فى ذكرى الأستاذ.. هيكل بين ألغام الصحافة وصواعق السياسة‬

محمد هشام عبيه



فى ذكرى الأستاذ.. هيكل بين ألغام الصحافة وصواعق السياسة‬



هل مضت ثلاث سنوات حقًّا على رحيل هيكل؟

يبدو تصور ذلك أمرًا صعبًا، إذ إن كل الحوادث السياسية والصحفية الكبرى التى مرَّت فى هذه الفترة الثقيلة اقتصاديًّا الفقيرة سياسيًّا، المرتبكة صحفيًّا، وما قبلها من سنوات لاهبة منذ ثورة يناير 2011، يبدو ظل هيكل فيها واضحًا. ليس الأمر يتعلق بتأثير مباشر، بقدر ما أن هيكل قد روى ما جرى، أو استشرف ما سيجرى فى ما كتبه على امتداد مسيرته الصحفية والسياسية الفذة والعابرة لأى حواجز عادية تحاصر عادة بداخلها الصحفى التقليدى أو السياسى التقليدى. لكن هيكل لم يكن تقليديًّا قط. هيكل لم يكن سوى الاستثناء دائمًا. لديه تلك الطاقة العجيبة من «السحر» التى تمكنه من كشف الجانب غير المروى من التاريخ، وكتابة المستقبل كأنه يراه الآن زاهيًا متألقًا خاليًا من أى تشويش.
 

خُذ مثلًا ما كتبه فى آخر صفحات كتابه الفارق «بين الصحافة والسياسة»، يقول: «فى العالم الثالث عمومًا فإن السياسة ليست مجرد صراع مصالح اجتماعية وتيارات فكرية ورؤى مستقبلية، وإنما هى مع الأسف أيضًا -وهذه طبائع التطور ومراحله- حروب دامية من أجل البقاء، ومعارك ظاهرة وخفية، ومطامع ومؤامرات.. والصحافة فى أى بلد هى جزء من الحياة السياسية فيه ولا يمكن أن تكون غير ذلك».
هل هذه فقرة مأخوذة من كتاب صدرت طبعته الأولى فى 1984، أم أنها فقرات مكتوبة للتو ولا تزال حروف طباعتها ساخنة وملتهبة؟!
هكذا كان، وسيبقى هيكل، عابرًا وباقيًا.
……..

 

على كثرة وتنوُّع الكتب التى صدرت ممهورة باسم الأستاذ محمد حسنين هيكل باللغتَين العربية والإنجليزية (وقد كان يكتب فى أحيان كثيرة مباشرة بالإنجليزية ثم تترجم الكتب لاحقًا إلى العربية)، يقف كتاب «بين الصحافة والسياسة» -الصادر فى طبعته الأولى عام 1984، وطبعته الجديدة مع دار الشروق فى 2003- على رأس قائمة الكتب التى كشف فيها هيكل عن جوانب شخصية (وربما سرية)، من رحلة صعوده كمحرر جرائم وحوادث فى صحيفة «الإجيبشيان جازيت» إلى قمة هرم الصحفيين العرب، وصفوة صحفيى العالم فى القرن العشرين، وأكثرهم تأثيرًا فى عوالم السياسة والصحافة المتداخلة والعاصفة.
ثم إن الكتاب نفسه، ربما يكون أول وثيقة اتهام مكتوبة بأسلوب روائى توثيقى آسر، أما المتهم فهو الكاتب الصحفى البارز بدوره مصطفى أمين، الذى حشد هيكل كل ما لديه من أسرار ووثائق ومعلومات لتأكيد تهمة تخابره مع المخابرات الأمريكية، وهى التهمة التى دفع مصطفى أمين ثمنًا لها نحو تسع سنوات من عمره فى السجن، والمثير أنه عندما خرج -بعفو صحى- من الرئيس السادات عام 1974، ورغم أنه ظل يكتب بعد ذلك بانتظام لنحو ربع قرن حتى وفاته عام 1997، فإنه لم يعترض أو يكذب أو ينفى رواية هيكل المذهلة عن تورطه فى العمل المخابراتى.

