محاكم التفتيش الأزهرية.. أولها مصادرات وآخرها تكفير

نضال ممدوح 



محاكم التفتيش الأزهرية.. أولها مصادرات وآخرها تكفير



يبدو أننا كنا واهمين حينما تصوَّرنا أن محاكمة الكُتاب على آرائهم لم تعد مجدية، وأن سياسة مصادرة الكتب ومنع تداولها قد ولَّت إلى غير رجعَة؛ بسبب هيمنة وسائل الإعلام الحديثة واجتيازها الحدود، حيث أمكن لكل مستخدمى الإنترنت الحصول على أى من الكتب التى يريدون مطالعتها، سواءً بشرائها والحصول عليها بالبريد العادى، أو تنزيل الكتاب على سطح مكتب الجهاز، وتناقله مع الأصدقاء بسهولة ويسر، كما أن مصادرة الكتاب ومنعه من التداول لم تنفع مع أى كتاب، بل على العكس من ذلك، أصبحت الكتب الممنوعة مرغوبة ويتهافت عليها القراء، وفى حالات كثيرة أسهمت الفتاوى وأحكام القضاة فى شُهرة الكتاب ومؤلفه، بصرف النظر عن قيمة المحتوى الفكرى أو الأدبى للكتاب.

 

وفى جولة جديدة من جولات الحرب الضروس التى تخوضها المؤسسات الدينية، القائمة على ثقافة العنف الدينى المسيطرة على مصر، تلك الثقافة ذات المرجعية الدينية، التى تبدأ وتنتهى بالدين الإسلامى على نحو ما تناوله مجموعة من الأفراد أو التنظيمات أو الجماعات أو بعض المؤسسات الدينية نفسها، ويعنى ذلك أن السند الدينى المباشر لهذه الثقافة ليس نصوص كتاب الله وأحاديث النبى وسُنته، وإنما تأويل هذه النصوص بما يشدّها إلى هدف بشرى بالضرورة، ويضعها فى سياق من العقلية التفسيرية الموظفة لخدمة غاية دُنيَوية بعينها، غاية ترتبط بما يحقق مصالح الأفراد أو الجماعات أو التنظيمات أو المؤسسات التى تجعل من هذا التأويل، أو هذه العقلية التفسيرية أصلا لوجودها، ومبررًا لاتجاهاتها، ودافعًا لمواقفها وأفعالها. والهدف السياسى لهذه العملية هو التمهيد الفكرى لإقامة دولة دينية تحل محل الدولة المدنية.

 

أجرت وزارة الأوقاف والأزهر حملة تكفيرية إرهابية على كتاب «ازدراء الأديان فى مصر» للمحامى حمدى الأسيوطى، وقام بعض ممثلى الأزهر والأوقاف بزيارة مكتبة مدبولى فى ميدان طلعت حرب بوسط القاهرة، وطالبوها بسحب توزيع الكتاب، ووجهوا تهديدات لإدارة المكتبة فى حال توزيعه لأنهم يرونه يسىء إلى الإسلام لمجرد أنه  يشرح تسلط المؤسسة الدينية فى مصر على استغلال فكرة المادة «98» فقرة «و»، والمواد الموجودة فى قانون العقوبات لمصادرة الأفكار، كما يبين دور الأزهر من بداية قضية كريم عامر فى 2007، ومن قبلها قضية نصر حامد أبو زيد، وبعدها قضية نوال السعداوى، ويكشف فى وثائقه ومقدمته التجاوزات التى تحدث من المؤسسة الدينية، وتسلطها على حرية الفكر والتعبير.

 

لقد شكّلت المؤسسة الدينية فى مصر أداة قمع رئيسية لحرية التعبير، وخلقت مناخًا مجتمعيًّا مؤهلاً لتقييد حرية التعبير بأشكالها المختلفة، وروَّجت لأشد التفسيرات الدينية رجعية، وأصبحت ذراعًا تتكئ عليها الأنظمة التسلطية المتعاقبة من أجل تمرير قراراتها المختلفة، كما حدث من تحالف بين رجال الأزهر ورجال القصر ضد كتاب «الإسلام وأصول الحكم» الذى كتبه الشيخ على عبد الرازق، قاضى محكمة المنصورة الابتدائية الشرعية حينذاك، ووُجهت للكتاب قائمة اتهامات طويلة على رأسها الكفر والإلحاد، حيث انعقدت هيئة من كبار المشايخ بالأزهر، برئاسة الشيخ محمد أبى الفضل، شيخ الجامع الأزهر، وقدمت للشيخ على عبد الرازق قائمة اتهام طويلة أهم ما فيها أنه قال إن الشريعة الإسلامية شريعة روحية لا علاقة لها بأمور الدنيا، وإن حكومة أبى بكر والخلفاء، مثلها حكومة النبى، كانت حكومة لا دينية، وبعد جلسة واحدة صدر الحكم بإجماع أربعة وعشرين عالمًا، بالإضافة إلى شيخ الأزهر، بإخراج الشيخ على عبد الرازق من زمرة العلماء، ثم انعقد المجلس المخصوص بوزارة الحقّانية برئاسة على ماهر باشا، وزير الحقانية بالنيابة، وقرر تنفيذ حكم هيئة كبار العلماء بفصل الشيخ من وظيفته، بل وأصدر الملك فؤاد أمرًا ملكيًّا إلى الفقيه الدستورى عبد الرزاق السنهورى، للسفر إلى باريس للحصول على الدكتوراه التى طبعها فى كتاب بعنوان «فقه الخلافة» للرد على كتاب الشيخ على عبد الرازق، لتعزيز موقف القصر الملكى فى الدعوة إلى الخلافة الإسلامية بحسبانها نظامًا دينيًّا لابد من إقامته، ولا مفر من إعادته.

