عدالة الصحابة فى ميزان الفتن الكبرى




عدالة الصحابة فى ميزان الفتن الكبرى



إن ما أنقله من أحداث تاريخية لا يعنى قبولى أو رفضى لها، فالتاريخ عندى تراث بشرى لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى، وإنما أضعه أمام أنصار «الفُرقة والمذهبية»، ليقفوا على حقيقة تدينهم الوراثى المذهبى، وما حملته مصادرهم الثانية للتشريع من فتن ومصائب، تقتضى أن يخلعوا ثوب هذا التدين المذهبى!

 

ولقد حرصت أن أنقل هذه الأحداث من أمهات كتب المؤرخين الأُول، وهم: ابن قتيبة «توفى أواسط القرن الثالث الهجرى»، البلازرى «ت٢٧٩هـ»، اليعقوبى «ت٢٩٢هـ»، الطبرى «ت٣١٠هـ».

 

لقد شهدت خلافة على بن أبى طالب ثلاث معارك حربية راح ضحيتها آلاف القتلى من الجانبين، وكانت سببا فى تعميق أزمة التفرق والتخاصم بين المسلمين، وظهور فتاوى التكفير واستباحة الدماء بغير حق، الأمر الذى اقتضى إسقاط العدالة عن كل من شاركوا فيها، حسب شروط علماء الجرح والتعديل.

وهذه المعارك هى:

موقعة الجمل: بين على بن أبى طالب، ابن عم النبى وصهره، وأم المؤمنين عائشة، زوج النبى وأكثر رواة الحديث، ومعها طلحة والزبير.

 

معركة النهروان: بين على والخارجين عليه، الذين عُرفوا بعد ذلك بفرقة الخوارج.

 

موقعة صفين: بين على ومعاوية ذى النسب الأموى، الذى حافظ على ولايته للشام عشرين سنة.

 

لقد اشتعلت الحرب، وقُتل آلاف المسلمين فى موقعة الجمل وحدها، منهم طلحة والزبير، وانتصر خليفة المسلمين على، وتعامل مع المتمردين بحكمة، وأعاد السيدة عائشة إلى المدينة، ونجح فى توحيد الصفوف باستثناء جبهة الشام بسبب وقوف «حركة القراء» بجوار معاوية، فقد انضم إلى جيشه أربعة آلاف من القراء بقيادة عبيد الله بن عمر بن الخطاب!

 

لقد قامت «حركة القراء» بدور خطير فى أحداث الفتن الكبرى، وبلغ عدد المشاركين منها فى معركة «صفين» أربعة آلاف قارئ، من مجموع عشرين ألفا فى معسكر الطرفين، فما هى «حركة القراء»؟!

 

القراء: هم قارئوا القرآن ومعلموه، وكان يُنظر إليهم باعتبارهم أهل الورع والتقوى والصلاح من صحابة رسول الله، وقد أخذت هذه الطبقة تزداد يوما بعد يوم حتى أصبحت حركة منظمة «غير رسمية» يقودها مالك بن الحارث الملقب بالأشتر، وأصبح لها نفوذ فى البلاد، الأمر الذى جعل ولاة الأمور يقربون القراء إليهم، ويشركونهم فى صنع القرار السياسى!

 

لقد قامت «حركة القراء» بأدوار خفية لتحقيق مصالح سياسية، وكانت تتلوّن باللون السياسى الذى ترى فيه مصلحتها، فقد استغلت فرصة خروج سعيد بن العاص والى الكوفة لمقابلة خليفة المسلمين عثمان بن عفان، وقررت منعه من دخول الكوفة، وعينوا مكانه أبا موسى الأشعرى، ساعدهم فى ذلك عبد الله بن مسعود خازن بيت مال الكوفة، مما اضطر عثمان إلى قبول هذا الوضع مكرها!

 

ولقد استغلت «حركة القراء» حرق عثمان للمصاحف التى كانت موجودة فى أيدى القراء، والإبقاء على نسخة واحدة بقراءة واحدة هى لغة قريش، فى التحريض ضده، خصوصا بعد أن رفض عبد الله بن مسعود تسليم مصحفه لعثمان، ووقف أبو موسى الأشعرى معهم!

