مَن هم حراس الدين؟

د.محمد فياض



مَن هم حراس الدين؟



على مدى التاريخ لم يتشوَّه الدين إلا كما تشوَّه على يد حراسه، منذ فجر التاريخ وكهنة آمون يسيطرون على المعبد، منصبين أنفسهم لحراسته، هم مَن يقررون صحة عقيدة هذا وفساد هذا، وتطور الكهنة وتطورت مؤسسة المعبد، صار الكاهن فقيهًا وإمام منبر وداعية سلفى ومقاتلًا داعشيًّا.

 

تذكر معى عزيزى القارئ ذلك الصوت الرخيم الذى يتردد فى أصداء الصوت والضوء فى الأهرامات عندما يصدح قائلًا: «أنا الحارس الأمين بين يدى مولاه ساهرًا عليه.. قريبًا منه.. فانيًا فى ذاته حتى لقد أضفى على وجهى سماته وقسماته أنا صاحب فرعون.. بل إنى أنا فرعون.. عبدنى الناس منذ فجر الدهور واختلفت أسمائى باختلاف العصور»، حاول الآن أن تستمع إلى هذا الصوت وهذه الحالة مرة أخرى من أحد الكهنة، ساعتها يمكنك أن تستشعر هذه الحالة الفوقية، تستطيع أن تفهم قوة صولجان السلطة الدينية عبر كل العصور، هو صولجان مَن قرر صحيح الدين، وهو صولجان مَن قرر المعلوم من الدين بالضروة، هى سلطة مَن يستطيع تكفيرك وإهدار دمك، هى قوة مَن يقرر مصيرك، هى سيادة مَن تلاعب فى ذهنك عبر سنوات عمرك، هو مَن نقَّب نساءك وقرر إقصاء الآخر المخالف، هى سلطة مَن تكسب بالدين وجعلك تخسر منه، هو مَن نصب نفسه حارسًا على جلال الله وعرشه، هو صاحب عمامة رثة ولحية كثة قرر أن هذه اللحية بمقدورها أن تدافع عن دين الله، هو الواسطة مع السماء، هو مَن أعطى صك الغفران، ورد لك دينك، وقرر لك أوجه مصارفك، وشكل عبادتك، هو مَن تحكم فى طعامك وملابسك بل فى فراشك وعقيدتك.
 

هو الحارس على الدين الذى يملك سلاحًا ماضيًا هو سلاح التكفير، فبابا الكنيسة فى العصور الوسطى الذى كان يملك عقوبة الحرمان من رحمة الكنيسة، كان هو شيخ القبيلة الذى يملك عقوبة الخلع من القبيلة، هو ذاته مَن قتل عثمان وقتل علِى وأهدر دم كل المعارضين، هو مَن حاكم الحلاج وأعدم السهروردى، وحرم القهوة وحرم الطباعة وحرم البارود وحرم التصوير وحرم القهوة وحرم كل أوجه الحياة عبر فترات التاريخ، هو مَن أهدر دم نجيب محفوظ وفرج فودة والشيخ الذهبى، وهو مَن يرفض الآن تجديد الخطاب الدينى.
 

ومن الناحية التاريخية، فإن قضية حراسة الدين فى التاريخ الإسلامى كانت جزءًا من سلطة الحاكم أو الخليفة، وحسبما عرف ابن خلدون الإمامة أو الخلافة، فقال «هى حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعى فى مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ إن أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة. فهى (أى الخلافة) فى الحقيقة: خلافة عن صاحب الشرع فى حراسة الدين وسياسة الدنيا به»، أما الماوردى فقد قال إنها «موضوعة لخلافة النبوة فى حراسة الدين وسياسة الدنيا».
 

