لا هم علماء.. ولا لحومهم مسمومة

على أبو الخير



لا هم علماء.. ولا لحومهم مسمومة



شاع على ألسنة الشيوخ ورجال الدين، خصوصًا السلفيين الوهابيين منهم عبارة تهديد لكل مَن ينقد شيخًا أو مجرد خطيب «لحوم العلماء مسمومة»، أى أن مَن ينتقدهم يتسمم فى حياته، فلا تهنأ عيشته، وهو تعبير مجازى عن مرارة لحوم أهل العلم، فلا يقترب أحد من سيرتهم العلمية، فتمنع النقد وتجيز لهؤلاء الشيوخ تكفير المفكرين والكتّاب وأى معترض على طريقتهم فى الخطابة أو فى الفتاوى الشاذة، خصوصًا أنهم حصروا العلماء فى رجال الدين من مفسرين وفقهاء ورواة أحاديث، ثم توسَّعوا وأضافوا لهم أى شخص يصعد منبرًا أو يخطب، حتى لو أخطأ، فهو ضامن على الأقل أجر المجتهد المخطئ، ومعصوم من النقد، لأن لحمه مسموم، وهو قول مثل غيره من أوهام عصمة رجال، يؤكد خلو المسلمين من أى تفكير عقلى، أو تخطيط علمى، بالتالى بقاء تأخرهم وتخلفهم.

 

عندما حاولنا الرجوع إلى مقولة «لحوم العلماء مسمومة»، لم نجدها حديثًا نبويًّا، ولا منقولة عن صحابى أو تابعى مثلًا، ولكن أوَّل مَن أورد عبارة «لحوم العلماء مسمومة» هو الحافظ ابن عساكر، قال فى كتابه «تبيين كذب المفترى فى ما نسب إلى الإمام أبى حسن الأشعرى»: «وأعلم يا أخى أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله فى هتك أستار منتقصيهم معلومة، لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمر عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاق على مَن اختاره الله منهم لنعش العلم خلق ذميم»، ونفهم من كلامه ومن عنوان كتابه أنها مقولة للدفاع عن الشيخ الأشعرى والرد على منتقديه، خصوصًا أن فقه طاعة السلطان بدأ بأبى الحسن الأشعرى، وهاجمه المعتزلة كثيرًا، فكانت مقولة سمومية لحوم علماء الدين ضرورة لكف الناس عنهم، ثم تواترت المقولة عند العامة وعند الشيوخ على السواء، واستغلها الشيوخ، فعصموا أنفسهم، فصار كل مؤلف أو مفسر هو إمام، الإمام الطبرى والإمام الشعرانى والأئمة الأربعة والإمام ابن كثير والإمام الشعراوى.. إلخ، كلهم أئمة وكل لحومهم محصنة ولكنها ملوثة سامة لمَن ينتقص من علمهم.
 

ولكن الأمر أكبر من ذلك، فعلى افتراض صحة هذه المقولة، فليس كل مدعٍ للعلم أو مَن شيَّخه الناس باسم شيخ هو من تلك الفئة المحظوظة بسموم لحومها، لأن الأصل أن لحوم كل المسلمين وغير المسلمين محرمة ومسمومة لغيبتها، فالغيبة حرام، قال تعالى فى سورة «الحجرات 12»: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ»، فالله حرّم غيبة أى رجل أو امرأة مسلم وغير مسلم، كل البشر لحومهم مسمومة لا يجب الخوض فيها أو عنها، ووصف الذى يغيب غيره، كأنه يأكل لحمه وهو جثة هامدة، وربما كان هذا المعنى هو الذى جعل ابن عساكر يكرسها للشيوخ، والله أيضًا حرَّم النميمة، وهى نقل الكلام من شخصٍ لآخر بقصد الإساءة وإحداث الفساد بينهما، حيث تسبب النميمة وقوع الكراهية والحقد، قال تعالى فى سورة «القلم 10-12»: «وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ. هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ. مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ»، فالله حرّم كل المشى بين الناس بالنميمة ليوقع العداوة والبغضاء، والنميمة تشبه الغيبة البغيضة، ولكن قصر الشيوخ مصطلح العلماء على طبقة الشيوخ دون غيرهم، وأخذوا بما جاء فى الحديث الذى رواه الألبانى، فى كتابه «صحيح الجامع» دليلًا عن صحة موقفهم، عن أبى الدرداء أن رسول الله قال: «مَن سلك طريقًا يطلبُ فيه علمًا، سلك اللهُ به طريقًا من طُرُقِ الجنَّةِ، وإنَّ المَلائكةَ لَتضعُ أجنحتَها لطالبِ العلمِ رضًا بما يصنع، وإنَّ العالمَ لَيستغفرُ له مَن فى السماوات، ومَن فى الأرضِ، والحيتانُ فى جوفِ الماءِ، وإنّ فضلَ العالمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ، وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، وإنَّ الأنبياءَ، لم يُوَرِّثوا دينارًا، ولا درهمًا، إنما وَرّثوا العلمَ، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافرٍ»، أى أن العلماء الشيوخ هم ورثة الأنبياء، والعلماء هم الشيوخ وحدهم، وكنموذج لذلك التفسير القاصر، قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور فى كتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية»: «والمراد بالعلماء: العلماء بالله وبالشريعة، وعلى حسب مقدار العلم فى ذلك تقوى الخشية، فأما العلماء بعلوم لا تتعلق بمعرفة الله وثوابه وعقابه معرفة على وجهها فليست علومهم بمقربة لهم من خشية الله...»، أى علماء الدين دون غيرهم، ثم استبعدوا علماء الفلك والطب والمحاسبة والفيزياء والأحياء والذرة وغيرها من علوم الدنيا، وبالطبع تم تكفير الكثير من علماء التاريخ والفلسفة، وهو ما شجّع الشيخ المشهور الراحل محمد متولى الشعراوى، عام 1983، ليهاجم ويتطاول على توفيق الحكيم وزكى نجيب محمود ويوسف إدريس، وطلب مناظرتهم علنًا ليعرفوا ويعرف الناس أقدارهم، وذلك فقط لأن توفيق الحكيم كتب ما لم يعجب الشعراوى فى جريدة «الأهرام»، ودافع عنه زكى نجيب ويوسف إدريس، وأتوقع أن الشيخ الشعراوى أخذ موقفه وهو ضامن وقوف العوام فى صفه، فالعوام يريدون الوعظ والخطب وحتى الأساطير، ولكنهم ينكفون من الفلسفة والمنطق، فضلًا عن العلوم التطبيقية، الناس تريد نتائجها دون عناء، وهكذا ضاع العقل عندما دخل رجل دين ضد باحث أو مفكر، وتهدر الدماء أيضًا عندما يفتى شيخ ضد مخالف له فى الرأى أو الفتوى، لا ننسى ما فعلته جماعة داعش عندما سيطرت على الأرض والناس، قتلت وسرقت وسبت واغتصبت، وكله باسم الله وأنهم علماء لحومهم مسمومة، تمامًا مثلما تم تشريع وتأصيل سمّية اللحوم الإيمانى، فتم قتل الدكتور فرج فوده سنة 1992، لأن فتوى كفَّرته، فلحمه إذن غير سام حلال لهم، فأكلوه بعد أن سفكوا دماءه.
 