 

لقد اعتبرت «حركة القراء» أن ما يفعله عثمان بدعة مخالفة لسنة رسول الله وخليفتيه، فقد كان فى الكوفة قُراء ينسبون قراءاتهم إلى ابن مسعود، وفى البصرة والشام أيضا قراؤها، فشعرت الحركة أن جمع عثمان المسلمين على رسم واحد للقرآن يسحب نفوذهم الدينى من بين المسلمين، وبالتالى سلطتهم الشرعية على الخليفة، باعتبارهم الممثلين لرسول الله فى العمل بكتاب الله وسنة رسوله!

 

ولكن اللافت للنظر، والذى يكشف الدور السياسى المتلون الذى كانت تقوم به «حركة القراء»، أنها أشاعت بعد مقتل عثمان أن عليا كان وراء مقتله، وعندما علمت السيدة عائشة ذلك، وكانت وقتها فى مكة، طلبت القصاص من قتلة عثمان، فانقسمت البلاد إلى قسمين: الأول: وقف مع السيدة عائشة بقيادة طلحة والزبير، والثانى: وقف مع على بن أبى طالب باعتباره الخليفة الشرعى.

 

لقد أخذ على بن أبى طالب البيعة بإجماع أهل المدينة، وحدث ذلك بصورة سريعة لحسم الخلافات والصراعات والفتن التى ظهرت بعد مقتل عثمان، واستند أهل المدينة فى هذه البيعة إلى نتائج مجلس الشورى الذى كان قد اختاره عمر بن الخطاب قبل موته، والتى أسفرت عن أن يكون الاختيار بين عثمان وعلى، فتولى عثمان الخلافة وجاء الدور على علىّ.

 

وأمام هذه التحديات، ولإحكام السيطرة على البلاد، اضطر على بن أبى طالب إلى الاستعانة بـ«حركة القراء» ونجح فى عزل أبى موسى الأشعرى واسترداد الكوفة والسيطرة عليها، ولكن الفريق المعارض بقيادة السيدة عائشة وطلحة والزبير، أعلنوا رفضهم لبيعة على حتى يسلمهم القراء الذين شاركوا فى التحريض على قتل عثمان!

 

وكانت هناك طائفة يطلق عليها «أهل الجماعة»، تنادى بطاعة الإمام الذى تؤول إليه السلطة، ووجوب المسارعة إلى بيعته وتحريم الخروج عليه، حتى وإن فسد وطغى، فهؤلاء انضموا إلى «حركة القراء» وسارعوا إلى بيعة على، وهؤلاء سيبايعون بعد ذلك معاوية الذى خرج على علىّ وقاتله، وهم الذين أطلق عليهم معاوية «أهل السنة والجماعة» بعد أن أصبح خليفة المسلمين!

 

والسؤال: هل كان لقراء القرآن، أهل الورع والتقوى والصلاح من صحابة رسول الله، دور فى حفظ كتاب الله، ووصوله إلينا سالما من التحريف والتبديل، كما يدعى أنصار الفرقة والمذهبية؟!

 

الجواب: إن تاريخ «حركة القراء»، الذى أشرنا إلى جانب منه، خير شاهد على فاعلية حفظ الله تعالى لكتابه دون تدخل أحد من البشر، ولو كان قراء القرآن هم الذين حفظوه لوصل إلينا كما وصلت مرويات الرواة المذهبية التكفيرية المتخاصمة!

 

لقد أصبح الموقف بين الفريقين صعبا، فالسيدة عائشة وأنصارها لن يبايعوا عليا، وعلىّ لن يُسلمهم من تتهمهم السيدة عائشة بقتل عثمان حتى ينتهى التحقيق فى هذه الواقعة، ولكن وبسبب تحريضات أصحاب المصالح السياسية الخاصة، انزلق الفريقان فى عمل عسكرى: جيش تقوده زوج النبى، والآخر يقوده خليفة المسلمين وابن عم النبى!

