‫كيف تعرف أن مديرك أو ابنك أو شريك حياتك أو صديقك من النوع السيكوباتى؟‬

د.محمد المهدى



‫كيف تعرف أن مديرك أو ابنك أو شريك حياتك أو صديقك من النوع السيكوباتى؟‬



الشخص السيكوباتى يمثل الشىء ونقيضه، فهو فى الظاهر شىء وفى الباطن شىء آخر، هو الطيبة الظاهرة والقسوة الكامنة، هو الرحمة فوق السطح والقسوة الكامنة المتربصة، هو العدل الظاهر والظلم الرابض فى الأعماق، هو الحنان البادى للأنظار والشراسة المتخفية فى أحراش نفسه، هو الحرباء المتلونة والثعبان المتلوى، هو الحمامة اللطيفة فى الظاهر والنسر الجارح فى الجوهر. لا تستطيع بسهولة أن تفهمه «أو تفهمها»، فتقلباته وتناقضاته أسرع من محاولات فهمه واستيعاب حركاته ومواقفه. قد يكون رجلًا أو امرأة، قد يكون زوجًا أو زوجة، قد يكون زميلك أو رئيسك فى العمل، قد يكون فى منصب مرموق، وقد يكون زعيمًا تاريخيًّا.

 

الشخصية السيكوباتية تعنى الشخصية المعتلَّة، وهى من أصعب الشخصيات وأكثرها تعقيدًا، وهى وراء معاناة البشر على مرّ التاريخ، وصعوبتها تكمن فى قدرة صاحبها (أو صاحبتها) على التلوُّن والتقلُّب واللعب بالأفكار والمشاعر، والإيهام بالدفء الإنسانى، والتلويح بالمكاسب، وإبداء المروءة والشهامة فى لقطات قصيرة، وسحر الكلام، ومعسول الحديث، ثم الانقضاض على الفريسة التى صدقت ووثقت وانبهرت واستسلمت.
 

فالشخص السيكوباتى أحيانًا يلين كالحرير ويرق كالنسيم ويطيب ويحن كالأم الرؤوم، ثم فى لحظة الانقضاض يهيج كالموج ويعصف كالريح العقيم، ويفتك كالوحش. تبدو منه طبقة كلها احتواء ووعود وحنان تخفى طبقة مليئة بالأنانية والانتهازية والطمع والعدوانية.
 

والسيكوباتى يبدى اهتمامًا زائدًا «وزائفًا» بمَن يتعامل معه، ولكنه فى الحقيقة متمركز حول ذاته، ولا يفكر إلا فى تحقيق مصالحه ورغباته وإشباع احتياجاته الذاتية، ويقوم باستغلال الآخرين ليحققوا له كل ما يهفو إليه، دونما أدنى إحساس بالمسؤولية أو الندم أو الذنب، وهذه الحالة من انعدام الشعور بالندم والذنب تتيح للسيكوباتى معاودة سلوكياته التى تنتهك حقوق الآخرين وتعتدى على أموالهم أو أجسادهم أو كرامتهم أو شرفهم.
 

والسيكوباتى لا يتعلم أبدًا من تجاربه وأخطائه، فالبوصلة لديه موجهة نحو تحقيق الملذات والاستمتاعات والمكاسب، وذاكرته ضعيفة جدًّا لما تعرض له من عقوبات أو مساءلات أو إهانات بسبب سلوكياته المنحرفة، ولهذا يحتفظ بقدرته على معاودة الكذب والخداع واللف والدوران والمراوغة بلا نهاية.
الشخصية السيكوباتية هى أحد أنماط اضطرابات الشخصية، تلك الأنماط التى تتسم بوجه عام بوجود نمط دائم من الخبرة الداخلية والسلوك الذى ينحرف بشكل ملحوظ عما هو متوقع من ثقافة الفرد ويتجلى فى اثنين أو أكثر من المجالات التالية:

 

1– الإدراك «أى سبل إدراك وتفسير الذات، والآخرين، والأحداث».
2– الوجدانية «أى نطاق، وشدة، وتغير، ومدى ملاءمة الاستجابة العاطفية».
3– الأداء فى العلاقات الشخصية.
4– السيطرة على الاندفاعات.

 

وهذا النمط يكون غير مرن وممتد عبر مجموعة واسعة من العلاقات الشخصية والمواقف الاجتماعية، ويؤدى إلى مشكلات اجتماعية أو أخلاقية أو مهنية، ويمكن تتبع بداياته إلى مرحلة الطفولة والمراهقة.

