لم يعد الشرق الأوسط معجبًا بأمريكا

ستيفن إيه. كوك



لم يعد الشرق الأوسط معجبًا بأمريكا



 

ترجمة: أميرة جبر عن «فورين بوليسى»

 

ما الذى تعلمته من وجبة فى آخر الليل عن قوة الولايات المتحدة فى الشرق الأوسط؟

إحدى مميزات عملى هى أننى بين الحين والآخر أقضى وقتى فى الحديث عن مستقبل الشرق الأوسط فى مكان مثل إيطاليا، كما فعلت فى وقت مبكر من شهر يناير. وفى الليلة التى سبقت المؤتمر، وبعد التشارك فى بضع زجاجات من النبيذ الأحمر مع بعض الأصدقاء، استطعت -من مكان صغير بالقرب من ميدان بوبولو لا يملك اسمًا مميزًا بل مجرد يافطة نيون مكتوبًا عليها «بيتزا وجيلاتى»- استطعت تأكيد أن البيتزا فى روما فى المركز الثانى على مقربة من شرائح موطنى لونج أيلاند.


إلا أننى لم أحصل فى هذه الليلة على وجبة لذيذة فحسب، بل تعلمت أيضًا كيف استطاعت الولايات المتحدة مؤخرًا تقويض أهم أرصدتها فى السياسة الخارجية، وهى الأعراف والمبادئ والمؤسسات التى تحرك وتنظم المجتمع الأمريكى.
 

وبمجرد طلبى لشريحة من أزهار الكوسة -والتى كانت رائعة- أدركت أن الشباب الواقف خلف المنضدة ليس بالإيطالى. وبشكل أقرب إلى الغريزة سألت بالعربية «من أين أنتم؟». فابتسم الرجل الذى يتعامل مع طلبى وأعلن أنه مصرى، وكذلك زميله الآخر خلف المنضدة. أما الرجل الذى قام بتحيتى عندما دخلت من الباب - والذى اندهش من حفلتى بالبيتزا- فقد تبين أنه تونسى.
 

وكانت نيتى فى الأصل أن آكل سريعًا وأعود إلى فندقى، فقد كان يومًا طويلًا من السفر، وكان النبيذ قد بدأ يؤثر بى. وحتى فى ظل البداية المتأخرة لاجتماعى فى اليوم التالى (إذ تختلف المؤتمرات الأوروبية عن نظيرتها الأمريكية) كنت متشوقًا لسريرى. غير أن فضولى تغلب علىَّ وتجدد نشاطى، وعلى مدى الساعة التالية استمتعت بحوار صاخب مع أصدقائى الجدد، غطينا فيه جميع قضايا الشرق الأوسط من الصراعات السياسة الطاحنة فى تونس حتى مقتل جمال خاشقجى.
 

ماذا عن قرار إدارة ترامب بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس؟ لم يعجبوا بذلك. والسعوديون؟ ما من مودة معهم. وإيران؟ تباينت آراؤهم نتيجة ابتعاد إيران عنهم فى المسافة وكذلك بعدها عن المخاوف الرئيسية للناس فى بلادهم. وما عن اليمن وسوريا؟ شىء مروع. والشقاق فى مجلس التعاون الخليجى؟ غير مهتمين به. وباستثناء الحربين فى اليمن وسوريا إضافةً إلى الاختلافات بين العائلات الحاكمة فى الخليج التى تسببت فى الشقاق داخل مجلس التعاون كان الأمر طبيعيًّا، مثله مثل آلاف الحوارات التى خضتها مع أفراد من الشرق الأوسط منذ المرة الأولى التى خطت فيها قدمى مصر عام 1993.
 

وعندما سألت: لماذا لم تصبح مصر دولة ديمقراطية بعد انتفاضة يناير 2011؟ اتخذ النقاش منعطفًا أكثر إثارة للاهتمام، ونظر إلىَّ أحدهم فى قرة عينى وصرَّح: «لا تحدثنا عن الديمقراطية».
 

