معركة التابلت.. هل يلقى «التابلت» مصير أجهزة الحاسب فى المدارس؟

طارق أبو السعد



معركة التابلت.. هل يلقى «التابلت» مصير أجهزة الحاسب فى المدارس؟



مع بدء الفصل الدراسى الثانى لجميع طلاب الجمهورية، ينتظر طلاب الصف الأول الثانوى، تحديدًا، تلك البداية بترقب وشغف كبيرَين، فقد وعدهم الوزير باستلام «التابلت» وبدء الدراسة عبره، أما أولياء الأمور ومديرو المدارس فيترقبون تلك البداية بخوف وذعر كبيرَين، حيث من المتوقع حدوث معركة منتظرة بين أولياء الأمور والطلاب من جهة وبين إدارة المدارس التعليمية من جهة أخرى، والسبب أيضًا هو «التابلت»، فـ«التابلت» سيكون مصدر سعادة وشقاء فى الوقت نفسه، لماذا؟ لأنه وببساطة عندما بشَّرنا وزير التربية والتعليم بمنظومته التعليمية الجديدة جعل «التابلت» ركنًا أساسيًّا فى تطوير التعليم، ليس مجرد رمز لتطوير التعليم، بل شكل من أشكال التقدم الحضارى.

 

لا شك أن التعليم عبر الوسائط التكنولوجية أمر جيد وشيق ومحبب للطلاب، لكن التعاسة تكمن فى واقع المدارس والمجتمع المدرسى، هذا الواقع يخبرنا أن هذا «التابلت» سيكون وبالًا على المدرسة والأسرة المصرية، لماذا؟ لأن الوزير أصدر الكتاب الدورى رقم 14 الصادر فى 25- 12- 2018 الذى يحدد فيه طريقة تسليم «التابلت»، اهتم الوزير بالإجراءات الإدارية وبحقوق الوزارة المالية ولم يهتم بالمردود التعليمى ولا الاجتماعى ولم يضعهما فى الحسبان.
 

تجاهل الوزير عن عمد الحياة الموازية للعملية التعليمية التى تحدث فى أثناء الدراسة، الوزير قرر أن كل طالب فى المرحلة الثانوية سواء فى المدارس الخاصة أو الحكومية سيتسلم «التابلت»، بإجمالى 708 آلاف جهاز، والطالب إذا حافظ على «التابلت» لمدة ثلاث سنوات سيحصل عليه هدية مجانية.. ده كلام شكله رائع، لكن مضمونه كارثى جدًّا، لأن الوزارة قررت فى حالة فقدان «التابلت» أو تلفه بما يعرضه للخروج من الضمان قبل نهاية فترة الضمان من جانب المستلم سواء كان إداريًّا أم معلمًا أم طالبًا يلتزم بسداد مبلغ 4500 جنيه مصرى للإدارة التعليمية التابع لها مع تسليمه جهازًا بديلًا، وطبعًا سيوقع ولى الأمر والطالب على نموذج لاستلام جهاز «التابلت» فى شكل إقرار يوقع عليه.
 

وفى حال رد الطالب «التابلت» قبل نهاية فترة الضمان تُلزم الإدارة التعليمية الطالب أو المعلم أو الإدارى بإحضار شهادة ضمان من الوكيل المعتمد.
 

بهذه الإجراءات كثير من الأسر المصرية ستشتعل فيها الخلافات حول «التابلت» ومحاولة الحفاظ عليه، فكم أبًا جاهزًا لدفع 4500 جنيه مصرى إذا لم يحافظ الابن على «التابلت» سواء سُرق أو سقط أو أى أمر لا قدر الله؟! أليس من المتوقع أن بعض الآباء ممكن أن يمنعوا أولادهم من استخدامه إلا فى المنزل؟! أو ربما يرفضون استلامه؟! كل هذه تصرفات سنجدها من أول يوم دراسة، فهل استعدت المدارس لكل التساؤلات؟ ولَّا سايبينها على الله واللى يحصل يحصل؟!
 

على العموم، من المؤكد أن هذه أولى معارك «التابلت»، أما ثانية تلك المعارك فهى تخص المعلمين واستلامهم «التابلت» واعتباره عهدة.
 