 

أنماط من السيكوباتية:

السيكوباتى العدوانى الفج «الشخصية المعادية للمجتمع»
يكون ذكاؤه محدودًا، ولذلك تظهر عدوانيته أغلب الأوقات، وتفشل سريعًا محاولاته للكذب والخداع والمراوغة والاستغلال، ولهذا يكتشف سريعًا، ويتعرض لعمليات انتقامية من الناس، أو يقع تحت طائلة القانون إذا تم ضبطه متلبسًا بسرقة أو سلوك عدوانى. وهذا النوع تجده فى الأحياء الفقيرة والطبقات الاجتماعية الدنيا، وغالبًا ما يأخذ شكل البلطجى أو اللص أو الديلر «موزع المخدرات».. إلخ. وقد ورد فى الدليل التشخيصى والإحصائى الخامس للاضطرابات النفسية «DSM-5» توصيف لما يسمى بالشخصية المعادية للمجتمع، كالتالى:
أ- نمط شامل من الاستهانة بحقوق الآخرين وانتهاكها يحدث منذ سن الخامسة عشرة، كما يستدل عليه بثلاثة أو أكثر مما يلى:
1- الفشل فى الامتثال للمعايير الاجتماعية فى ما يتعلق بالسلوكيات المشروعة، كما يستدل على ذلك من تكرار القيام بأفعال تكون أساسًا للاحتجاز القانونى.
2- الخداع، كما يستدل عليه بالكذب المتكرر، أو استخدام الأسماء المستعارة، أو الاحتيال على الآخرين بهدف المنفعة الشخصية أو المتعة.
3- الاندفاعية أو الإخفاق فى التخطيط للمستقبل.
4- التململ والعدوانية كما يستدل عليها بالمشاجرات المتكررة والتعديات.
5- الاستهتار المتهور بسلامة الذات والآخرين.
6- اللا مسؤولية الدائمة كما يستدل عليها من الإخفاق فى المحافظة على عمل دائم أو فى الالتزامات المالية الشريفة.
7- الافتقار إلى الشعور بالندم، كما يستدل عليه باللا مبالاة عند إلحاق الأذى أو تبريره، أو عندما يسىء معاملة أو يسرق شخصًا آخر.

 

ب- عمر الفرد 18 سنة على الأقل.
 

ج- ثمة دليل على اضطراب سلوك بدأ قبل سن 15 سنة.

 

السيكوباتى المهذب «أصحاب الياقات البيضاء»
يتسم بالحديث الجميل وينتقى كلماته وتعبيراته، تجده متأنقًا فى ملبسه «شيك جدًّا»، وربما يركب سيارة أحدث موديل، ويعطى انطباعًا جيدًا لكل مَن يراه، وهو ذو جاذبية عالية «اجتماعية أو عاطفية»، هادئ، منظم، يعرف جيدًا كيف يدخل إلى عالم مَن يحدثه، ويعرف جيدًا احتياجات ضحاياه، فيلعب على هذه الاحتياجات، فمثلًا ينتقى الباحثين عن المال والمكسب السريع، فيغريهم بمشروعات تُدِرّ عليهم ربحًا هائلًا وبفرص للكسب السريع، فيقعون فى شباكه مهما كانت درجة ذكائهم وكأنه قام بتخديرهم، ويتعجب الناس: كيف استطاع هذا الشخص أن يجمع الأموال من رجال أعمال وأطباء ومهندسين ومستشارين ومثقفين بحجة عمل شركة أو أى مشروع فسلموا له دون أن يطلبوا أو يأخذوا ضمانات كافية وهم مَن هم فى الذكاء والخبرة، وينتقى الفتاة أو المرأة التى تبحث عن الحب فيغريها بالحب والاهتمام ويغمرها بالمشاعر الفياضة فتسلم له نفسها وربما تعطيه أغلى ما تملك وكأنها فى حالة غيبوبة، وينتقى الباحثين عن الأمان فيعطيهم الإحساس بقدرته على حمايتهم وتأمينهم مما يحيط بهم من أخطار، فيسلمونه قيادهم وإرادتهم فيفعل بهم ما يشاء ويستغلهم أسوأ استغلال. والسيكوباتى المهذب ربما تجده يحتل مركزًا وظيفيًّا مرموقًا أو ينحدر من طبقة اجتماعية عُليا، أو يحمل شهادة علمية متميزة، أو يتمتع بثقافة عالية، أو يكون مفكرًا أو سياسيًّا أو قائدًا اجتماعيًّا مرموقًا ويُشار إليه بالبنان. ونظرًا إلى ما يتمتع به السيكوباتى المهذب من مكانة ومن درجة ذكاء عالية ومن ملكات شخصية، فإنه يفعل كل ما يريد دون أن يقع تحت طائلة القانون أو العقاب، إذ لديه قدرة هائلة على التلوُّن والمراوغة، والهروب من مسؤوليته عن أفعاله، وربما يخدع مَن حوله بأن ما فعله هو الصواب بعينه، وأنه لصالح مَن يعتبرون ضحاياه، وقد يصدق ضحاياه ذلك وينساقون خلفه وكأنهم مغمضو الأعين أو مخدرو الوعى أو مسلوبو الإرادة.
وتشير الأبحاث إلى أن واحدًا من كل خمسة من الذين يتبوَّؤون مواقع فى مجالس الإدارة والمناصب العليا فى الشركات يخفون ميولًا للعنف الاجتماعى المتخفى والقسوة المغلفة برقة ظاهرية، مستخدمين صفات شخصية معينة، ليحافظوا على سحرهم الشخصى ويشقون طريقهم فى مكان العمل.