وقبل أن أسأله: لماذا طالب بأن يعرف ما إذا كانت أمريكا ديمقراطية حقيقية؟ ويصعّب أصدقائى والمحاورون فى الشرق الأوسط الأمر علىَّ فى شأن الولايات المتحدة منذ سنوات. ففى أبريل 2014 قضيت نصف ليلة أتصدى لتهم من مجموعة من المصريين أرادوا معرفة: لماذا تدعم الولايات المتحدة الإخوان المسلمين؟! وكان ذلك بعد قضاء وقت فى إسطنبول. وقبل ذلك ببضع سنوات تعرضت للإحراج عندما وبخت بسبب انتهاكات الولايات المتحدة لحقوق الإنسان فى العراق من قبل ممثل للنظام القمعى لزين العابدين بن على فى تونس. ولطالما كانت تلك الشكاوى بشكل موحد مرتبطة تمامًا بسلوك الولايات حول العالم، غير أن رجل البيتزا المصرى كان يتحدث عن شىء جديد كليًّا (بالنسبة إلىَّ).
 

ففى الوقت الذى كان يعبِّر فيه العرب لى عن غضب تجاه غزو واشنطن العراق أو دعمها الحلفاء المستبدين فى المنطقة أو علاقة أمريكا الخاصة بإسرائيل، كانوا كثيرًا ما يعبرون عن إعجاب بطريقة عيش الأمريكيين فى بلادهم. فهم يحبون الأفلام الأمريكية وموسيقى «الهيب هوب» و«الهيفى ميتال»، ويحبون دورى كرة السلة للمحترفين وماكدونالدز، كما أنه من السهل على الكثير من العرب الوصول إلى هذه الجوانب الجوهرية من الثقافة الأمريكية. بل أكثر ما كان يعجب العرب فى الولايات المتحدة هو ما يفتقدونه، الحرية والمساواة والتسامح وسيادة القانون.
 

وأدهشنى أن أصدقائى الجدد كانوا على دراية جيدة بإطلاق الشرطة النار على الرجال الأمريكيين الإفريقيين غير المسلحين فى الفترة الأخيرة. وكانوا يعلمون أن الأتراك والأردنيين واللبنانيين والعراقيين الأكراد قد تحملوا العبء الأكبر فى أزمة اللاجئين السوريين، فقد استقبلوا الملايين بينما فرقت حكومة الولايات المتحدة بين الأطفال وآبائهم وأمهاتهم على الحدود الجنوبية للبلاد. وكرروا لى إعلان الرئيس دونالد ترامب أن الصحافة هى «عدوة الناس».
 

بالنسبة إلى الشرق أوسطيين من أمثال الشباب فى محل البيتزا لم تعد الولايات المتحدة المدينة اللامعة أعلى التل، إذ يدركون أن الوعد الأمريكى لا يتفق مع الواقع وأن المسافة بينهما تتنامى. وما من شك أن جانبًا من  -أو حتى غالبية- هذه الرؤية الصفراوية للولايات المتحدة مرتبط بإدارة ترامب. لقد أقنع الرئيس الناس، بمنعه المسلمين من دخول أمريكا، وإيماءاته المباشرة وغير المباشرة إلى القومية البيضاء، واستعداده للطعن فى الإسلام، بأن أمريكا ليست كما دعت طويلًا، حرة ومتساوية ومتسامحة.
 

ومع ذلك، لست مقتنعًا بأن صورة أمريكا المزرية انعكاس كامل للإدارة الحالية. ويبدو أن التظاهرات فى مدينة فيرجسون بولاية ميزورى فى أغسطس 2014 حول مقتل مايكل براون كانت نقطة تحول. لقد تابع الناس حول العالم بعض أسوأ ما فى أمريكا مباشرةً عبر وسائل التواصل الاجتماعى، وكذلك على الطراز القديم عبر النشرات التليفزيونية. بالنسبة إلى العرب والأتراك لم يختلف الغاز المسيل للدموع الملقى فى شوارع فيرجسون عن الغاز فى دوار اللؤلؤة فى البحرين أو شارع محمد محمود فى مصر أو شارع الاستقلال فى تركيا. وكان عدد كبير منهم على أتم استعداد أن يستعرض هذه النقطة عبر «تويتر».
 

