تطوير التعليم فى مصر.. الطريق لا يزال طويلًا.. جدًّا!




تطوير التعليم فى مصر.. الطريق لا يزال طويلًا.. جدًّا!



طوال الأيام القليلة الماضية، كان الدكتور طارق شوقى، وزير التربية والتعليم والتعليم الفنى، نجمًا إعلاميًّا، فالرجل، خلال أسبوع واحد فقط، كان ملء السمع والبصر فى وسائل الإعلام، جميعها، خصوصًا بالتزامن مع الإعلان النهائى عن اقتراب توزيع الأجهزة اللوحية الذكية «التابلت» على طالبات وطلاب الصف الأول الثانوى، وتأكيد الدكتور طارق شوقى ضرورة الإسراع فى تحويل الكتب إلى نسخ رقمية تفاعلية لوضعها على بنك المعرفة، مؤكدًا، فى الوقت نفسه، أهمية توجيه خطابات إلى جميع الدول العربية لإعادة التفاوض لمشاركة أكبر عدد من تلك الدول، قائلًا: «إننا لدينا تحديات كثيرة، ولكننا مصرُّون على النجاح».

 

حسنًا، فالأمر بدأ، فعلًا، يدخل مرحلة الجدّ، فوزارة التربية والتعليم تأخذ دفعة معنوية كبيرة، الآن، من الرئيس السيسى نفسه، بعد أن أدرك الجميع أن إصلاح التعليم فى مصر إحدى طرق النهوض بهذا الوطن العزيز، ومما يبعث على التفاؤل والبِشْر أن وزير التعليم بدأ يلتفت إلى أهمية مشاركة وتفاعل المجتمع ومؤسساته المدنية فى العملية التعليمية برمّتها، إذ فى خلال انعقاد الاجتماع العاشر للمجلس التربوى لمشروع تحدى القراءة العربى، أكد طارق شوقى أن الوزارة تتعاون مع مؤسسات المجتمع المدنى فى تطوير المدارس بالمناطق العشوائية والفقيرة، وهناك شراكة مع القطاع الخاص لتحقيق الهدف نفسه، مؤكدًا كذلك أن فكرة العمل الجماعى توفر جهدًا ومالًا كبيرَين.
 

يؤكد الوزير أن تجربة توزيع التابلت، فى النصف الثانى من الفصل الدراسى الثانى، سوف تكون تجربة ثرية جدًّا، وأن نسبة الاستيعاب فى هذا الشأن عند الطلاب ستكون مرتفعة جدًّا، موضحًا أن هناك مجالات كثيرة يمكن أن تشارك بها الدول العربية بعضها بعضًا، مثل تدريب المعلمين والإداريين، وتبادل الخبرات التعليمية، مؤكدًا أنه سوف تُقام ورشة عمل فى الفترة القادمة لرؤية وتحديد كيف تكون الخطوة القادمة، وهذا كله -على الورق- كلام جيد، لا نستطيع أن ندّعى خلاف ذلك، لكننا لا نستطيع كمراقبين، بل كمشاركين بدرجات مختلفة فى العملية التعليمية ومنظومتها، أن نمدّ حبال الأمل مدًّا، ولا أن نفرِط فى الأمل الفسيح إفراطًا نُفيق منه على وهم يخلّف فى النفس شعورًا كبيرًا بالخيبة وفقدان الثقة فى أى شىء بعد ذلك، الأمر الذى يجعلنا نتحسّس كلام الوزير، ونسبر أغواره جيدًا لعلنا نتنبّه ونُنبّه!
 