 

وفى عام 1927، تعرض طه حسين لنفس الموقف بسبب كتابه «فى الشعر الجاهلى»، وأجبرته الضغوط النفسية التى تعرض لها على أن يعدل فى أجزاء من كتابه، بل وقد اتهمه الأزهر بالكفر، غير أن القضاء برّأه. وهُوجم كتاب «ابن رشد وفلسفته» لفرح أنطون بضراوة؛ لأنه اعتبر أن ما أتى به هذا الفيلسوف الإسلامى من أفكار يصلح لأن يكون أساسًا للعَلمانية، وأدى الهجوم عليه إلى إغلاق مجلة الجامعة التى كان يصدرها أنطون، وفى سنة 1959، حدثت أشهر المصادرات وأكثرها غموضًا، لرواية «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، وتوالت سلسلة تكفير التفكير ومصادرته فى كتاب «مقدمة فى فقه اللغة العربية» للويس عوض، لأنه -بحسب مذكرة مجمع البحوث الإسلامية- «ينطوى على مُغالطات دينية ولغوية خطيرة ينبغى أن نُنبه إلى شرّها، ففى الفصل الثانى يرى المؤلف أن مذهب أهل السُّنة فى القول بقدَم القرآن، وما تبعه من القول بقدَم اللغة العربية، يرتبط بنظرية اللوجوس المسيحية التى تقول بقدَم الكلمة، ففى نظره أن فقهاء الإسلام اجتهدوا أن تضغط نظرية الوحى فى الإسلام على غرار نظرية اللوجوس، وهى كلمة الله المرادفة لعقل الله أو للروح القدس».

 

وعدد كبير من الكتب؛ مثل «الحسين ثائرًا وشهيدًا» لعبد الرحمن الشرقاوى، و«سوسيولوجيا الفكر الإسلامى» للدكتور محمود إسماعيل. وقد وصل الأمر إلى حد المطالبة داخل أروقة مجلس الشعب عام 1978، بإحراق كتاب «ألف ليلة وليلة»، وكتاب «الفتوحات المكية» للصوفى الكبير محيى الدين بن عربى.

 

وقد شهدت فترة الثمانينيات مصادرة العديد من الكتب والأعمال الأدبية والفنية من قبَل مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر، ففى عام 1989، صودر كتاب الله الواحد فى الثالوث الذى جرى تداوله منذ عام 1965، وخلال نفس العام صودر من معرض القاهرة الدولى للكتاب، وفى معرض 1992، قامت لجنة من مجمع البحوث الإسلامية بالتفتيش، وصادرت بنفسها خمسة كتب لمحمد سعيد العشماوى، وكتاب «قنابل ومصاحف» لعادل حمودة، وكتاب «خلف الحجاب- موقف الجماعات الإسلامية من قضية المرأة». كما تعرض كتاب «الخطاب والتأويل» لنصر حامد أبو زيد للمصادرة، حسب قرار من مجمع البحوث الإسلامية فى 27/11/2003، رغم صدور الكتاب فى المغرب عام 2000، وجاء فى حيثيات القرار أن الكاتب طعن فى ثابتين من ثوابت العقيدة الإسلامية، وهما: التوحيد وحفظ القرآن الكريم؛ الأمر الذى يمنع تداوله لطعنه فى صحيح العقيدة الإسلامية.

 

وفى يونيو 2008، قرر مجمع البحوث الإسلامية مصادرة كتاب «المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد العلماء» للمفكر جمال البنا، ورواية «رقص على الماء- أحلام وعرة» للقاصّ العراقى محمود البياتى. وقائمة الكُتاب والمفكرين والكتب تطول حيث تضم فرج فودة الذى أدت دعاوى تكفيره إلى اغتياله من مُتعصب جاهل، وحينما سُئل فى التحقيقات عن دافع اغتياله فودة، رد بأنه كاتب كافر رغم أنه حرفى أمى لا يعرف القراءة أو الكتابة. حتى نصل إلى دورة معرض القاهرة الدولى للكتاب التى انعقدت مطلع العام الجارى، حيث منعت الرقابة 31 عنوانًا من دخول المعرض، بناءً على رفض من مجمع البحوث الإسلامية فى الأزهر الذى اعتبر أن هذه الكتب تنشر الفكر الشيعى فى مصر!

