراف باستقلال مصر من جانب واحد بصدور تصريح 28 فبراير سنة 1922، الذى اعترفت فيه بريطانيا بمصر مملكة مستقلة، مع التحفظات الأربعة التى شكَّلت انتقاصًا من هذا الاستقلال، وكان التصريح تعبيرًا عن التوازن الذى انتهت إليه الحال بعد ثورة 1919، فاستمرار الحماية مستحيل، لكن حركة الجماهير أضعف من أن تحقق الاستقلال التام فى ضربة واحدة.
وقد أفرز الواقع الجديد دستورًا للبلاد، دستور 1923 الذى يعد مكسبًا مهمًّا رغم ما شابه من أوجه قصور، كذلك بدأت حياة نيابية تقوم على التعددية الحزبية، وكانت الحياة النيابية ومبدأ المواطنة المصرية الذى صاغته ثورة 1919 من خلال شعارها الملهم «الدين لله والوطن للجميع» من أهم المكاسب التى حققتها الثورة فى طريق النضال من أجل الدستور والاستقلال، لقد حوَّلت فكرة الاندماج الوطنى وبناء دولة المواطنة التى بدأت خطواتها الأولى بتشريعات سعيد باشا فى خمسينيات القرن التاسع عشر إلى واقع على الأرض، ورغم محاولات بريطانيا من ناحية، والتيارات الرجعية فى المجتمع من ناحية أخرى، للعودة بالمجتمع إلى الانقسام الدينى، فإن هذه المحاولات باءت بالفشل.

 

كما أن الواقع الجديد بعد الثورة قد دفع تلقائيًّا فى اتجاه تطور الاقتصاد، فقد كانت الثورة دافعًا لحلم راود المصريين منذ عقود، حلم بناء اقتصاد وطنى فى مواجهة الامتيازات الأجنبية ورغمًا عن وجودها، فشهدت البلاد نهضة صناعية جديدة أثرت على المجتمع كله وعلى أفكاره، وكان ميلاد بنك مصر بشركاته ومؤسساته علامة على هذا التحول، وعلى مصر جديدة تولد.
 

كذلك كانت الثورة إيذانًا بميلاد جديد للصناعات الإبداعية الحديثة التى حرص على تطويرها طلعت حرب مؤسس بنك مصر، الذى يعد بحق الوليد الاقتصادى للثورة، فتطورت صناعة الكتاب والنشر وأنشأ بنك مصر مطبعة مصر لتطوير هذه الصناعة الثقافية المهمة، كما جاء ميلاد السينما المصرية تاليًا للثورة من خلال أفلام محمد بيومى الروائية القصيرة، وجريدته السينمائية الموثقة للأحداث جريدة "آمون" السينمائية، ثم كانت النقلة الثانية مع إنشاء طلعت حرب استوديو مصر الذى أسهم فى إنتاج عشرات الأفلام الروائية.
 

كما فتحت الثورة آفاق بعث جديد فى الفنون تجلَّى فى مجالات الفنون التشكيلية والموسيقى والغناء والمسرح، وتحول وضع هذه الفنون بعد الثورة والتحمت بالجماهير وقضاياها، وفى الآداب تطورت الكتابة الروائية والكتابة المسرحية بشكل لافت للنظر وارتبطتا بالتحولات الاجتماعية الجديدة وعبَّرتا عنها. فبقدر ما أسهمت الأعمال الإبداعية فى الحشد للثورة والتعبير عنها وإيصال رسالتها إلى الجماهير، أو اتخذتها موضوعًا لها فى السنوات التالية، بقدر ما كانت التغيرات المجتمعية التى أحدثتها الثورة فى مصر دافعًا لتطور الإبداع الأدبى والفنى.
 

وقد اختلف التفاعل بين الفن والثورة من نوع فنى أو أدبى إلى نوع آخر، فبينما كان تعبير بعض الأنواع عن الثورة ابن اللحظة التاريخية للثورة وحاشدًا للجماهير حولها ووسيلة من وسائل حمل أهداف الثورة إلى الناس، أى أداة من أدوات الدعاية الثورية مثلها فى ذلك مثل منشورات الثورة، كانت أنواع أخرى مُوثِّقة للثورة ومسجلة لها من خلال النوع الأدبى أو الفنى، عبر استخدام حدث الثورة موضوعًا للإبداع بعد انتهاء الحدث.
 

إذا كانت فنون الشعر والموسيقى والغناء قد واكبت الثورة وعبرت عنها وكانت أداة للتحريض الثورى فى صفوف الجماهير، فإن الأعمال الروائية المهمة التى اتخذت ثورة 1919 موضوعًا لها كانت فى معظمها بعيدة زمنيًّا عن الحدث، ولعل أجلى التعبيرات الأدبية عن الثورة جاء من خلال «عودة الروح» للحكيم و«قنطرة الذى كفر» لمشرفة، والجزء الأول من ثلاثية محفوظ «بين القصرين».
 