وقبل أن نتحدث عن المعلمين دعونى أذكركم أنه منذ عشرة أعوام كانت هناك حملة لتطوير التعليم وإمداد المدارس بمعامل للحاسب الآلى متطورة يتم التدريس وَفقها، هذه المعامل تم إغلاقها تمامًا ولم تستخدم، لأن مَن تسلمها تسلمها كعهدة، وبالتالى تحكم فيها، ومنع استخدامها حتى لا تُستهلك، ولو مش مصدقنى اخطف رجلك إلى أقرب مدرسة إعدادى واسأل بشكل ودِّى عن معمل الحاسب الآلى، أو لو لك مدرس قريبك اسأله: كيف يتم التعامل مع الأدوات العهدة فى أية مدرسة؟
 

لهذا من المتوقع أن ينال «التابلت» مصير معامل الحاسب الآلى من التخزين والإهمال، مخافة المحاسبة والجزاء، وبالتالى لن يقوم «التابلت» بدوره المحورى فى العملية التعليمة، لأنه ببساطة لم تُجهَّز الأرض لتقبل الزرع الجديد، فلم يمهد الوزير الطلاب ولا أولياء الأمور ولم يستكمل الشكل الإدارى المناسب للعملية التعليمية المتطورة، فليس من المعقول أن تريد عقلية تعليمية متطورة بدلًا من أن توفر لها المناخ الحر والمبدع، وإذا بك تكبلها بالقيود الإدارية وتضعها فى الوعاء القديم الخانق! لكن الوزير يصر على السير بالتعليم إلى المجهول.
 

قُلنا آلاف المرات إن مشكلة البنية الأساسية للمدارس هى كبرى المشكلات التى تواجه التعليم فى مصر، لهذا يجب على الدولة أولًا العمل بشكل جاد لبناء مدارس جديدة، وتوفير مقاعد أكبر للتلاميذ، لتقليل كثافة التلاميذ فى الفصل الدراسى، لكى يحصل كل طفل على الرعاية التربوية اللازمة لتنشئة عقله بصورة سليمة. ثم تأتى المرحلة التالية وهى إدخال التكنولوجيا فى التعليم بمرحلية مناسبة وبما لا يلغى أنسنة التعليم، وحتى لا يتحول الطالب إلى عقل مبرمج رقمى.
 

ولا أدرى لماذا لم يستمع الدكتور طارق شوقى إلى مبررات الدكتور محب الرافعى، وزير التربية والتعليم الأسبق، إذ إنه رفض مشروع «التابلت» تمامًا، مستندًا إلى مسوغات التجربة اليابانية، التى تعتمد على العلاقة المباشرة بين الطالب ومعلمه، وتعزيز روح الجماعة، وليس الفردية أو الانعزالية التى يؤدى إليها «التابلت»، وبهذه الرؤية اليابانية احتلت اليابان المرتبة السابعة فى جودة التعليم، وَفق آخر تقرير صدر عن المنتدى الاقتصادى العالمى. فالتواصل المباشر بين الطالب والمعلم فى بيئة دراسية مُعدة جيدًا من حيث النظافة والتهوية ومراعاة زوايا الرؤية داخل الفصل الدراسى يساعد الطلبة كى يصبحوا أكثر تفاعلًا مع محيطهم والعمل فيه بشكل أنشط، ويؤتى ثمارًا تربوية غاية فى الروعة، خصوصًا أنها تعطى مساحة للطالب ليفكر فى ما يدرس، ولا يفكر فى جرس انتهاء الحصة والرحيل من المقبرة الجماعية المسماة بالفصل الدراسى.
 

وللمرة المليون، لسنا ضد تطوير التعليم، نحن مع الدولة فى هدفها الرسمى لبدء مشروع تعليمى جديد، نحن مع الدولة وهى تسعى نحو تحسين جودة التعليم، لكن عبر وضع نظام موثوق به لتقييم أداء الطلاب، وتنمية قدرات المعلمين، واستخدام التقنيات الحديثة فى التدريس والتعلم، ورفع كفاءة المعلمين وتوفيرهم فى المدارس النائية، وتحسين أحوالهم المعيشية، ونحن أيضًا مع التوسع فى استخدام موارد التعلم الرقمية، لكن بضوابط.
 

كان على الوزير أن يبدأ بتغيير أسس ومفاهيم العملية التعليمية والتربوية، لكى يتمكن الطالب المصرى من تكوين فكر نقدى حر يساعد على تحسين ظروفه المعيشية، بدلًا من إمداده بـ«التابلت» وهو غير مستعد له، لا هو ولا المدرسة ولا ولى الأمر.. اللهم قد بلغت اللهم فاشهد.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.