الدويقة تانى.. حين تلدغ الحكومة من نفس الجحر 10 مرات

كريم البكرى



الدويقة تانى.. حين تلدغ الحكومة من نفس الجحر 10 مرات



لا يلدغ مؤمن من جحر مرتَين، ولكن للأسف أجهزة الدولة قد تُلدغ من نفس الجحر عشرات المرات، الأزمات فى مصر تحوَّلت من كونها أحداثًا طارئة إلى أخرى متكررة، وتكاد تصبح «أسلوبًا للحياة».

 

ما سبق يستحضره البال سريعًا عندما نقرأ خبرًا بشأن سقوط صخرة بالدويقة، وتسببها فى تضرر نحو 80 أسرة، خصوصًا أنه فى سبتمبر 2008 تعرضت المنطقة نفسها لحادث مشابه مات على إثره أكثر من 60 شخصًا وأصيب 50 آخرون.
 

الإعلام اهتم بسرعة تحرك الدولة فى حادث 2019، ونقل الأُسر المتضررة إلى حى الأسمرات فى وحدات سكنية جديدة، وهذا الأمر بالقطع محمود تمامًا، ولكن السؤال الواجب طرحه: لماذا لم تحتط الدولة وتتعظ طيلة 10 سنوات؟! لماذا لم يتم إخلاء المنطقة من سكانها؟!
 

الغريب أن الأزمة ليست منذ 2008 فقط، بل هى أقدم من ذلك، فقد نتج عن اهتزازات المقطم العديد من الحوادث على مدى 35 عامًا مضت، والأهالى قدموا الشكاوى والاستغاثات إلى المحافظة والمركز القومى لحقوق الإنسان، وحى الدويقة، متنبئين بأن اهتزازة ما قد تسبب كارثة.
 

وحى الدويقة من جانبه أقدم على تحرير مخالفات لأغلب السكان الموجودين فوق الجبل، وتحوَّلت تلك المحاضر إلى قضايا حُكِم فى بعضها بالحبس والغرامة.
 

ولكن على الجانب الآخر، الحى لم ينقل المواطنين، حتى إنه فى مارس 2001 بعث المقرر الخاص للأمم المتحدة الخاص بالحق فى السكن رسالة إلى وزير الإسكان -آنذاك- محمد إبراهيم سليمان، بشأن سكان الدويقة، يطالبه فيها بضرورة الالتزام بالمعايير الدولية، وتطبيق مصر العهود والاتفاقات الدولية الخاصة بالحق فى سكن مناسب، وَفقًا للإعلان العالمى لحقوق الإنسان المادة 25 فقرة 1، والعهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المادة 11 فقرة 1، واتفاقية حقوق الطفل المادة 27 فقرة 3، واتفاقية إلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة المادة 5، ومصر موقعة ومصدقة على كل هذه الاتفاقيات.
 

وردًّا عليه، منح الوزير محمد إبراهيم سليمان (عضو مجلس الشعب عن المنطقة، آنذاك) أصحاب البيوت المزالة شققًا فى مدينة بدر، والتى تبعد أكثر من 40 كيلومترًا خارج القاهرة، مع مطالبة السكان بمقدمات ورسوم كأى مواطن يتقدم لشراء وحدة سكنية، ما مثّل صعوبة بالنسبة إلى السكان.
 

وفى شهر يناير عام 2007 استغاثت 34 أسرة من أُسر الدويقة، بعد أن أوشكت منازلهم الواقعة تحت تلال الجبل على السقوط، واتهموا جهاز القاهرة للإسكان والتعمير التابع لمحافظة القاهرة، بالتسبب فيها، وذلك على خلفية إزالة 50 منزلًا وتهجير سكانها إلى مساكن سوزان مبارك الجديدة.
 

وفى أوائل 2008 تقدم ما يزيد على 2800 مواطن من سكان شارع الخزان بالدويقة بشكوى جديدة إلى المجلس القومى لحقوق الإنسان، يتضررون فيها من الانهيار الصخرى الذى يهددهم، ومن التصدعات الكثيرة بمساكنهم بسبب انهيار هذه الصخور.
 

ووصولًا إلى 2018، حذَّر النائب هانى مرجان، عضو مجلس النواب عن دائرة الجمالية ومنشأة ناصر، من تكرار كارثة مأساة الصخرة التى انهارت فوق منازل ساكنى الدويقة بحى منشأة ناصر عام 2008، وقال إنه كان فى جولة تفقدية لإدارة منشأة ناصر التعليمية، ولاحظ وجود شرخ عميق فى الجبل، مؤكدًا أن حجم وعمق الشرخ ينذر بخطورة شديدة وكارثة متوقعة فى أى وقت، خصوصًا أن تلك المنطقة بها مجمع مدارس ابتدائى وإعدادى، كما أنها منطقة مكتظة بالسكان.
 

الرصد السابق لتاريخ الأزمة أمر ضرورى وحتمى لتأكيد عدم اكتراث الدولة بفقه الأولويات، فسكان الدويقة ومَن شابههم فى هذه الحالة الخطيرة من المفترض أن يكونوا على رأس أولويات الدولة من أجل توفير سكن كريم وملائم لهم.. ولكن هذا لم يحدث إلا بعد ضياع الكثير من الوقت، ونزيف الكثير من الدماء.
أزمة الدويقة ليست هى وحدها المتكررة، ولكن للأسف شأنها شأن حوادث الطرق والقطارات وانهيار العقارات المخالفة والإهمال الطبى وتسريب الامتحانات وانتحارات مترو الأنفاق والتحرش الجنسى، والدولة دائمًا ما تكون «رد الفعل».