ولا أشك أن النقاد سيتحججون بأننى أساوى خطأً بين الولايات المتحدة والحكومات المستبدة فى الشرق الأوسط. تلك ليست نيتى، فالاختلافات كبرى ولكن خوصوصًا فى ما يتعلق بهذا الشق المهم: لم تكن أمريكا قط مثالية ولكن لطالما كان لدى الأمريكيين أساطير إيجابية عن المساواة والديمقراطية يستطيعون التطلع دائمًا إليها. ومن خلال تلك المُثل والأعراف والمبادئ والمؤسسات تستطيع الولايات المتحدة -مع الوقت- تحقيق تلك التطلعات. وقد انخفض عدد الناس فى الخارج الذين يصدقون ذلك.
 

ربما كانت تلك النظرة القديمة غير واقعية وتعتمها عن بُعد نظارات وردية، ولكن مع ذلك كانت قوية. فقد أعطت الولايات المتحدة تأثيرًا وهيبة أكثر من المستويات المعتادة للقوة. وكما هو واضح لا يزال الناس فى جواتيمالا وهندوراس وغيرهما من الأماكن فى أمريكا اللاتينية يؤمنون أن الولايات المتحدة ملاذ آمن، ولكن لم يعد آخرون متأكدين نتيجة التهكم والنفاق والقسوة التى سيطرت على السياسة الأمريكية فى السنوات الأخيرة. ولطالما كانت القوة الناعمة فكرة غامضة وإن كان ذلك فقط لصعوبة تقديرها. ومع ذلك فقد أسهمت المُثل المؤسسة لأمريكا ومبادئها التوجيهية وهزيمة الفاشية وكذلك الشيوعية فى فكرة أن الولايات المتحدة استثنائية. وأصبح بديهيًّا فى الخطاب السياسى الأمريكى أن الولايات المتحدة جزء لا يتجزأ من حرية وأمن العالم. وبدت الملايين من حول العالم التى سعت إلى طلب العلم وملجأ من الطغيان وتحقيق أحلامها فى الأراضى الأمريكية إثباتًا لهذا الادعاء.
 

غير أن انقضاء الاستثنائية الأمريكية يمزقنى. ويضايقنى بشكل شخصى أن الأجانب لم يعودوا يرون الولايات المتحدة كمنارة للحرية. وكشخص بلغ سن الرشد فى أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات أدركت البلاد بعيدة كل البعد عن المثالية، ولكن لطالما آمنت أنه على الرغم من كل مشكلاتها فالولايات المتحدة لديها القدرة على الوفاء بوعودها. وأعلم أنها لا تزال تستطيع.
 

ولكن فى الوقت نفسه، أتساءل ما إذا كان انقضاء الاستثنائية الأمريكية فى عيون الأجانب أمرًا إيجابيًّا. ولعله من الأفضل لهم رؤية الولايات المتحدة كمجتمع معقد حى يتنفس يستطيع أن يكون بل كان على الرغم من عقيدته الفريدة ظالمًا فى الداخل كما كان فى الخارج. لا يبدو الإيمان بالعناية الإلهية للولايات المتحدة صحيًّا لأحد، فهو يعطى الأمريكيين إحساسًا زائفًا بالرضا عن جودة سياستهم ويقدم لغير الأمريكيين صورة محرفة للبلاد، مع أن هذا بالضبط هو ما حطم معنويات أصدقائى فى محل البيتزا مجهول الاسم فى روما.
 



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...