قُلنا، منذ وقت طويل مضى، إن الارتقاء بالتعليم فى مصر لن يتم بتعميم الأجهزة اللوحية الذكية «التابلت»، لأن الأمر أبعد وأعمق من اختزاله فى هذا «التابلت»، ونحن بالطبع لا ننكر أهمية وجوده، لكن ينبغى أن نذكّر القائمين على أمر التعليم وتطويره فى مصر بأن استخدام هذه الشاشات اللوحية ليس قاصرًا على تحميل المناهج الدراسية أو الدخول من خلالها على بنك المعرفة، بل ينبغى استخدامها فى تعليم الطلاب البرمجة، خصوصًا مع انطلاق مبادرة كانت قد أُطلقت فى العالم، والتى تُعرف باسم «ساعة البرمجة أو Hour of code»، إذ يتم من خلالها تعليم الطلاب جزءًا بسيطًا يوميًّا من البرمجة لمدة ساعة واحدة.
 

ولأن المنظومة التعليمية كلها، بمتعلقاتها، فى مصر، للأسف، تعانى منذ عقود، لأسباب كثيرة جدًّا يعرفها الاختصاصيون فى التعليم والتربية، ومما يؤسف عليه أن السياسة غائبة تمامًا عن تلك المنظومة، فلا يحسبن أحد أن إصلاح التعليم فى مصر يتعلق بالعلم والتربية والإدارة فقط، بل إن ثمة جانبًا سياسيًّا كبيرًا نتعامى عنه عندما تأتى سيرة التعليم وإصلاحه وتطويره، ومن الممكن أن نختزل هذا الجانب السياسى فى كلمتين أو مصطلحين، هما: الإرادة السياسية، وفتح المجال العام السياسى، إذ لا ارتقاء بالتعليم دون وجود إرادة سياسية، ودون وجود حرية لا أقول: حرية شاملة، لكننى أقول: قدْرًا كبيرًا منها، وأكاد أجزم أن الحرية صنو التعليم، والتعليم صنو الحرية، لذلك ينبغى أن نلتفت إلى ذلك عندما نتحدث عن تطوير التعليم فى مصر.
 

وثمة شىء آخر، فقد قال الدكتور طارق شوقى، وزير التربية والتعليم والتعليم الفنى، إنه يتمنى زيادة رواتب المعلمين فى المدارس، ولكن القرار ليس فى يده بل فى يد وزارة المالية، وَفقًا لإمكانيات الدولة، فهو يتمنى أن يصل راتب المعلم الواحد إلى 10 آلاف جنيه، ولكن الدولة لا تملك الميزانية التى تكفى كل ذلك، وهو ما يدعو إلى وجوب إصلاح هذا الأمر لتحقيق العدالة الكافية، ولا سيما أن هناك وزارات كثيرة، لا ننفى أنها منتجة، بها شرائح مالية للرواتب تبلغ أكثر من ثلاثة أضعاف راتب المعلمين، وفى الحق فإن المعلمين هم أوْلى الفئات بزيادة رواتبهم، الأمر الذى يدعونا إلى عدم الالتفات إلى تقسيم الوزارات تقسيمًا عنصريًّا بائسًا، ما بين وزارات منتجة ووزارات خدمية، كما هى الحال عند النظر إلى وزارة التربية والتعليم، التى تُتهم، دائمًا، بأنها وزارة خدمية غير منتجة، على الرغم من أنها، وإحقاقًا للحق، وزارة منتجة، بل وزارة سيادية، فهى التى تخرج الأجيال المتعلمة فى المجالات المختلفة، وهى التى ينبغى أن تلقى من الدعم والتطوير والارتقاء ما يلقاه غيرها، ومما يُحمَد للدكتور طارق شوقى أنه ناشد كلًّا من وزارة المالية ومجلس النواب، بالنظر إلى القانون الذى ينص على أساسى المرتبات، إذ إنه يرى أن يُتساوَى بين المدرسين والموظفين فى الجهاز الإدارى للدولة فى المرتبات.
 

الطريق إلى تطوير التعليم فى مصر جد طويل للغاية، لكن على أية حال نتمنى أن نستكمل خطواته، معظمها، حتى نجنى ثمار هذا التطوير فى المستقبل، فهل سيحدث ذلك فى يوم ما؟
نرجو، فعلًا، أن يحدث ذلك.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...