 

ولقد استغل الوضّاعون والمفتون المغرضون هذا الصراع السياسى الطائفى فى وضع الأحاديث المفتراة على الله ورسوله، والإفتاء بشرعية الخروج على خلافة علىّ، وفتاوى أخرى تدعم هذه الشرعية وتطالب بمحاربة الخارجين عليها!

 

لقد أخرج البخارى فى صحيحه: «كنا فى زمن النبى لا نعدل بأبى بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبى لا نفاضل بينهم».

 

نلاحظ أن هذه الرواية ذكرت الخلفاء حسب ترتيبهم التاريخى، ولم تذكر الخليفة الرابع، فى الوقت الذى يخبر فيه الراوى عن واقعة حدثت فى زمن النبى، «كنا فى زمن النبى»، أى قبل ظهور الخلفاء أصلا!

 

ألا يُشتم من ذلك رائحة الوضع، وأن الفريق الأول الذى تقوده السيدة عائشة ومعها الأمويون، أرادوا بهذه الرواية إخراج علىّ بن أبى طالب من المفضلين الراشدين، وإباحة الخروج عليه فى المعارك الثلاث السابق ذكرها؟!

 

ويروى البخارى عن عمار بن ياسر قوله: «إن عائشة قد سارت إلى البصرة، ووالله إنها لزوجة نبيكم فى الدنيا والآخرة، ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هى».

 

يقول ابن حجر عند شرحه لهذه الرواية: «مراد عمار بذلك أن الصواب فى تلك القصة كان مع علىّ، وأن عائشة مع ذلك لم تخرج عن الإسلام، ولا أن تكون زوجة النبى فى الجنة، فكان ذلك يعد من إنصاف عمار وشدة ورعه وتحريه قول الحق»!

 

ونحن نتحدث عن مدى تحقق شرط العدالة فى رواة الأحاديث المنسوبة إلى النبى، فإن قول ابن حجر إن الصواب كان مع علىّ اعتراف منه بأن السيدة عائشة أخطأت، وعندما يترتب على هذا الخطأ سفك دماء آلاف المسلمين فى المعركة التى قادتها، وهى معركة الجمل، فإن ذلك يسقط عدالتها حسب شروط علماء الجرح والتعديل، ولن يشفع لها أنها زوج النبى!

 

فإذا علمنا أن عمار بن ياسر كان يقاتل فى جيش علىّ، وأن هناك رواية فى البخارى تقول: «ويح عمار تقتله الفئة الباغية»، واعتبرنا أن هذه الرواية حديثا نبويا ووحيا من الله تعالى، كما يدعى المحدثون وأئمة السلف والخلف، إذن فقد حكم هذا الحديث على جيش السيدة عائشة بأنه جيش البغاة، وبذلك تسقط عدالة كل المشاركين فيه من الصحابة، استنادا إلى صحيح «السنة النبوية» التى نقلها أصح كتاب فى الحديث عند أهل السنة والجماعة!

 

فإذا ذهبنا إلى رواية أخرى أخرجها البخارى فى باب الفتنة التى تموج كموج البحر، عن أبى بكرة، قال: «لقد نفعنى الله بكلمة أيام الجمل لما بلغ النبى أن فارسا ملّكوا ابنة كسرى قال: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»!

 

وفى هذه الرواية، ينقل لنا أبو بكرة من مسرح الأحداث «أيام الجمل» حديثا جعله يمتنع عن القتال فى صف عائشة، ثم تأكد له صحة هذا الحديث عندما انتصر جيش علىّ!

 

ألا يُشتم من ذلك رائحة الوضع الشيعى، الذى اخترق أمهات كتب أهل السنة على حين غفلة من أهلها، وهو كثير؟! ألم تأت هذه الرواية ضمن منظومة الروايات المذهبية التى تم توظيفها لخدمة أغراض سياسية تحت رعاية «السنة النبوية» المذهبية؟!

 

إننا لو صدقنا رواية البخارى، واعتبرناها وحيا من الله أسقطنا عدالة كل من اشتركوا مع السيدة عائشة فى حرب علىّ، لأنهم قوم لا يفلحون! ولو كذبناها أسقطنا عدالة الفريقين، لأن الله تعالى يقول:

 

«وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا»!



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.