أما الشيعة فيأتوا على رأس مَن وقعوا فى فخ حراسة الدين من خلال النظام البائس الذى يُعرف بولاية الفقيه، دخلت هذه الفكرة على الأيديولوجية الشيعية الإثنى عشرية بعد الغيبة الكبرى وأخذت طابعًا عقائديًّا مهمًّا وكان معناها يتمثل فى أن الإمام حى ولكنه غائب عن الأنظار، ولم يفقد سلطته الإلهية بسبب غيبته وأن هذه السلطة تنتقل منه إلى نوابه، لأن النائب يقوم مقام المنوب إليه فى كل شىء، وفى الحقيقة فقد بدأت بذور هذا النظام فى عهد الإمام العسكرى، وهو ما عرف أولًا باسم المرجعية، حيث تعاظم دور علماء الشيعة باعتبارهم نوابًا وسفراء عن الإمام المعصوم، وانتشرت روايات عن الإمام العسكرى فى دور علماء الدين، فنقلوا أن الإمام العسكرى روى عن جده الإمام الصادق «مَن كان من الفقهاء صائنًا لنفسه حافظًا لدينه مخالفًا لهواه مطيعًا لأمر مولاه فاللعوام أن يقلدوه»، وهذا الفقيه الذى يعرف بآية الله له نفس ما للإمام من التقديس والتعظيم والخضوع والانقياد لأوامره واجتهاده، ولا يحل لأحد أن يعترض على اجتهاد الآيات، لأن المعترض عليها -حسب زعمهم- معترض على الله تعالى وعلى أحكامه، وتعبر الأفكار الإثنى عشرية، ذلك بأن الله تعالى جعل للفقيه كل ما جعله للإمام من حيث رئاسته على كل الأنام وسلطته على سائر العباد وإدارته أمور الملة وإمامته لقيادة الأمة لتنفيذ القوانين الدينية وتدبير الشؤون الحيوية.
 

وفى الحقيقة فإن الإسلام فى أصله الصافى لا يعترف بقضية حراسة الدين، فالرسالة الحقيقية لأى دين لو تم فهمها على النحو الصحيح ستترجم حراسته إلى أخلاق ومحبة ومعاملة مع الآخر، الإسلام كدين لا يعرف فكرة المؤسسة، بل ويرفض المؤسسة الدينية الحارسة للدين، الإسلام فى أصله الصافى لا يعرف الرقيب ولا الكهنوت، ولكن هذه الأفكار لم تكن لتصمد أمام شهوة السيطرة الدينية لهؤلاء الحراس الجلاوذة، انظر مثلًا عزيزى القارئ إلى ما قام به محدث السلفيين الأعظم من إلقاء سلسلة عصماء من الخطب المنبرية المصورة بعنوان «سلسلة حراسة الدين».
 

وحسب أحد حراس كهنة المعبد مَن نصبوا أنفسهم حراسًا على رقاب العباد الذى قال: «إن من سمات المسلم الصادق التفريق الدائم بين الحق والباطل والدفاع المستمر عن الدين المنزل وحماية الشريعة والملة المحمدية من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان، فالمسلم الصادق يقوم بوظيفة النبى، صلى الله عليه وسلم، فى الدعوة إلى الله عز وجل وإقامة الشعائر وحماية جناب الدين وحراسة حدوده والرصد الدائم لمكائد أعداء الدين من الكافرين والمنافقين وسعيهم الحثيث لخلط الحق بالباطل والهدى بالضلال والغى بالرشاد والتلبيس على المسلمين من خلال الشبهات والشكوك التى يدسونها بين المسلمين لدحض الحق وطمس معالمه، فحراسة الدين وحماية حدوده وأصوله مهمة وضرورية فى كل زمان ومكان».
كما عبر أيضًا محمد إسماعيل المقدم عن هذا قائلًا: «نحن نتمنى أن نكون فى مستوى نقوم بكل وظائف الأمة التى تتلخص فى كلمتين (حراسة الدين) و(سياسة الدنيا بالدين)، يحاول السلفيون وقد برعوا فى ذلك وهو القيام بوظيفة حراسة الدين أما سياسة الدنيا بالدين فنرجو ذلك».

 

وأشار إلى أنه فى حالة حصول تعارض بين السياسة وثوابت منهج، خيارهم سيكون هو الثبات على حراسة الدين، وعدم خوض العمل السياسى، الذى قد يلزمهم بتحوير عقائدهم وتزييف مفاهيم الإسلام، على حد تعبيره، أو كما عبر ياسر برهامى وقت انتخابات 2012، قائلًا: «الحديث على الرئاسة وترشيح سلفى للرئاسة هو قرار مجلس إدارة الدعوة السلفية وبطريقة الشورى لخدمة المشروع الإسلامى وأن دورهم فى حراسة الدين خلال هذه المرحلة وأن مسؤولية الرئاسة فوق طاقة الدعوة الآن».
 

وفى الأخير.. انفضوا عن أرواحكم نفوذ هؤلاء الحراس، ارفضوهم بكل صورهم، فهم يحرسون ما لا يملكون، احترس منه بكل أشكاله سواء أكان حارسًا ذا لحية سلفية أو ابتسامة صفراء إخوانية أو عمامة بالية، فولايتهم ساقطة وحراستهم باطلة، وأزمانهم بالية.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...