لماذا لا يهم الفوز والخسارة فى سوريا وأفغانستان؟

ماكس بووت



لماذا لا يهم الفوز والخسارة فى سوريا وأفغانستان؟



 

ترجمة: أميرة جبر عن «واشنطن بوست»

 

لقد بدأ الرئيس ترامب فعلًا فى سحب القوات الأمريكية من سوريا، ومن المرجح أن يسحبها من أفغانستان أيضًا بافتراض الانتهاء من اتفاق سلام مبدئى مع «طالبان». وعلى الرغم من ادعاء ترامب الأوَّلى بأن الولايات المتحدة قد انتصرت فى سوريا، فإن الدافع الحقيقى وراء الخطوتَين هو إحساس عام، يتشارك فيه مؤيدو ترامب ومنتقدوه على حد سواء، بأن المسألة ليست أننا لا ننتصر فحسب بل إننا لا يمكن أن ننتصر فى تلك «الحروب الأبدية» مهما طالت مدة وجودنا.


كتب روبرت دى. كابلان، الاستراتيجى وكاتب الرحلات، فى جريدة «نيويورك تايمز» قائلًا: «فى الواقع لا يوجد أى احتمال بتحقيق انتصار عسكرى على طالبان، وهناك فرصة ضئيلة بأن نترك خلفنا ديمقراطية قائمة بذاتها». فى الوقت نفسه قال الدبلوماسيان المخضرمان آرون ديفيد ميلر وريتشارد سوكولسكى، فى رأى على موقع راديو «إن بى آر»: «تنظيم داعش ليس ألمانيا أو اليابان، حيث كسرت الولايات المتحدة وحلفاؤها إرادة القتال لدى تلك الأنظمة ودمرت قدرتهما الحربية تمامًا واستأصلت أيديولوجية الدولة الفاشية وساعدت فى إعادة تشكيل بيئة جديدة لدولتين ديمقراطيتين جديدتين. أن تحقق الولايات المتحدة هذا الهدف فى سوريا فتلك مهمة مستحيلة».
 

أكن كل الاحترام لهؤلاء الكتاب، ولكن ملاحظاتهم رغم أنها حقيقية فهى أيضًا غير مهمة. وكان جيمس دوبينز، المبعوث الأمريكى الأسبق لأفغانستان وباكستان، وزملاؤه فى مؤسسة «راند» أقرب إلى الصواب عندما قالوا: «قد لا يكون الفوز خيارًا متاحًا، ولكن الخسارة بالتأكيد ممكنة. إن الرحيل المتسرع، مهما برر، سيعنى اختيار الخسارة. ستكون النتيجة ضربة للمصداقية الأمريكية، وإضعافًا للردع وقيمة الطمأنة الأمريكية، وزيادة فى التهديد الإرهابى النابع من المنطقة الأفغانية، واحتمالًا قائمًا بعودة ضرورية فى ظروف أسوأ». تحدث تقرير «راند» عن أفغانستان غير أن التحليل ذاته ينطبق على سوريا.
 

ولم تتعرض «الدولة الإسلامية» أو «طالبان» للهزيمة فعلًا. لقد فقدت الدولة الإسلامية تقريبًا كل أراضى «خلافتها»، غير أن مدير الاستخبارات الوطنية دانيال كوتس، حذر لتوّه من الدولة الإسلامية «لا تزال تقود آلاف المقاتلين فى العراق وسوريا، ولديها 8 فروع وأكثر من 12 شبكة وآلاف المؤيدين المتفرقين حول العالم». و«طالبان» فى حال أفضل، إذ يسيطر أو يتنازع التنظيم على 44٪ من الولايات الأفغانية، كما يتسبب فى الكثير من الخسائر بين قوات الأمن الأفغانية.
 

قال لواء أفغانى إن هناك أكثر من 77 ألفًا من المسلحين يقاتلون الحكومة -وهو الرقم الأعلى بكثير من الرقم الرسمى المقدر بين 25 و35 ألفًا. وإذا انسحبت الولايات المتحدة من أفغانستان من المرجح أن يستولى تنظيم طالبان على غالبية البلد، وإذا انسحبنا من سوريا من المرجح أن يعاد إحياء الدولة الإسلامية.
 