 

أجهزة الدولة منوط بها تقديم ضربات استباقية للأزمات، خصوصًا إذا كانت واضحة جلية. الإصلاح الاقتصادى أمر ضرورى، كذلك أيضًا منتديات ومؤتمرات الشباب، ولكن أجهزة الدولة تفتقر إلى الاهتمام بفقه الأولويات.
الأولوية يجب أن تكون لحياة وسلامة المواطن المصرى، يجب أن تتحرك الدولة بشكل سريع لإنقاذ بقية سكان الدويقة، وأهالى بقية المناطق الشبيهة، وبحث تعويض الأهالى بسكن آدمى ملائم.

 

فى هذا الصدد، قال الدكتور محمد العقبى، المتحدث الرسمى باسم وزارة التضامن الاجتماعى، إن الدويقة هى واحدة من المناطق التى كان هناك تخطيط لنقل سكانها إلى المدن الجديدة، وبالفعل تم نقل الأسر المتضررة إلى الأسمرات، بينما أفاد المهندس خالد صديق، مدير صندوق تطوير العشوائيات، أن الاستخدام غير السليم للمياه والصرف الصحى فى هذه المنطقة هو الذى سبب الكارثة، مشيرًا إلى رفض بعض الأسر الانتقال معتبرًا إياهم «متمسكين بالموت»، وَفقًا لقوله.
 

وإذا افترضنا أن هناك حقًّا مَن يتمسك بالموت، فحتمًا لا يجب أن ترضى له أجهزة الدولة بالموت، فموت أحد المواطنين بمثابة خسارة فادحة لا يمكن تعويضها، ولن تكتمل أية مسيرة إصلاح دون جهود كل المواطنين بكامل فئاتهم وأعمارهم، وضمان أمانهم وتلبية حقوقهم.
 

الدولة طيلة عقود عديدة كانت شريكة فى أزمة العشوائيات، والمساكن غير الآدمية، والمناطق الخطرة، فطالما عجزت الدولة عن إيجاد بديل لخطر العشوائيات الداهم، حتى تكاثرت المناطق الخطرة على أصحابها بشكل خاص والمجتمع بشكل عام، وبات التحرك السريع واجبًا لا تفضًلا.
 

كارثة الدويقة، تتزامن مع اعتزام النظام الحالى القضاء على العشوائيات والمناطق الخطرة، فوَفقًا لتصريحات مدير صندوق تطوير المناطق العشوائية؛ فمن المقرر أن يتم الإعلان عن مصر خالية من المناطق الخطرة وغير الآمنة بنهاية 2019، وأن خطة 2030 للقضاء على العشوائيات غير المُخططة، مشيرًا إلى وجود 375 منطقة، تم التعامل مع 158 منها بإجمالى 88 ألف وحدة، سواء بتنفيذ وحدات بديلة أو إزالة الخطر عنها.
 

الدولة يجب أن تحرص على تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان حق المواطن فى الحصول على مسكن آمن، بل وعليها أيضًا بحث تحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية لسكان المناطق العشوائية، فهؤلاء الضحايا حُرموا من التعليم الجيد، والمرافق الآدمية، والحياة الكريمة، ومن ثَمَّ يجب علاج هذا الأثر السلبى حتى يتحولوا إلى أعضاء فاعلين فى المجتمع.
 

وبالعودة إلى تصريحات مدير صندوق تطوير العشوائيات، بشأن تمسك بعض الأهالى بالموت، فهنا يجب الإشارة إلى ضرورة ملاءمة السكن لظروف المواطنين وإقامتهم، فما الذى سيجعل شخصًا يرفض سكنًا آدميًّا فى منطقة قريبة منه جغرافيًّا مدعمة بالمرافق ومأهولة بالسكان؟! إذا توفر ذلك أستبعد حينها أن يتمسك أحد بالموت، فمَن الذى يختار الموت على الحياة الكريمة؟!
 

كما يجب كسر قيود المركزية فى رحلة تطوير العشوائيات والسيطرة على المناطق الخطرة، مما لا شك فيه أن الأقاليم أيضًا مكتظة بنفس الحالات، ولكن ربما تأخر الكوارث عنها هو السبب فى عدم معرفتنا بها، لذلك يجب أن تتحرك المجالس المحلية بتنسيق لا ينفصل عن جهد وزارة التضامن وصندوق تطوير العشوائيات.
 

فى النهاية.. الخطر الذى يتعرض له سكان حى منشأة ناصر لم ينتهِ بعد، ولا بديل عن إعادة تخطيطه، وإجراء الدراسات اللازمة لإزالة الصخور المعرضة للانهيار، وإحلال وتجديد المناطق السكنية به، وإخلاء جميع المبانى المقامة فى المناطق الخطرة، وإعادة تخطيطها، مع اتخاذ التدابير نفسها فى جميع الأحياء العشوائية غير الآمنة، بالتزامن مع نقل السكان إلى مناطق حضرية.


ولابد من السماح لكاميرات الإعلام والصحافة برصد أحوال الدويقة وما شابهها من مناطق خطرة، فالإعلام يجب أن يكون مرآة الواقع، ومُطلق إنذار الخطر بشأن العديد من الكوارث.
 

أعلم أن كوارث اليوم هى نتاج عقود من الإهمال، ولكن دون تخطيط للمستقبل ومعالجة الإهمال المستشرى ستعانى الأجيال القادمة نفس مشكلات اليوم، وستتكرر كارثة الدويقة بعد عشر سنوات مثلما حدثت منذ 10 سنوات ماضية.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.