ابن سلول.. كان عدوًّا صريحًا أكثر منه منافقًا خفيًّا

على أبو الخير



ابن سلول.. كان عدوًّا صريحًا أكثر منه منافقًا خفيًّا



النفاق آفة من آفات البشر، عرفته الشعوب جميعًا، ودائمًا يظهر من المغلوب ضد المنتصر، ويحدث كثيرًا فى أحيان أخرى خوفًا على الحياة، وهو ما يسمّيه البعض "التقيّة"، وعندما هاجر النبى صلى الله عليه وسلم إلى "يثرب" المدينة المنورة، أصبح هو الحاكم والمسيطر على المدينة، أسلم أغلب أهلها، ومَن بقى على دينه لم يسلم من توبيخ عشيرته، فأخفى بعضهم كفره، وأظهر إيمانه، ومنهم مَن كاد للإسلام والرسول فى الخفاء بعد أن أعلن إسلامه، وهو أمر متوقع من مغلوبين، وأشهر هؤلاء المنافقين هو "عبد الله بن أبى بن سلول"، وهو من عشيرة الخزرج الأنصارية، وزعموا أنه كاد يكون ملكًا ليثرب، لولا هجرة الرسول وإيمان اليثربيين، وهو أمر نشك فيه، لأن عرب الجزيرة لم يعرفوا الملك فى وسط الصحراء، كما أن العداء بين الأوس والخزرج، ووجود اليهود بكثافة، يمنع أى رجل يفكر أن يكون ملكًا عليهم، ولكنهم زعموا أنه منافق، واتفقت كل كتب التفاسير على نفاق "ابن سلول"، وبالتالى استحق اللعن من المسلمين أبد الدهر.

 

ولكن كتب التاريخ والتفاسير نفسها تروى أن عداء ابن سلول للإسلام والمسلمين كان عداءً صريحًا علنيًّا، فقد رووا أنه تمرَّد، وانسحب بنحو ثلث العسكر -ثلاثمئة مقاتل- خلال احتدام معركة "أحد" قائِلًا: ما ندرى علام نقتلُ أنفسَنَا؟ وحجته فى ذلك بأنَّ الرسول تَرَكَ رأيه، وأطاعَ غيرَهُ، وهنا نجد أنه عداء صريح لا نفاق فيه، كما رووا أيضًا أن "ابن سلول" قال بعد غزوة "بنى المصطلق": "والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"، وكان يقصد الرسول، وأنه لما علم ابنه عبد الله بما قال، ذهب إلى الرسول، وقال: "يا رسول الله قد علمت المدينة أنه لا يوجد أحد أبر من أبيه منى فإن تريد قتله فأمرنى أنا فإنى لا أصبر على قاتل أبى"، وعندما دخل الجيش المدينة بعد العودة من غزوة بنى المصطلق، تقدم عبد الله بن عبد الله بن أبى الجيش، ووقف بسيفه على مدخل المدينة، حتى إذا قدم أبوه داخلًا المدينة أشهر السيف فى وجه أبيه وقال "والله لا تدخل حتى يأذن لك رسول الله"، ولكن النبى سمح له بالدخول، رغم العداء العلنى الصريح الواضح، وهو كذلك لا نفاق فيه.

 

والغريب أنهم رووا أيضًا أنه من ضمن الذين روَّجوا شائعة الإفك ضد أم المؤمنين "عائشة"، وغاب عنهم أن النبى لم يجلده، كما جلد غيره ممّن روجوا للشائعة، ومنهم شاعر الرسول "حسّان بن ثابت"، وعندما حاول المؤرخون معرفة سبب عدم قيام النبى بقتله، أنه قال "حتى لا تتحدث العرب أن محمدًا يقتل أصحابه"، أى أنهم يكذبون على النبى على طريقة "أراد أن يكحلها فأعماها"، فالنبى لم يقتل أحدًا بسبب موقفه الدينى أو السياسى، ولم يشن حربًا، وكل حروبه دفاعية، ولم يقتل معارضًا كابن سلول، أو منافقًا لأنه لا يعرفه بالاسم، هذا إلى جانب أنه لم يرد ذكر "ابن سلول" ضمن الذين حاولوا اغتيال النبى عند العقبة فى طريق عودته بعد معركة "تبوك".