 

من الواضح أن هيكل قرر إطلاق قنبلته هذه المعروفة باسم «بين الصحافة والسياسة» بعدما دأبت بعض الصحف العربية، من بينها «الحوادث اللبنانية» بجانب جريدة «أخبار اليوم» على الهجوم على شخصه فى نهايات حكم السادات وبدايات حكم مبارك، وكان مصطفى أمين حينها يكتب عموده الشهير «فكرة» فى الجريدة التى أسسها، وقد عادت سطوته ونفوذه الصحفى تدريجيًّا، فى الوقت الذى تمسك فيه هيكل بقراره الذى اتخذه حينما غادر مقعد رئيس تحرير «الأهرام» آخر مرة فى 1974، بأنه لن يعود إلى دهاليز العمل الصحفى التقليدى مرة أخرى، مكتفيًا بالكتابة فى الصحف العربية، وتأليف الكتب التى تستغرق مجهودًا وبحثًا ووقتًا طويلًا.
 

كان هيكل فى ما يبدو يريد أن يرد على الهجوم عليه بضربة قاضية، فكان أن أصدر «بين الصحافة والسياسة» وبه نحو 40 صفحة من الوثائق السرية التى تُنشر لأول مرة، بعضها كان مراسلات بين جمال عبد الناصر وسكرتيره للمعلومات سامى شرف، وبعضها كان تقارير أمنية على درجة عالية من الخطورة، وبعضها كان مراسلات بين مصطفى أمين وشقيقه علِى، ومراسلات بين مصطفى أمين والرئيس عبد الناصر نفسه، وجميعها فى كل الأحوال كان حقيقيًّا ويُصعب الطعن فيه، ويقر بحقيقة واحدة، لقد كان مصطفى أمين متعاونًا مع المخابرات الأمريكية.
 

وعلى الرغم من أن هيكل لم يذكر اسم مصطفى أو علِى أمين طوال صفحات الكتاب إلا مسبوقًا بلقب الأستاذ، ورغم أن صفحات الكتاب تخلو من أى لفظ غير منضبط تجاه الرجلَين على لسان هيكل، فإن الكتاب بأكمله كان وثيقة إدانة لأسطى من أسطوات الصحافة المصرية والعربية، بغض النظر عن توجهاته السياسية، وهل هناك إدانة أو اتهام أشد من الجلوس مع ضابط مخابرات أمريكى ونقل معلومات له عن الوطن فى ذروة سنوات التوترات الإقليمية والدولية فى منتصف الستينيات من القرن الماضى؟
 

يكشف هيكل على عجالة فى الصفحات الأولى من الكتاب، كيف انتقل من «الإجيبشيان جازيت» إلى «آخر ساعة» التى أسسها «برنس» الصحافة المصرية فى الأربعينيات محمد التابعى، وكيف أن ذلك تم بناء على طلب من الأخير، وقد أصبح هيكل سكرتيرًا لتحرير «آخر ساعة»، ثم توالت الأزمات المالية على المجلة ذات الميول الوفدية، وفى عام 1946 قرر التابعى عرض «آخر ساعة» للبيع، ثم أخبر هيكل بأن المشترى سيكون مصطفى وعلِى أمين اللذين أسسا «أخبار اليوم» قبل ذلك بعامين فقط، لكن الجريدة حققت انتشارًا كبيرًا وهو أمر يرجعه هيكل إلى سلسلة مقالات كتبها مصطفى أمين مع صدور «الأخبار» بعنوان: (لماذا ساءت العلاقة بين القصر والوفد؟) وكانت مقالات حافلة بالأسرار والحكايات والقصص، بالإضافة إلى أن شكل «أخبار اليوم» كان وقت صدوره مغايرًا لطبيعة الصحف المصرية، رغم أن هيكل يرى أن «أخبار اليوم» اقتبست ذلك الشكل من جريدة «الصنداى إكسبريس» البريطانية.
 

