ملاحظات ضرورية قبل قمة تونس العربية

إبراهيم الصياد



ملاحظات ضرورية قبل قمة تونس العربية



لعلني لا أبالغ حين أقرر أن أخطر ما يواجه العالم العربي في الآونة الأخيرة، يتمثل في عملية تمرير أفكار شعوبية، للتأثير على مسار العمل المشترك، وتمكين القوى الرافضة لأي نهوض عربي من السيطرة على منطقة الشرق الأوسط. وهي أفكار تضع منطق التكامل والتعاون الجماعي جانباً وتَسيد السياسات الانعزالية، ما يعني إعطاء الفرصة وتمهيد الطريق، أمام أطراف غير عربية، سواء كانت إقليمية مثل إيران واسرائيل أو دولية مثل الولايات المتحدة، لإعادة رسم خريطة العالم العربي، بما يتفق ومصالحها ونفوذها. وساعد هذه الأطراف على الوصول إلى هذه النقطة الفارقة ما تمكن تسميته استمرار التقاعس العربي، وترك الأزمات العربية تتفاقم لتنتقل من المستوى الذي يسهل معه حلها، وهو المستوى (القومي أو الإقليمي)، إلى مستوى أوسع نطاقاً لكنه خارج عن السيطرة، مستوى أطرافه متعددة، وكل منها يتذرع بمصالحه وأمنها القومي، وهو مستوى (التدويل).

 

 
إن استباحة التدخل في الشأن العربي من شأنه أن يعقد الأزمات، وربما لا يساعد على حلحلتها، بالشكل الذي يتفق والمصلحة العربية، ولنا في الأزمة السورية مثالاً؛ بل تظل -في اعتقادي - النموذج الأكثر وضوحاً لما وصلت إليه حالة الضعف العربي، وأتساءل: ألم يكن في إمكان الدول العربية ممثلة في جامعتها احتواء الأزمة في بداياتها قبل أن تتفاقم؟

 

ربما يقول قائل إن عوامل ضاغطة منعت الفعل العربي الإيجابي لحل هذه الأزمة وساعدت هذه العوامل على تقييد الحراك العربي، ومنها: إن النظام السوري نفسه هو الذي رفض الحلول السياسية وكان في إمكانه تفويت الفرصة على محاولات التدخل في الشأن السوري، وإيجاد صيغة ديموقراطية لرأب الصدع ولم الشمل. انتقال عدوى المد الإرهابي من العراق إلى سورية، مع ظهور وتنامي ما يسمى تنظيم «داعش»! وهكذا أضحت الأراضي السورية بيئة حاضنة لتغذية الجوانب الصراعية للأزمة التي كانت في الأصل صراعاً داخلياً بين النظام الحاكم والمعارضة، لدرجة أن المراقبين في فترة لاحقة بعد انفراط العقد السوري، كانوا يتساءلون: من يحارب مَن في سورية؟ بخاصة عندما تعدد وجود القوات الأجنبية على أراضيها من أتراك وإيرانيين وروس وأميركان وأوروبيين! انشغال بقية الدول العربية بمشكلاتها الداخلية، لاسيما بعد اندلاع ما يعرف بثورات الربيع العربي اعتباراً من نهاية العام 2010 ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن قلَّما نجد تعاوناً عربياً. قد نتفق في الإجمال مع هذا الرد، ما يجعلنا نتساءل: ما الذي جعل الفعل العربي يصل إلى هذه الدرجة من الضعف؟ ولماذا عجزت الجامعة العربية عن الاضطلاع بدورها المفترض في حل المشكلات العربية، وهي في مهدها؟

 

لا شك أن السبب الرئيسي، يتمثل فيتراجع المد القومي في مواجهة الأفكار الانعزالية والشعوبية التي تجئ متسقة مع محاولات تفتيت العالم العربي، وقد حذّرنا مراراً، من أننا قد نكون أمام ما يشبه اتفاقية سايكس بيكو التي قسَّمت العالم العربي عام 1916، بل ربما نحن أمام مخطط أخطر منها؛ لأن محاولات اليوم تأتي في ظل متغيرات مختلفة، نرصد بعضها في ما يلي: ان الاستعمار التقليدي لم يعد موجوداً، وإن كان يعود بأشكال جديدة غير مباشرة تستهدف استنزاف مقدرات المستعمرات السابقة. إن دول المنطقة أصبحت مستقلة، وتواجه تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية تفرض عليها صياغة سياساتها، بما يتفق مع مصالحها. زيادة تأثير النعرات العرقية، التي استخدمت في السنوات الأخيرة، كورقة ترجح النزعات الانفصالية، والاتجاهات التقسيمية.

 

إن هذه المتغيرات لا بد أن تفرض نظاماً سياسياً لدول المنطقة، ومن الطبيعي أن يكون متلائماً معها. ولهذا نقول إن انعقاد القمة العربية القادمة في تونس، يفرض ضرورة وضع كل ما تقدم في الاعتبار، وأن تناقش القمة بصراحة وبعمق الأوضاع العربية الراهنة، وأن ترصد الظواهر المعوقة للعمل العربي المشترك، بخاصة وأن الشعوب العربية لا يمكن أن تقبل ترك المصير العربي بأيدي قوى غير عربية وفي تصوري إن نقطة البداية، تتمثل في توحيد الصف وتحديد نقاط القوة العربية سياسياً واقتصادياً، ونتمنى أن تخرج القمة بتوصيات وقرارات، يتم من خلالها إحياء مشروعات، تسعى إلى تفعيل العمل العربي المشترك، مثل السوق العربية المشتركة، واتفاقية الدفاع العربي، وتحقيق الأهداف التكاملية بين أبناء الأمة الواحدة في مختلف المجالات ونتجاوز مرحلة الاعتراض الشكلي والشجب والإدانة التي لا تعدو إلا أن تكون كلمات ينتهي تأثيرها، بمجرد جفاف المداد الذي كُتبت به.

...

نقلًا عن «الحياة»



أقرأ أيضا

البلد

حينما تضحك التراجيديا

نكتة مدينة جوثام الدامية، ضحكة كبيرة مرسومة بالدم، القمامة تملأ الشوارع، السلالم تصعد إلى ما لا نهاية، العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء. الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".
البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...