إن الإسلام عندما تحدث عن العلماء لم يحصرهم فى رجال الدين، بل العلماء بصورة مطلقة، نعود إلى الآيات القرآنية، قال تعالى فى فضل العلماء وعلو منزلتهم فى سورة «المجادلة 11»: «يَرْفَعِ اللهُ الذينَ آمَنُوا والذينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ»، فالذين أوتوا العلم مع الذين آمنوا، والمؤمنون ليسوا من هؤلاء الذين يكتفون بالشعائر الدينية الشكلية كما يفعل المسلمون، فالإيمان من الأمن بالله وفى الله، ومن ضرورات الأمن وجود رجال العلم، العلم الأكاديمى من طب إلى صيدلة ومن هندسة وراثية إلى علم الأجنة، وكلها من العلوم التى تخدم البشرية، والله طلب من البشر التأمل فى الخلق والملكوت والسعى فى الأرض والتعارف بين الشعوب، وحرية الفكر، ولذلك فإن العلماء من غير رجال الدين، هم من نراهم أكثر الناس خشية لله، كما جاء فى الآية الكريمة 28 من سورة فاطر: «إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ»، رجال الدين يبطشون ويخيفون أكثر مما يعظون، يوفّقون بين الإيمان والتعصب، ويرون أنه كلما ازداد المرء إيمانًا ازداد تعصبًا، وهو إيمان زائف، وأكثر الحروب دموية وتطهيرًا عرقيًّا هى التى يقودها رجال دين، والملائكة عندما تحضر مجالس العلم، كما قالوا، فإنها تدخل وتغشى مجالس العلم الفيزيائى والطبى والاقتصادى، والله سبحانه أو رحمة الله -كما زعموا- فى الثلث الأخير من الليل تنزل وتغشى وتكلل جهود الأطباء والممرضين الذين يعالجون المرضى أكثر ممن يجلس فقط لأداء الصلاة فى ساعة، رغم أن كل دقيقة قد تموت فيها نفوس، ولو كانت توجد لحوم مسمومة سمًّا معنويًّا فعلًا لكانت لمَن يطبب أو يخترع أو يبتكر ما يخدم بنى الإنسان.
 

المدهش، عندما يقول رجال الدين إن الإسلام يحض على العلم، يوردون حديثًا منسوبًا إلى الرسول الكريم «اطلبوا العلم ولو فى الصين، فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم»، ولكنهم يضعّفون الحديث ويرونه مكذوبًا على النبى، لأنهم يعلمون أن الصين بالطبع ليس فيها علم دينى أو فقه أو تفسير، والنبى إذا صحّ الحديث يكون محرضًا ومشجعًا للمسلمين على طلب العلم الدنيوى من الصين، وهى أبعد بلاد الأرض، لكل ذلك فإنه لا يوجد لحم مسموم.. لأنهم ليسوا علماء من الأصل، ورحمة الله تشمل الجميع.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.