من الصفحات الأولى نستكشف «عدم استلطاف» واضح من هيكل لمصطفى أمين. حتى عندما أخبره التابعى بأن «أصحاب آخر ساعة الجدد» يريدون من الطاقم الجديد أربعة صحفيين فقط، هم: التابعى وهيكل وصاروخان (رسام الكاريكاتير) ود.سعيد عبده (طبيب يهوى كتابة الزجل)، كان رد هيكل للتابعى: «ما نوع الاتفاق الذى عقده (يقصد مع التوأم)، وما إذا كان من نوع عقود الإقطاع الروسى قبل الثورة، حينما كانت الأرض تباع بما عليها ومَن عليها؟». ورغم هذا التحفز ورغم أنه جاءه فى الوقت ذاته عرض لرئاسة تحرير جريدة أخرى هى «الإثنين» ينتقل هيكل وسط ضغوط من التوأم والتابعى إلى «أخبار اليوم»، ويبدأ معهما رحلة عمل امتدت 11 سنة كاملة من 1946 حتى 1957، لكن «حالة عدم الارتياح» تظل واضحة بين السطور فى العلاقة بين مصطفى أمين وهيكل.


عمومًا، هيكل رغم كل ما ذكره فى «بين الصحافة والسياسية» من أسرار وكواليس ووثائق، ظل كعادته محتفظًا بالكثير دون أن يسرده على الورق، مكتفيًا فى أحيان كثيرة بالتلميح لا التصريح، حتى إنه عندما لجأ إلى نشر وثيقة عبارة عن مذكرة بخط سامى شرف، سكرتير الرئيس للمعلومات، موجهة إلى عبد الناصر قبل وفاة الأخير بثلاثة أشهر فقط، ويحذر فيها شرف عبد الناصر من تحركات تضمر شرًّا لمصر، وقد أوجز شرف هذه التحركات فى ثمانى نقاط، قرر هيكل أن يشطب على النقاط الثمانى كلها، معللًا ذلك بدواعى الأمن القومى! يبدو الأمر غريبًا خصوصًا أن الوثيقة مر عليها وقت نشر الكتاب لأول مرة أكثر من 14 عامًا، ولابد أن التحركات والأخطار التى كانت تحيط بمصر 1970 لم تعد كذلك فى مصر 1984، لكن هكذا قرر الأستاذ، وهكذا فعل، ليبقى السؤال هنا: ما أهمية هذه الوثيقة إذن فى هذا الكتاب؟


الأهمية، كما يبرزها هيكل بنفسه، هى ملحوظة بخط اليد كتبها عبد الناصر على الطرف الأعلى الأيسر من المذكرة، وفيها كتب الرئيس نصًّا: « سامى، لقد تقابل علِى أمين فى روما مع أحد المصريين المقيمين فى ليبيا، وقال له الوضع فى مصر سينتهى آخر سنة 70. جمال».
 

يبدو هيكل مستغربًا من أن ملحوظة عبد الناصر هنا سبقت وفاته بأشهر قليلة، لا يقول صراحة إن علِى أمين كان على علم بموعد وفاة/ مقتل عبد الناصر، ولكنه يلمح إلى ذلك بين السطور. الملحوظة فى مجملها غريبة، إذ مَن هو المصرى المقيم فى ليبيا الذى أخبره علِى أمين بهذه المعلومة؟ وما أهميته؟ ولماذا لما يذكره جمال عبد الناصر بالاسم صراحة، وهو إن فعل ذلك فإنه يفعله على طرف مذكرة سرية بينه وبين سكرتيره للمعلومات؟ ثم هل إذا قال علِى أمين لأحدهم -أيًّا كان هذا الشخص- إن الأمر سينتهى فى مصر نهاية 1970، فإن هذا يعنى فعلًا أن علِى أمين كان على علم بأن هذا هو العام الأخير لعبد الناصر فى مصر والحياة؟
 