أما الفن التشكيلى والذى كان أجلى تعبيراته عن الثورة تمثال نهضة مصر لمختار، فقد جمع بين الخاصيَّتَين، ففكرة التمثال كانت وليدة اللحظة الثورية وتعبيرًا عنها، لكن تنفيذ العمل الذى استغرق ثمانى سنوات حتى يستوى كتمثال ميدان فى باب الحديد، جعل منه تخليدًا لها عبر الزمن، كذلك كان تمثالا سعد زغلول فى القاهرة والإسكندرية لمختار توثيقًا لحدث الثورة بعد سنوات على وقوعها.
 

لقد واكب الثورة جيل من المبدعين ولد معظمهم فى السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين، وقد تميَّز أبناء ذلك الجيل بأنهم نبغوا فى مرحلة الشباب المبكر، فأغلبهم قدَّم إنجازًا مهمًّا وهو بعد فى العقد الثالث من عمره، كما أنهم عرفوا كيف يتمردون على الثوابت ويتجاوزون الواقع متطلعين إلى المستقبل، فكانوا بذلك بناة نهضة حقيقية، ثم جاءت ثورة 1919 لتطلق أقصى طاقاتهم الإبداعية، حيث ارتبطوا بالثورة وبالحركة الوطنية المصرية وأصبحوا لسان حالها فى الفن والأدب والثقافة، لقد حولتهم الثورة التى اندمجوا بمسيرتها إلى شموس فى سماء الوطن، ومن بين هؤلاء كان سيد درويش الذى كان صوت الثورة وأغنيتها، وكان فى الوقت ذاته ثورة فى النغم والغناء، ومختار الذى عبَّر عن الثورة نحتًا وشق للفن التشكيلى طريقًا جديدًا فى مصر، وربما كان سيد درويش ومختار من بين أبناء جيلهما، هما الأكثر تعبيرًا فى مجال الفنون عن الثورة المصرية وقيمها، والأبلغ فى التعبير عن أبناء الشعب البسطاء صانعى الحضارة من فلاحين وحرفيين وعمال، والأقدر على استلهام أعمالهما من روح هذا الشعب وتراثه، وعلى حل إشكالية الأصالة والمعاصرة.
 

كما كانت الثورة دافعة للانطلاقة السياسية للمرأة المصرية ولسعيها بقوة من أجل انتزاع حقوقها، فقد أدَّت المشاركة الإيجابية الفعالة للمرأة المصرية فى الثورة والتى بدأت بالمظاهرة النسائية يوم 16 مارس 1919 إلى تغيُّر جوهرى فى نظرة المجتمع إلى المرأة، كما حققت هذه المشاركة مكاسب عديدة للمرأة فى مصر، وكانت تلك المظاهرة نقطة انطلاق لحركة نسائية وطنية، وانبثق عنها تأسيس لجنة سيدات الوفد كأول تنظيم سياسى نسائى فى مصر الحديثة، ثم الاتحاد النسائى المصرى بعدها بأربع سنوات.
 

لقد نجحت ثورة 1919 فى الانتقال بمصر إلى عصر جديد استمر على الأقل حتى عام 1952، وكانت له آثاره الممتدة فى الحراكَين الثقافى والاجتماعى فى العقدَين الأوَّلَين من النصف الثانى من القرن العشرين؛ ورغم التراجع الذى شهدته بعض مكاسب الثورة فإن حلم دولة المواطنة والقانون والمشاركة السياسية واستقلال القرار الوطنى ما زال هدفًا واجب التحقيق.
 

ونحن نحتفل هذا العام بالمئوية الأولى لثورة 1919 يتجدد السؤال المشروع، المثار دومًا فى الأحداث الكبرى عن دور الفرد القائد ودور الجموع فى صنع الحدث، وعند الحديث عن ثورة 1919 فإننا نقف أمام حراك شعبى واسع استمر على مدى سنوات خمس، وأمام زعامة نجحت فى أن تلتقط اللحظة التاريخية وتقود حركة الجماهير.
 