عندما تقاتل الولايات المتحدة أولئك المتمردين تحتاج إلى تجنب تفكيرها الحربى الكبير. نعم، لن يكون هناك حفل استسلام على متن السفينة «يو. إس. إس. ميزورى»، ولكن حتى الانتصار فى الحرب العالمية الثانية لكان أهدر مثله مثل انتصار الحرب العالمية الأولى ما لم تبقِ الولايات المتحدة قوات فى أوروبا لأكثر من 73 عامًا. وكلما طالت مدة وجود القوات الأمريكية فى مكان ما زادت فرص تحقيقها أهدافنا. عندما تنسحب القوات الأمريكية عادةً ما تكون العواقب باهظة الثمن سواء كان ذلك الاستيلاء الشيوعى على كامبوديا أو لاوس وجنوب فيتنام عام 1975 أو صعود الدولة الإسلامية ما بعد 2011. وفى الوقت الذى لم تحاول فيه «الفيت كونج» الهجوم على الأراضى الأمريكية «القاعدة» و«الدولة الإسلامية» يحاولان. أفادت «نيويورك تايمز» أن الاستخبارات الأمريكية قد حذَّرت من أن «الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من أفغانستان سيؤدى إلى هجوم على الولايات المتحدة فى خلال عامين».
 

وسيتحجج مؤيدو الانسحاب بأن النشر غير المقيد للقوات غير مستدام، ولكن هذا ليس حقيقيًّا لأن القوات الأمريكية مكونة من متطوعين، وما داموا لا يتعرضون لكثير من الخسائر لن يعترض الشعب على نشرهم. لقد تكبدت القوات الأمريكية 6 وفيات فى سوريا و66 فى أفغانستان منذ عام 2015 -بمتوسط 18 سنويًّا- تلك الخسائر مأساة ولكن فى عام 2017 فقد الجيش الأمريكى 80 فردًا فى الخدمة فى حوادث تدريبية. لقد أصبح التدريب أخطر 4 أضعاف على القوات الأمريكية من القتال. كما أن هذه الصراعات ليست مدمرة ماديًّا، فالحرب فى أفغانستان تشكل أقل من 10٪ من ميزانية الدفاع. وإذا اختار ترامب الانسحاب فسيكون هذا اختياره. فعلى عكس ريتشارد نيكسون فى فيتنام، لن يجبر على الانسحاب بضغط عام، فما من تظاهرات مضادة للحرب فى الشوارع.
 

ودائمًا ما يكون هذا النوع من نشر القوات طويلًا ومحبطًا. تأملوا حروبنا الهندية التى استمرت نحو 300 عام (من 1600 إلى 1890 تقريبًا)، أو نشر القوات البريطانية على الحدود الشمالية/ الشرقية (الحدود الباكستانية/ الأفغانية حاليًّا) والتى استمرت مئة عام (من أربعينيات القرن الـ19 حتى أربعينيات القرن الـ20). والقوات الأمريكية لا تخوض مهمة قتالية عادية، بل تقوم بعمل شرطى للحفاظ على حدود السلام العالمى الذى تقوده الولايات المتحدة «Pax Americana». ومثلها مثل الشرطة التى لا تحاول القضاء على الجريمة لا تحاول القوات الأمريكية القضاء على الإرهاب، بل عوضًا عن ذلك تبقيه فى مستوى أقل من الحد الذى يهدد الولايات المتحدة وحلفاءها، وهذا ليس مرضيًا بقدر السعى وراء الاستسلام دون شروط، ولكن كما قد نكتشف قريبًا فهو أفضل من البديل.
 

ترامب لا ينهى الحروب فى سوريا أو أفغانستان، ناهيك بالفوز ووعود «طالبان» بحسن سلوك لا قيمة لها، والدولة الإسلامية لا تعد بشىء إطلاقًا، وإذا أعاد ترامب القوات الأمريكية سيختار الهزيمة وإهدار تضحيات الجيش منذ عام 2001.
 

..
 

ماكس بووت
مؤلف ومستشار ومحرر ومحاضر ومؤرخ عسكرى أمريكى الجنسية روسى المولد. زميل دراسات الأمن القومى فى مجلس العلاقات الخارجية. عمل فى التسعينيات كاتبًا ومحررًا فى «كريستيان ساينس مونيتور»، ثم فى «وول ستريت جورنال».

 



أقرأ أيضا

البلد

حينما تضحك التراجيديا

نكتة مدينة جوثام الدامية، ضحكة كبيرة مرسومة بالدم، القمامة تملأ الشوارع، السلالم تصعد إلى ما لا نهاية، العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء. الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".
البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...