لا يجيب الأستاذ هيكل عن أى من هذه الأسئلة، لكنه يضع هذا «اللغم» بين يدَى القارئ ويمضى، لكن القارئ المخضرم يعرف بكل تأكيد أن التلميح بأن علِى أمين كان على علم بمؤامرة ما تُحاك ضد عبد الناصر ومصر عام 1970، هو أمر يتماشى مع ما أورده هيكل عن توأم الصحافة المصرى الشهير، ذلك أنه يفرد فى الكتاب فصلًا كاملًا فى نحو 70 صفحة، لرسالة بعث بها مصطفى أمين من سجنه إلى الرئيس عبد الناصر عقب إلقاء القبض عليه بتهمة التخابر مع الولايات المتحدة الأمريكية، والرسالة تتضمن اعترافًا تفصيليًّا يصل إلى حد الملل، من مصطفى أمين بأنه كان على تواصل مع جهات أمريكية عدة من بينها المخابرات، ونقل على لسانه معلومات بعضها صحيح وبعضها مغلوط، والكثير منها مدعيًا أنه نقلًا عن الرئيس عبد الناصر، بل إنه تلقى أموالًا نظير ذلك، وفى سطور قليلة يبرر مصطفى أمين فعلته هذه بأنه أولًا كان يفعل ذلك وفقًا لاتفاق بينه وبين عبد الناصر، وهو أمر نفاه هيكل بعد ذلك نقلًا عن عبد الناصر نفسه، وثانيًا أنه كان يفعل ذلك من أجل أن الحصول على معلومات من ضابط المخابرات الأمريكى «بروس تايلور أوديل» والذى كان يجتمع معه فى منزله -أى منزل مصطفى أمين- بالقاهرة والإسكندرية بشكل أسبوعى.
 

ولقد بدأ مصطفى أمين خطابه الاعترافى هذا بجملة مذهلة «سيادة الرئيس جمال عبد الناصر.. إننى أشعر أننى أسأت إليك وإننى لم أعد جديرًا بالثقة التى وضعتها فى. وقد تصورت دائمًا أننى قادر على انتزاع معلومات هائلة لبلادى، ولقد سبق أننى جئت إليك بأكبر الأسرار وأخطرها، مستفيدًا من صلاتى العديدة بالأمريكيين من رجال السفارة الأمريكية والمخابرات الأمريكية، ولقد هيَّأ لى الوهم أنى حر فى التحرك ما دمت قد نلت منك الإذن فى الاستمرار فى اتصالاتى.. وإذا رأيت أن هذا التصرف يستحق العقاب فإنى قابل برضا ما تراه، وإذا رأيت أن شفيعى حسن نيتى وسلامة هدفى فإن الأمر لك على الحالين..».
 

فى الأغلب أن ظهور نص هذا الخطاب الذى أرسله مصطفى أمين إلى عبد الناصر عقب إلقاء القبض عليه فى كتاب هيكل، هو الذى منع مصطفى أمين بعد خروجه من السجن من نفى التهمة عليه، لأنه كما قال عبد الناصر لهيكل وهو يعطيه نسخة من هذا الخطاب، من الممكن تصور أن يكتب مصطفى أمين اعترافًا بما قام به تحت ضغط أو إرهاب، لكن أن يتحول هذا الاعتراف إلى خطاب مطول من 60 صفحة، فالأغلب أن هذه سطور وتفاصيل مكتوبة بغير ضغط أو ترهيب.
 