 

وتوصل بحث أجراه عالم النفس بول بابياك من نيويورك إلى أن أربعة فى المئة من قادة الأعمال فى الولايات المتحدة يمكن أن يكونوا من أصحاب الشخصيات السيكوباتية ذات السلوك الاجتماعى المضطرب.
وتوصل بحث آخر أجرى على مديرى بعض الشركات إلى أن من بين ثلاثة فى المئة و21 فى المئة منهم لديهم شخصيات سيكوباتية بصورة واضحة، مقارنة بواحد فى المئة من عامة الشعب، هذه الأرقام ترسم صورة لقادة الأعمال الذين يقدمون الطموحات التى لا تعرف الرحمة على كل شىء آخر، ولا يتورعون عن استخدام الناس لتحقيق مصالحهم.

 

السيكوباتى المبدع
ولكونه مبدعًا فى أى مجال من المجالات، فهو يبهر الناس ويسلبهم عقولهم، وبالتالى يسهل عليه أن يسلبهم كل شىء، وهو قادر على تزييف كل الحقائق أمام أعين ضحاياه، ويأتى بالأعاجيب التى تجعلهم يسلمون له وهم فى حالة رضا لذيذ، وحتى حين يكتشفون خداعه لهم واستغلاله إياهم ربما يغفرون له كل ذلك. وهذا السيكوباتى المبدع قد تجده فى القيادات التاريخية العُليا فى المجالات الفكرية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الفنية أو الاجتماعية أو السياسية، وتكون لديه القدرة على خداع الجموع الغفيرة وعلى التلاعب بعقولهم ووجدانهم ووعيهم.

 

السيكوباتى الزعيم
وقد استدلوا على هذا النوع من شيوع الصفات السيكوباتية فى عدد غير قليل من زعماء العالم التاريخيين والحاليين، إلى درجة دفعت الجمعية العالمية للطب النفسى «World Psychiatric Association» إلى التوصية بفحص المتقدمين للترشح للمناصب القيادية والرئاسية للفحص الطبى النفسى، لاستبعاد المرض النفسى واضطرابات الشخصية، حيث ينجح السيكوباتيون كثيرًا فى الوصول إلى مناصب عُليا نظرًا لقدراتهم على الكذب والخداع والمناورة ولما يتمتعون به أحيانًا من كاريزما حقيقية أو زائفة (يصنعها الإعلام) فيخدعون شعوبهم وربما يتسببون فى حروب وكوارث وأزمات عالمية «لوحظ وجود اضطرابات نفسية أو اضطرابات فى الشخصية لدى هتلر وموسيلينى ونيرون والقذافى وصدام حسين، وغيرهم». والسيكوباتى الزعيم يسحر الجماهير بطلعته، أو كاريزمته، أو وعوده، أو أكاذيبه، أو عنصريته، أو لعبه على الأوتار القومية أو الطائفية، فتنجذب له الجماهير وتفقد قدرتها على التفكير النقدى وتسلم له قيادها، فيأخذها إلى حيث الهلكة، فلا تفيق إلا لحظة الارتطام بقاع حفرة تاريخية عميقة وموحشة يأخذها لها الزعيم الكاريزمى أو السيكوباتى المحبوب.

