ويسألونك عن الروح

أحمد وفيق



ويسألونك عن الروح



يؤمن الصوفية بأن لكل كلمة أسرارًا خاصة، لا تبوح بها إلا لمن يُجيد تذوقها والدخول إليها من أبوابها الخفية، أما مَن يتعامل مع ظاهر الكلمة فلن يتجاوز عتَبة الباب ولن يطّلع سوى على زخرفها الخارجى. ويقصد الصوفية من وراء إيمانهم السابق أن يصبر الناس على فهم الكثير من نصوصهم المعقدة والمغرقة فى الرمزية، والتى تم تكفير العديد منهم بسبب الأخذ بظاهرها. وهذه القاعدة إذ يُفضل العمل بها فى قراءة نصوص الصوفية، فإنه يجب العمل بها فى قراءة النص الإلهى المُنزل «القرآن»، وإن كان ما أقصده من مقالتى هذه هو صحيح معنى كلمة قرآنية لا معناها الباطن.

ومن أكثر المفردات خاطئة الفهم شيوعًا كلمة «الروح»، ففى اعتقادنا السائد أنها ذلك الشىء غير المادى الذى يعيش به الإنسان، ويموت إذا فارقه.

والسؤال، هل يستخدم الله هذه المفردة عندما يقصد هذا المعنى؟ دعونا نرى..

 

يقول تعالى: «كل نفس ذائقة الموت»، و«الله يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت فى منامها»، و«وما تدرى نفس بأى أرض تموت»، و«فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم»، و«ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله»، و«قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين»، و«لا تقتلوا النفس التى حرَّم الله إلا بالحق». أى أن ما يموت أو يقتَل يسمى النفس لا الروح، ويعزز ذلك المفهوم القسَم الشهير الذى كان يقسم به الرسول: «والذى نفْسُ محمد بيده». وزيادة فى التأكيد على خطأ المعنى الشائع للكلمة القرآنية، سنضع المعنى الموجود فى أذهاننا، وأيضًا فى بعض التفاسير، كتفسير ابن عاشور، محل الكلمة فى عدد من الآيات؛ لنرى هل يستقيم معناها أم لا؟

 

جاءت كلمة الروح فى سياقين مختلفين فى إجمالى آى التنزيل الحكيم، الأول خاص بالله، والثانى مستقل. أما مجموعة الآيات التى تتحدث عن «روح الله»، فأهمها: «لا تيأسوا من روح الله»، و«وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه» و«فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين»، و«التى أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا».

والآن اسأل نفسك، هل يمكن اعتبار روح الله -حاشى لله- ذلك الشىء غير المادى الذى يعيش به الجسد؟ بالقطع لا، وتؤخذ الكلمة هنا على سبيل المجاز المقصود منه رحمة وقدرة وعلم الله.

 

طيب، إن لم يكن معنى «الروح» فى القرآن كما كنا نظن، فماذا يكون إذن؟ الإجابة لن تكون سوى رد الرسول الكريم لما سألوه عن الروح فقال مُبلغًا عن ربّ العزة: «ويسألونك عن الروح قُل الروح من أمر ربى».

ولا أدرى كيف تم اعتبار ذلك الرد بمعنى الله أعلم؟! فهذا جواب واضح ومحدد بأن الروح من أمر الله، وعن ذلك يقول تعالى: «ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده»، و«تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر»، و«يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده»، و«كذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا»، و«يوم يقوم الروح والملائكة صفًّا». هل عرفت مَن يكون الروح؟ إنه جبريل.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.