عَنوَن هيكل الفصل الذى علم فيه بخبر إلقاء القبض على مصطفى أمين بتهمة التخابر باسم «صاعقة تنقض»، وهو تعبير دقيق كعادة الأستاذ بالفعل، ذلك لأنه قبل إلقاء القبض على مصطفى أمين، كان هيكل معتادًا على تناول الغداء معه كل ثلاثاء، وكان هيكل قد ساعد علِى أمين فى أن يصبح مراسلًا لـ«الأهرام» فى لندن، وكان على الرغم من عدم الارتياح -المتبادل فى ما يبدو- بينه وبين مصطفى أمين، حريصًا على أن تظل العلاقة بينهما قائمة على احترام وتقدير، حتى وقد بدا للجميع أن هيكل فى علاقته بعبد الناصر قد تخطى الجميع، وأن أحدًا أبدًا مهما بلغ من حنكة ومهارة، لن يلحق به.
 

الأمر لم يكن وليد اللحظة بطبيعة الحال.
 

يروى هيكل بشىء من التفاخر الخفى، أنه فى يوم 23 يوليو اتصل هو بمصطفى أمين فى مكتبه بـ«أخبار اليوم»، فأخبره الأخير أن حادثًا جللًا قد وقع فى البلاد، وأن الجيش تحرك ضد الملك، وأنه -أى على هيكل- أن يترك الإسكندرية -حيث كان يظن وجوده- والقدوم إلى القاهرة فورًا لرصد ما يحدث، فما كان من هيكل إلا أن رد عليه بهدوء وثبات، أنه يحادثه من مقر مجلس قيادة الثورة!
 

كانت الرسالة واضحة جدًّا.
 

إذ كان مصطفى أمين منذ منتصف الأربعينيات وحتى 22 يوليو 1952 هو الصحفى رقم واحد فى مصر، المقرب من القصر والمطلع على خبايا وأسرار الحكم، فإن الأمر لم يعد كذلك بدءًا من 23 يوليو 1952.
لقد بدأ عصر هيكل.

 

اللحظة كانت مذهلة بكل المقاييس.
 

بعد مكالمة مصطفى أمين هذه التى كانت إعلانًا واضحًا بأفول عصر بأكمله، جاءت لحظة تاريخية أخرى لهيكل.
 

طلب مصطفى أمين من هيكل أن يعطيه رقم مجلس قيادة الثورة، ليستطيع أن يتواصل معهم، رفض عبد الحكيم عامر ذلك وبشدة، بينما وافق جمال عبد الناصر بحماس. بعدها أعطى مصطفى أمين الرقم لواحد من أهم الشخصيات فى مصر فى ذلك الحين.
 

فى الليلة نفسها، دقّ التليفون فى مقر قيادة الثورة، وكان المتصل هو نجيب الهلالى، رئيس الوزراء، وكان يريد أن يتحدث مع صديقه محمد حسنين هيكل.
 

سأل الهلالى هيكل عن طلبات «الجماعة» -يقصد الضباط الأحرار- وبعد مداولات مع عبد الناصر، طلب الأخير من هيكل أن ينقل إلى الهلالى أنهم يريدون منه أن يستقيل من منصبه ومعه الحكومة بأسرها!
يصف هيكل هذه اللحظات، قائلًا: "فتحت عينى على آخرهما فى دهشة، ثم وضعت كفِّى على بوق سماعة التليفون لأقول لجمال عبد الناصر: (ولكنه رجل وطنى وأمين). وقال جمال عبد الناصر: (ليس هذا هو المهم الآن.. قُل له أن يستقيل). ولم يكن هناك مفر، ومثقلًا بالأسف نقلت للرجل: (نعم هم يريدون أن تستقيل الوزارة)، وقال الهلالى (باشا) بسرعة: طيب.. طيب».

 

هيكل إذن لم يكن شاهدًا على استقالة آخر حكومة للملك فاروق، بل هو شخصيًّا من نقل هذا الطلب إلى رئيس الوزراء على لسان الضباط الأحرار! أى مجد صحفى وإنسانى كان يعيشه الأستاذ هيكل فى هذه اللحظات المليئة بكل الاحتمالات والنتائج؟!
 