وإذا كانت زعامة سعد لم تبدأ إلا فى عام 1918 فإن دوره فى العمل العام وأنشطته الاجتماعية والسياسية سابقة على ذلك التاريخ بسنوات عديدة، منذ التقى الشيخ محمد عبده فى أثناء دراسته، ثم أخذ يتردد على مجالس جمال الدين الأفغانى، وأسهم الرجلان فى تكوين ثقافة سعد وشخصيته فى شبابه، وقد لفت ذكاء سعد نظر أستاذه محمد عبده، فاختاره للعمل معه محررًا بالقسم الأدبى بـ«الوقائع المصرية» عندما تولَّى رئاسة تحريرها عام 1880، وفى أعقاب هزيمة الثورة العرابية واحتلال الإنجليز لمصر، فُصل سعد زغلول من وظيفته، لاتهامه بمشايعة الثورة، ثم قامت السلطات باعتقاله مع آخرين بتهمة تشكيل جمعية سرية باسم «جماعة الانتقام»، ولم يثبت الاتهام ضده فأُفرج عنه بعد عدة أشهر.
 

ثم اتجه سعد زغلول إلى العمل فى المحاماة وبرع فيها، وأصبح من أشهر المحامين فى مصر، لما عرف عنه من قدرة على المرافعة وأمانة فى العمل، ثم عُيِّن فى سنة 1892 قاضيًا بمحكمة الاستئناف، وكانت أعلى المحاكم المصرية درجة فى ذلك الوقت. وخلال عمله فى القضاء درس سعد القانون دراسة نظامية وحصل على إجازة الحقوق من جامعة باريس بدرجة متفوقة، فأضاف إلى خبرته العملية دراسة قانونية.
 

وفى سنة 1906، وفى إحدى محاولات سلطات الاحتلال البريطانى التخفيف من الآثار السلبية لحادث دنشواى، ثم تعيين سعد زغلول وزيرًا للمعارف، وكانت المعارف من الوزارات الخاضعة لسلطة الاحتلال من خلال دنلوب المستشار البريطانى للتعليم، وقد لاقى هذا التعيين ارتياحًا من جانب الحركة الوطنية المصرية، وطوال ست سنوات شغل فيها سعد المناصب الوزارية اختلف الناس حول كثير من مواقفه، فأيده البعض وانتقده آخرون، لكن الأمر الذى يتفق عليه الجميع أن سعد زغلول فى أثناء توليه وزارتَى المعارف ثم الحقانية حقَّق بعض الإنجازات المهمة، مثل استئناف إرسال البعثات إلى معاهد العلم فى أوروبا، وإنشاء مدرسة القضاء الشرعى ووضع مشروع قانون المحاماة الذى أنشئت بموجبه بعد إقراره نقابة المحامين، كذلك اصطدم سعد زغلول غير مرة بالمستشار البريطانى دنلوب الذى كان يسيطر على وزارة المعارف، أما أهم المواقف التى تُحسب لسعد زغلول خلال توليه الوزارة فكان استقالته من وزارة محمد سعيد باشا. وقد كان السبب الرئيسى لاستقالة سعد زغلول من الوزارة فى مارس سنة 1912، قرار تحريك الدعوى العمومية ضد محمد فريد، بتهمة التحريض على كراهية الحكومة دون مشاورته أو أخذ رأيه.
 

وعندما أُنشئت الجمعية التشريعية فى سنة 1913 لتكون مجلسًا شبه نيابى، تقدم سعد زغلول للانتخابات فى دائرتَى الخليفة وبولاق بالقاهرة، وفاز فيهما بتأييد ودعم من الحزب الوطنى، وأصبح سعد الوكيل المنتخب للجمعية التشريعية، وخلال الفصل التشريعى الأول والأخير للجمعية التشريعية برز صوت سعد كخطيب مفوه يدافع عن حقوق الأمة، ونالت مواقفه تأييد ودعم كل القوى الوطنية فى مصر.
 

وخلال سنوات الحرب العظمى اختار سعد الصمت، ليعود صوته فور إعلان انتهائها مطالبًا بحقوق الأمة، وليصبح زعيمًا لمصر وقائدًا لثورتها، ثم لنضالها الوطنى وسعيها من أجل الاستقلال والدستور طوال تسع سنوات حتى وفاته فى 23 أغسطس سنة 1927.
 

فى حياة الأمم شخصيات تلتقى بطموحات الشعب وأحلامه، فتتصدى لقيادة البلاد فى اللحظات العصيبة، وقد تنجح فى تحقيق بعض ما تتطلع إليه الأمة، فتحفر لاسمها بذلك مكانة لا تهتز فى الوجدان الشعبى، ومن هذه الشخصيات فى تاريخنا المصرى الحديث سعد زغلول الذى اعتلى مكانه كزعيم للأمة بلا منازع عندما تصدى لمواجهة الاحتلال البريطانى عقب إعلان انتهاء الحرب العالمية الأولى، عندما أصبح قائدًا للثورة المصرية ورمزًا لها، والذى أوصى كبيرنا وشيخنا بأن يكتب التاريخ، وما زلنا نكتبه.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...