 

السيكوباتى المتقلب العاجز
وهو كثير الشبه بالشخصية السلبية الاعتمادية، ولكنه يزيد عليها بالأنانية المفرطة، فهو لا يستقر فى عمل، وتتخلل أعماله المشاجرات والمشاحنات، وقد تتعدد زوجاته دون أن يتحمل أية مسؤولية لرعايتهن، أو الإخلاص لأحد غير نفسه ولذته، وعلى الرغم من الحماس والعاطفة اللذين يظهرهما، فإنهما سرعان ما يتبخران مع قضاء مراده، وهذا النوع حين يعجز عن الكسب المشروع والحياة الشريفة يتجه إلى النصب والاحتيال، كى يحصل على ما يريد.

 

السيكوباتى المتدين
وهو يكتشف أن المجتمع يثق بالمتدينين ويُعلِى من مكانتهم ويأمنهم على ما يملك، لذلك يلجأ السيكوباتى إلى نوع من الكذب المتدين أو التدين الكاذب، كى يسهل عليه الإيقاع بضحاياه، فيبدى مظهرًا متدينًا ويمارس طقوسًا دينية خالية من أى روح، وقد ينخدع به البسطاء من الناس لفترات متفاوتة، ولكن إن آجلًا أو عاجلًا تنكشف سوءاته وتظهر انتهازيته وأنانيته وسوء طويته، وهنا قد يبرر ذلك لنفسه وللآخرين بأنه مستهدف لتدينه وورعه.

 

السيكوباتى الزوج
هو شخص ساحر فى مراحل التعارف الأولى، فهو قادر على إعطاء صورة المحب المتيم والمهتم، ويعطى صورة الشهم صاحب المروءة فى اللقطات القصيرة، ويستطيع أن يرفع حبيبته أو خطيبته إلى السماء بكلمات معسولة، وهو باحث عن اللذة والمتعة الشخصية فقط، لذلك فهو ينظر إلى زوجته على أنها أداة لتلبية احتياجاته البيولوجية من مأكل ومشرب ومأوى وجنس، ولا يعطى أى اعتبار لاحتياجاتها، وهو غالبًا ما يعدد علاقاته كما يعدد فناجين قهوته وعلب سجائره وزجاجات خمره وما يتعاطاه من مخدرات، فهو ذواقة للمتع الحسية بكل أشكالها، والمرأة بالنسبة إليه ما هى إلا متعة حسية، ولذلك يستنزفها حتى إذا نفد رصيدها الإمتاعى عنده استبدل بها غيرها، وهو لا يعطى اعتبارًا للعِشرة أو لتضحياتها من أجله، ولا يشعر بالندم حين يلقى بها على قارعة الطريق ويبحث عن غيرها، ولا يهمه تصدع الأسرة أو حرمان الأولاد.

 

المرأة السيكوباتية
فى الأغلب تكون سيكوباتية متلونة ومتخفية، تصنع المكائد وتتفنن فى الإيقاع بالضحايا، خصوصًا من الرجال، تستنزف مشاعرهم وأموالهم بعد أن توقعهم فى حبالها ثم تلقيهم فى أقرب سلة مهملات، حين لا يصبح لديهم شىء تستنزفه، وهى امرأة مثل الحية أو مثل الحرباء، تعد ولا تفى، تغوى ولا تشبع، والويل لمَن يتعامل معها.

 

المجتمع السيكوباتى
يعنى مجتمعًا انتشرت فيه المفاسد والقيم السلبية بدرجة كبيرة، وفشلت محاولات الإصلاح فى تنقيته منها، فسلم الناس بهذه القيم السلبية، وهنا تتفشى السمات السيكوباتية فى غالبية الناس، ويصبح المنكر معروفًا والمعروف منكرًا، ويتقبل الناس الكذب والمراوغة والخداع وانتهاك الحقوق على أنها أشياء عادية لا تشين صاحبها، بل على العكس يستنكر غالبية هذا المجتمع السلوكيات القويمة والمستقيمة ويعتبرون أصحابها معقدين ومتصلبين ومتشددين ومثاليين أكثر من اللازم ويفتقرون إلى المرونة والواقعية. وتقوم نخبة هذا المجتمع بتبرير وتسويق القيم السلبية السائدة تحت مظلة الواقعية أو الضرورات الاجتماعية والحياتية أو مواكبة الظروف الطارئة، وهكذا تخون النخبة مجتمعها حيث تزين له مزيدًا من الانحدار بحثًا عن مكاسبها الوقتية وإرضائها رموز الفساد المنتشرين فى المجتمع والممسكين بمقاليد الأمور.