 

على الرغم من أن القانون 102 لسنة 1985 قد حصر دور مجمع البحوث الإسلامية فى مراقبة ما يطبع وينشر من القرآن والسُّنة فقط، فإن هذا الدور قد توسع عمليًّا ليشمل عددًا من الكتب التى تتعرض بالمناقشة لقضايا تاريخية وفكرية فى الإسلام من مواقع مخالفة لموقع القائمين على شؤون الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية. ومن الأمثلة البارزة ما حدث لكتاب «الإسلام والقرن الهجرى الخامس عشر» الذى صودر بناءً على طلب الأزهر، ثم حكم القضاء ضد المصادرة، بعد أن تبين أن حيثيات طلب المصادرة لا صلة لها بالأمور الدينية بل لأسباب فكرية وسياسية. ورغم صراحة النص فإن القائمين على مجمع البحوث الإسلامية يرون أن من حقهم فحص بعض الكتب والمؤلفات ذات الإطار أو الفكر المرتبط بالإسلام كدين سماوى، والتراث الإسلامى المرتبط بالعقيدة الإسلامية ومكوناتها من قرآن وسُنة، ورصد كل ما يرد فيها ويكون مخالفًا للإسلام أو يتعارض مع نصوص القرآن والسُّنة، وإعداد تقارير تفصيلية بملاحظاتها فى هذا الشأن لإرسالها إلى الجهات المختصة والتى غالبًا ما تنحصر فى الأجهزة الأمنية والنيابة العامة، موضحًا فيها التوصيات التى انتهت اللجنة إليها، سواءً بإجازة الكتاب أو العمل أو بعدم إجازته، وذلك فى حالة قيام المؤلف أو الكاتب أو المبدع، من وجهة نظر أمين عام مجمع البحوث الإسلامية، بتلفيق الاتهامات ولىّ أعناق النصوص، وتوظيفها فى سياقات لم ترد فيها أصلاً تحت شعار حرية الإبداع أو تزييف الحقائق الإسلامية، ومُهاجمة السُّنة النبوية والصحابة والنبى باسم حرية الإبداع والمساس بقيَم الإسلام وتعاليمه وتقاليد المجتمع، والطعن فى الثوابت، أو خلق الفتَن بين أتباع الأديان والمذاهب المتعددة. ووصل الأمر إلى ذروته بصدور قرار وزير العدل خلال العام المنصرم 2014، والذى قضى بمنح الضبطية القضائية لمفتشى الأزهر، وبدلا من أن يتفرغ رجال المؤسسة الدينية إلى «ضبط المخالفين من الخطباء والدعاة الذين ينشرون أفكارًا مشوهة عن الوطن، وخصوصًا بالجرائم التى تخالف قانون تنظيم ممارسة الخطابة والدروس الدينية فى المساجد وما فى حكمها»، كما أشار بيان وزارة الأوقاف حينها للدفاع عن القرار، تحولوا إلى رجال شرطة دينية على طريقة المطوعين وقضاة محاكم التفتيش فى القرون الوسطى، مهمتهم التفتيش فى الضمائر وشقّ الصدور والتنقيب داخل الأدمغة لتكفير التفكير، خصوصًا لو كانت تلك الأفكار تخالف المؤسسة الدينية فى الرأى أو المذهب.

 

لم تأتِ الضبطية القضائية لمفتشى الأزهر إلا كتحول للفتوى التى أصدرها مجلس الدولة بطلب من الأزهر، فى يناير 1994، حيث أرسل خطابًا إلى الجمعية العمومية لقسمى الفتوى والتشريع بمجلس الدولة يطالب باستصدار فتوى قانونية حول تحديد اختصاصات كل من الأزهر ووزارة الثقافة فى التصدى للأعمال الفنية والمصنفات السمعية، أو السمعية البصرية التى تتناول قضايا إسلامية أو تتعارض مع الإسلام، ومنعها من الطبع أو التسجيل أو النشر أو التوزيع والتداول، إعمالاً للصلاحيات المخوّلة لكل منهما بمقتضى القوانين واللوائح. وفى 10 فبراير 1994، أصدرت الجمعية العمومية برئاسة المستشار طارق البشرى، فتوى تؤكد أن الأزهر «هو وحده صاحب الرأى الملزم لوزارة الثقافة فى تقدير الشأن الإسلامى للترخيص أو رفض الترخيص بالمصنفات السمعية والسمعية البصرية»، وما زالت الفتوى تطبق حتى هذا اليوم، وتشكل انتهاكًا لحرية الرأى والتعبير، وخالفت المواد «47- 48- 49» من الدستور المصرى، والتى تقر حرية الرأى والتعبير بكل صورها وأشكالها، وكذلك حرية الإبداع الفنى والأدبى والثقافى. وجاءت الفتوى أيضًا مناقضة تمامًا للمادة 19 من العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية، والذى أصبح جزءًا من القانون المصرى بعد التصديق عليه.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.