 

أيضًا عندما تحدث القرآن الكريم عن مسجد الضرار، لم يذكر بالطبع أسماء مَن بنى المسجد من المنافقين، وفى الوقت نفسه ذكر المفسرون والمؤرخون أسماء اثنى عشر منافقًا من الأنصار، لم يكن من ضمنهم "ابن سلول"، قال تعالى فى سورة (التوبة- 107): "وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ"، والآية تنطبق على المنافقين القدامى، وعلى الإرهابيين المعاصرين، لأنهم بنوا المساجد والزوايا، وجعلوا منها مساجد ضرارًا، فهى أوكار للفتنة والتآمر والقتل والسبى والذبح، ورووا أيضًا أن "ابن سلول"، طلب فى مرضه الذى مات فيه من النبى أن يصلى عليه إذا مات ويقوم على قبره، ثم إنه أرسل إلى الرسول، يطلب منه قميصه ليكفن فيه، فأرسل إليه القميص الفوقانى، فرده وطلب منه الذى يلى جسده ليكفن فيه، فقال عمر بن الخطّاب: لا تعط قميصك الرجسَ النجس، فقال النبي: "إن قميصى لا يغنى عنه من الله شيئًا فلعل الله يدخل به ألفًا فى الإسلام، وكان المنافقون لا يفارقون عبد الله"، فلما رأوه يطلب هذا القميص، ويرجو أن ينفعه أسلم منهم يومئذ ألف، فلما مات جاءه ابنه يعرفه فقال عليه الصلاة والسلام لابنه: "صل عليه وادفنه"، فقال: إن لم تصل عليه يا رسول الله، لم يصل عليه مسلم، فقام النبى ليصلى عليه، فقام عمر، فحال بين رسول الله وبين القبلة لئلا يصلى عليه، فنزل قوله تعالى فى سورة (التوبة 84): "وَلاَ تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَدا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَسِقُونَ"، والنتيجة أن النبى صلّى على منافق دون إذن من الله، وأن عمر كاد يمنع النبى، لأنه يعرف ما لا يعرفه، ولكننا نفهم من السياق القرآنى أن النبى صلى على ابن سلول، العدو الصريح، ولكنّ المفسرين اعتقدوا أن الآية نزلت فيه دون غيره، رغم أنهم كثيرون.

 

إن الآيات القرآنية التى تتحدث عن النفاق، لم تذكر أحدًا منهم، ولكنها ذكرت أوصافهم، مثلما جاء فى سورة (التوبة- 97): "الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله"، فقد حددت الآية صفة لا أشخاصًا، وهم أهل الصحراء من الأعراب، والله سبحانه لم يذكر أسماءهم لأن النفاق واحد، وكل مَن تنطبق عليه صفة منها، يكون منافقًا، ولذلك كان المنافقون يخافون من البوح بأسمائهم، قال الله فى سورة (التوبة- 64): "يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما فى قلوبهم قل استهزؤوا إن الله مخرج ما تحذرون"، وقال أيضًا فى أول سورة (المنافقون): "إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون"، وهنا أيضًا تعريف معنوى بالمنافقين، وفى النهاية ضنّ الله على رسوله الكريم بأسمائهم، قال فى سورة (التوبة 101): "وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم"، أى أن النبى لا يعرف المنافقين، والله وحده هو الذى يعلم، ومعنى كلمة "مردوا على النفاق"، أى أتقنوه فلا يظهر على وجوههم أو فلتات ألسنتهم، ولكن المؤرخين أيضًا لم يتوانوا عن ذكر أسمائهم الخفية.

 

إذن لم يثبت إذن نفاق "ابن سلول"، ولكنه حمل كل سوءات النفاق أو "شال الليلة وحده"، ومعه غيره من أهل المدينة من الأنصار دون القرشيين، ولنا أن نبحث ونتساءل، عن كيفية معرفة أبى سفيان بأن المسلمين سيقطعون طريق قافلته فى أثناء عودته من الشام، فليس من المستبعد أبدًا، بل هو اليقين، أن مشركى مكة أرسلوا منافقين أعلنوا الإسلام وأبطنوا الكفر، وهاجروا مع المهاجرين، ليكونوا جواسيس على النبى والمسلمين فى المدينة المنورة، وعندما تحدثت الآية "من أهل المدينة مردوا على النفاق" لا تعنى الأنصار فقط، لأن كل سكّان المدينة هم من المهاجرين والأنصار وغيرهما، ولكن الأرستقراطية القرشية بعد استبعادهم للأنصار من الخلافة والإمارة، جعلت أهل قريش أطهارًا، وجعلت النفاق فى الأنصار وحدهم، وسار الخلفاء على مر العصور على درب اتهام المعارضين بالنفاق، وربما كان هو أقل الاتهامات مدعاة للقتل، لأن النفاق وصمة عار فى تاريخ الملوك والخلفاء قبل المنافقين، هذا والله تعالى أعلى وأعلم.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.