 

والسؤال الآن: ما أسباب تكون الشخصية السيكوباتية؟
هذا أمر يطول شرحه، ولكننا نوجز القول بوجود أسباب بيولوجية جينية «وراثية»، وأسباب بيولوجية كيميائية «تتصل بالهورمونات والناقلات العصبية فى المخ»، وأسباب تشريحية فسيولوجية «تتصل بتركيبات مراكز المخ وطرق عملها»، وأسباب بيئية «تتصل بما يتعرض له الشخص من ضغوط وصدمات فى مراحل طفولته المبكرة»، وأسباب اجتماعية «تتصل بما رأى من نماذج سلوكية تأثر بها فى مراحل حياته المختلفة، وما يعيشه من قيم اجتماعية تنشط السمات السيكوباتية، كأن يكون المجتمع الذى يعيش فيه يُعلِى من قيمة الانتهازية والاستغلال والخداع والفهلوة والسيطرة والتحكم والبلطجة، وغيرها من القيم السلبية».

 

إذن كيف نتعرف على الشخص السيكوباتى حتى لا نكون ضحايا له؟
الأمر صعب وسهل فى الوقت نفسه، وصعوبته تكمن فى كون السيكوباتى لديه خبرة هائلة فى إخفاء وجهه القبيح، وسماته الشريرة، إذ يبدو فى لقطات قصيرة منفردة حنونًا دافئ المشاعر محتويًا لمَن يتعامل معه، واعدًا بكل ما يجعل الآخرين يثقون فيه ويتأملون منه الخير، ولكن مع تكرار التعامل، أو مع استمرار التعامل تتكشف عيوبه وعاهاته وأطماعه وانتهازيته وقسوته وأنانيته المفرطة واندفاعاته وتهوره وبلادة حسه، والتعرف عليه سهل لمَن يفتح عينيه وهو يتعامل معه، فيرى كذبه ولفه ودورانه ومراوغاته ومبالغاته وتناقضاته. وقد يفلت السيكوباتى من انكشاف أمره فى اللقطات القصيرة والسريعة، وقد ينخدع فيه حتى أذكى الناس، ولكن إذا داومنا متابعته لفترة كافية أو فى مواقف متعددة تتكشف خباياه، وأهم صفة تميز السيكوباتى هى الكذب، والكذب صفة مركزية فى شخصيته تتفرع منها بقية صفاته السيئة.

 

والسؤال الأهم هو: كيف يمكن أن نحمى أنفسنا من الشخص السيكوباتى؟
إذا أمكنا أن نتفادى التعامل معه فهذا هو الطريق الأمثل، أما إذا كنا مرغمين على التعامل معه كأن يكون زوجًا أو زوجة أو زميلًا أو رئيسًا فى عمل، فإننا نحتاج إلى اليقظة الكاملة له، وأن لا نسلم له بما يقول، بل نتأكد بطرق مختلفة مما يقوله، وأن يقتصر تعاملنا معه على الضرورة فقط، ولا نوسع معه دوائر التعامل، وأن نحافظ على ممتلكاتنا، وعلى طاقاتنا، حتى لا يستنزفها لصالحه، وأن لا ندخل معه فى مساجلات أو صراعات تستنزف قوانا وتغريه بالكذب واللف والدوران أو تدفعه للعدوان علينا وانتهاك حقوقنا. ونسعى جاهدين لأن نكون خارج دائرة نفوذه وتأثيره فى أقرب فرصة ممكنة، فالحياة معه أو بقربه هى الجحيم بعينه.

 

وأخيرًا: هل لاضطراب الشخصية السيكوباتية علاج؟
فى الماضى كانوا يقولون إن اضطرابات الشخصية ليس لها علاج، ولكن فى العقدين الأخيرين بيَّنت بعض الأبحاث أن الشخصيات السيكوباتية يمكن أن تستفيد من التدخلات العلاجية المختلفة، فمثلًا هناك استجابات متفاوتة لجرعات صغيرة من مضادات الذهان «التى تقلل من السلوك العدوانى»، ومن مثبتات المزاج «التى تقلل من تقلبات المزاج وتقلل من السلوكيات الاندفاعية والمتهورة»، ومن مضادات الاكتئاب «التى تحسن الحالة المزاجية وتحسن استجابات الشخص للإحباطات والآلام»، ومن مضادات القلق «التى تمنح الشخص شعورًا بالطمأنينة والسكينة». كما يستفيد السيكوباتيون من العلاجات النفسية المختلفة، ومن التدعيمات الاجتماعية، ومن الرعاية الإنسانية، وإتاحة الفرصة لهم للعيش الكريم المدعوم من أشخاص ومؤسسات يتقبلونهم ويتحملون بعض جنوحهم ويأخذون بأيديهم للعيش الكريم.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.