هكذا استخدم هيكل، حسب وصفه هو، «قصف مدفعية»، لنسف أسطورة مصطفى أمين، ولكنه -كعادته- فعل ذلك وَفقًا لوثائق، وشواهد، وشهود، باسثتثاءات قليلة، مثل حديثه عن تزامن إصدار «أخبار اليوم» فى 1944 مع توجه الولايات المتحدة الأمريكية إلى تمويل عدة مشروعات صحفية مشابهة فى إيران واليابان، لخدمة أفكارها وسياستها فى المنطقة. هذا اتهام مباشر وصريح بأن «أخبار اليوم» صُنعت فى أمريكا وبأموال أمريكية، لكن لا دليل قطعى عليها، فقط استقراء لأحوال وتحليل لأمور.
 

ورغم أن قضية تخابر مصطفى أمين تستحوذ على معظم صفحات كتاب «بين الصحافة والسياسة»، فإن الكتاب يتضمن عدة فصول مهمة تؤرخ لطبيعة العلاقة المتشابكة بين الصحافة والسلطة فى مصر، من بينها ذلك الفصل الذى يروى فيه قرار تأميم الصحافة عام 1960، وهو القرار الذى لا يزال يمتد أثره -السلبى فى الأغلب- على حال الصحافة المصرية حتى يومنا هذا.
 

يروى هيكل جانبًا من مناقشاته مع عبد الناصر حول الأمر، وينتهى إلى أنه خاض معركة بالمنطق والحديث مع الرئيس من أجل إثنائه عن هذه الفكرة، وأنه عندما استشعر فى نهاية الأمر أن القرار محسوم، حاول أن يقلل من أثره، وقد خرج بما اعتبره هو مكاسب ما، من بينها استبعاد منطق التأميم بحدوده القاطعة وتحويله إلى «تنظيم الصحافة»، وهو أمر يعكس فى ما يبدو افتنان هيكل بالمصطلحات اللغوية بغض النظر عن تشابه أثرها على الأرض، فهو أيضًا صاحب مصطلح «النكسة» وليس الهزيمة فى حرب 1967، وتفسيره فى ذلك بأن النكسة حدث عارض تتبعه استفاقة على عكس الهزيمة.
 

يورد هيكل فى هذا الفصل، على لسان عبد الناصر، أسبابه التى دفعته لتأميم الصحافة وتحويلها من ملكية فردية إلى تابعة للدولة، يقول عبد الناصر: «إننا مقبلون على تحولات اجتماعية كبيرة، وقد بدأت هذه التحولات بتأميم البنك الأهلى وبنك مصر، وإذا كنا حقًّا نريد تنفيذ خطة للتتمية، وإذا كنا نريد إجراء تحولات اجتماعية عميقة فى مصر، فلا بديل من سيطرة المجتمع على وسائل المال والإنتاج، ولا أستطيع عقلًا ولا عدلًا أن أفرض سيطرة المجتمع على الاقتصاد ثم أترك لمجموعة من الأفراد أن يسيطروا على الإعلام.. ثم إن المرحلة الجديدة من التحول الاجتماعى تحتاج إلى تعبئة اجتماعية شاملة، وأعرف أن الموجودين الآن سوف يصفقون لأى قرار، لكن المطلوب شىء آخر غير التصفيق».
 

لم يذكر هيكل كيف كان رده على عبد الناصر بعد عبارته الأخيرة هذه، ويبدو أنه -بفطنته وذكائه المعتاد- قد أدرك أن التأميم بات أمرًا محتومًا، وما يملكه هو أن يقلل من أضراره لا أن يمنع وقوع بلائه. المدهش أنه عبارة عبد الناصر هذه التى قالها لهيكل عام 1960 بأن «المطلوب شىء آخر غير التصفيق»، باتت منهجًا وطريقة للحكم لكل مَن خلف عبد الناصر فى منصبه، والمدهش أكثر أنهم دومًا يجدون مَن يصفق وأكثر.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.